حفلة أصالة

حفلة أصالة

استمع إلى المقال دقيقة

لم تصعد أصالة نصري بعد إلى خشبة المسرح في دمشق، لكن حفلتها المقررة في 17 سبتمبر/أيلول بدأت بالفعل تختبر حدود المشهد الثقافي الذي يتشكل في سوريا بعد الأسد. فقد أثارت عودة المغنية السورية احتفاء رسميا ومعارضة من أوساط محافظة، وسط روايات متضاربة حول ما إذا كانت الحفلة ستقام أصلا. وفيما تمسك وزارة الثقافة بإقامتها، سرعان ما تجاوز الجدل حدود المناسبة نفسها، ليكشف عن صراع أوسع حول هوية سوريا الثقافية الجديدة، ومن يملك حق رسم ملامحها.

قوبل الإعلان عن حفلة أصالة باعتراضات فورية ازدادت حدة مع مرور الأيام. وكان من أبرز المنتقدين الواعظ المصري المثير للجدل هاني ذهب، المعروف أيضا بالشيخ الذهبي، الذي شن حملة علنية ضد الحفل وطالب بإلغائه. ووصف الحفلات التي يراها مخالفة للأعراف الدينية والاجتماعية بالحفلات "الآثمة". وزاد بأن زعم في الأسبوع الماضي أن حفلة أصالة ألغيت بالفعل، وأن إعلانا رسميا سيصدر قريبا لتأكيد ذلك.

وزارة الثقافة، من جهتها، تمسكت بموقفها. ففي 5 سبتمبر/أيلول، أكد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح أن الحفل سيقام في موعده المحدد يوم 17 من الشهر نفسه. كما أعلنت الوزارة نيتها رعاية الألبوم الجديد لأصالة. وكانت الرسالة واضحة: الحكومة، في هذه القضية على الأقل، لا تنوي الاستجابة للضغوط المطالبة بالإلغاء.

لكن السجال لم يتوقف عند هذا الحد. ففي 6 سبتمبر/أيلول، جرى تداول بيان منح الحملة المحافظة طابعا أكثر تنظيما. ووقعه 62 شخصا، داعين إلى مراجعة القواعد المنظمة للفعاليات العامة، وسحب الدعم الرسمي من الأنشطة التي يرونها غير منسجمة مع هوية المجتمع السوري وقيمه. وكان بين الموقعين عضوان في مجلس النواب ودبلوماسي سوري أعيد إلى منصبه.

لم يذكر البيان أصالة أو أي حفلة بعينها، ولذلك فإن اختزاله في الاعتراض على أدائها يحجب القضية الأوسع. فمطالبه تشير إلى رغبة واضحة في توسيع التأثير المحافظ على القواعد التي تحكم الحياة العامة والثقافية في سوريا.

وبحسب تقارير، فقد أعاد عدد من المسؤولين نشر البيان أو أعلنوا تأييدهم له، وبينهم أشخاص يعملون داخل وزارة الثقافة نفسها. وتكمن أهمية ذلك في أن الانقسام لم يعد محصورا بين ناشطين محافظين خارج مؤسسات الدولة وحكومة تدافع عن الانفتاح الثقافي، بل بات ظاهرا داخل مؤسسات الدولة الناشئة نفسها. وهو ما يعكس خلافا أعمق حول طبيعة المرحلة الانتقالية بعد الأسد، والقيم الاجتماعية التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، والجهة التي تملك سلطة الحسم.

كان دفاع وزارة الثقافة عن أصالة مهماً، ونجح حتى الآن في حماية هذه الحفلة تحديدا. غير أن التدخل الوزاري، كلما اندلع خلاف من هذا النوع، لا يمكن أن يكون الأساس الدائم لنظام ثقافي يتسع لفنانين غير مشهورين، أو لا يتخذون موقفا سياسيا واضحا، أو ينتقدون السلطات، أو لا يرون أنفسهم مطالبين بإثبات أي جدارة سياسية.

كما أن تأييد بعض المسؤولين للبيان لا يكفي للقول بوجود كتلة محافظة منسقة داخل الدولة، ولا يثبت وجود رؤية مشتركة بين المنتقدين للسياسات الثقافية الراهنة. لكنه يكشف أن الضغوط المطالبة بفرض قيود اجتماعية ودينية أوسع لا تأتي كلها من خارج المؤسسات. فبعض الداعين إلى التغيير يعملون داخل الأجهزة التي ستتولى تفسير السياسة الثقافية وتطبيقها.

فالقيود على النشاط الثقافي لا تحتاج إلى حظر رسمي على مستوى البلاد. ويمكن أن تتشكل عبر قرارات إدارية يومية. فقد تظل فعالية ما مسموحة من حيث المبدأ، بينما يجد منظموها صعوبة في الحصول على تصريح، أو في الاحتفاظ به بعد صدوره. وإذا كان بعض المسؤولين عن الشأن الثقافي ينظرون إلى عروض بعينها باعتبارها مرفوضة أخلاقيا، فقد تتحول سلطتهم التقديرية إلى أداة تقييد، حتى من دون وجود قواعد وطنية صريحة.

ألغيت حفلة مالك جندلي، التي حصلت على موافقة رسمية من وزارة الثقافة وكان مقررا إقامتها في ساحة عامة في حمص في ديسمبر، قبل أسابيع من موعدها

وتشير عدة حوادث خلال المرحلة الانتقالية إلى أن هذا الاحتمال لم يعد نظريا. فقد ألغيت حفلة مالك جندلي، التي حصلت على موافقة رسمية من وزارة الثقافة وكان مقررا إقامتها في ساحة عامة في حمص في ديسمبر/كانون الأول، قبل أسابيع من موعدها. وربطت تقارير في ذلك الوقت قرار الإلغاء باعتراض مفتي حمص، الذي دافع عنه بالقول إن الساحة ارتبطت بدماء متظاهرين قتلوا فيها، وإن ذكراهم لا ينبغي إحياؤها بالموسيقى.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، ألغت سلطات محلية لم تسم عروض "مهرجان سوريا للكوميديا" في حماة، رغم حصول الفرقة الكوميدية على موافقة مسبقة من وزارة السياحة.

الخطر، إذن، لا يكمن بالضرورة في صدور قرار شامل يمنع الحفلات. الأخطر هو أن تحتفظ سوريا بصور بارزة للانفتاح، فيما تبقى الحياة الثقافية اليومية رهينة المزاج الإداري، والعلاقات الشخصية، والتقلب في موازين النفوذ بين الأطراف المختلفة. وعندها قد تثبت حفلة ناجحة لأصالة قوة الجهة التي ترعاها أكثر مما تثبت رسوخ الحرية الفنية نفسها.

ولتفادي ذلك، لا يكفي الدفاع عن كبار الفنانين حين يتعرضون للضغط. تحتاج الحكومة إلى قواعد واضحة تحمي المجال الثقافي والمدني، وإلى ضمانات تحول دون تحول القناعات الدينية أو الأخلاقية الشخصية للمسؤولين إلى شروط غير مكتوبة تفرض على الفنانين والمنظمين والجمهور.

وللأصوات المحافظة، بالطبع، كامل الحق في طرح رؤيتها للمجتمع والدفاع عنها في المجال العام. أما التعدد الثقافي فيحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة هذا الخلاف من دون أن تمنح أي طرف سلطة غير معلنة لتعطيل خيارات الآخرين.

إذا أقيمت حفلة أصالة في 17 سبتمبر/أيلول، فسيكون ذلك مؤشرا مهماً على أن الحملات المحافظة لا تستطيع فرض إرادتها تلقائيا على الحياة الثقافية. لكن مستقبل سوريا الثقافي لن تحسمه قدرة وزير على إنقاذ حفلة هنا وأخرى هناك. الاختبار الحقيقي هو قدرة الدولة على بناء مؤسسات تضمن أن لا يصبح حق أي فنان في الأداء مرهونا بمسؤول مستعد للدفاع عنه.

font change