عودة أصالة

عودة أصالة

استمع إلى المقال دقيقة

وكأن الفن ليس نهرا من أنهار سوريا، ولا المواويل سهوبها ووديانها ولا الأغنيات والقدود والموشحات بيوتها. وكأننا لم نهزم الطاغية بالأغنيات أيضا. وكأن الصباحات لم تكن مبللة بدعاء الأهل والأغاني. كأن سوريا كانت على جفاء مع الفن، وكأن الفن يعتدي على حرمات السوريين كلما تقرر إحياء حفل غنائي. فتعلو الأصوات المتشددة، تحاول قطع الدرب بشكل قطعي على حفل ستحييه فنانة على وجه الخصوص، وتتشابك مع هذه الأصوات أصوات تلعن الأغنيات والموسيقى. وتحرم المعازف وتكفر الاختلاط. أصوات تريد تكميم الحريات والأفواه.

نحيا فترة قصيرة نتهرب فيها من الإحساس المحرج بالنصر الصغير على أنفسنا، إنقاذ حفل غنائي من مخالب التشدد الذي ينبت كالفطر، كنوع آخر من أنواع الفلول التي تعشش في الشارع وعلى تخوم الحياة. تجلى كل هذا مؤخرا في تلك المعاندة التي رافقت دعوة وزارة الثقافة السورية للمغنية السورية أصالة نصري بعد خمسة عشر عاما من غيابها عن بلادها.

تعود بنت الشام إلى الشام لتحيي حفلين غنائيين، تعود محملة بالهدايا. أربعة عشر أغنية مستمدة من التراث. كل أغنية هي صوت محافظة من المحافظات السورية. لم تكن "صولا" لتستطيع العودة بلا أغنيات جديدة، بل هي عادت لتقدم هذه الأغنيات. جمعت سوريا في ألبوم وطلبت من أهل سوريا، في مقطع مؤثر في الأداء والصوت والعاطفة: "قولوا يا عالم لأمي رجعت أصالة عالشام". هذا المقطع الغنائي القصير هو نواة الألبوم.

غنت هذا الطلب، تشاركته مع الناس. كي تستطيع العودة. الكثير من السوريين يعرفون حجم ومدى وعمق الوجع والفرح في هذا النداء. كم من غادر ولم يعد. وكم من رحل ولم يودع أحدا.

أنا أيضا سأطلب من شجر الزيتون ومن العصافير، أن يخبروا أمي هناك في ظلال الزيتون عن موعد عودتي في يوم من الأيام.

ربما تكون أغنية السويداء ومن وجهة نظر شخصية، هي أكثر أغنيات الألبوم درامية، ذات بعد راهني يصل التراث باللحظة.

هذا التجاور الذي يتقاسم فيه الناس أقدارهم بحلوها ومرها، هو رؤية أخرى من رؤى حياة السوريين التي اتسمت بلطف عيشهم المشترك رغم المظالم

انحنت عاطفة الأغنية على أوجاع هذه المحافظة المكلومة. تعالت على الحل الأمني العسكري الجائر الذي اعتمدته الحكومة المؤقتة، وعلى عار الهجري والتصاقه بإسرائيل وما نتج عنه. تعالت على الفرقة. غنت المدينة أحزان أهلها وشجونهم، وما يجمع وما يفرق، إنه الإنصاف المستمد من روح التراث:

"محبوب قلبك بالهوى سميتني - ومن بعد ما سميتني سميني   

جريتني من الظلم بميل العمى - ومن بعد ما جاريتني جريتني

عودتني أقضي حياتي بالسجون - لا عطف صافي ولا قلب يخفق حنون

سليتني بلفتة جفونك والعيون - ومن بعد ما سليتني، سليتني". 

هذا التجاور الذي يتقاسم فيه الناس أقدارهم بحلوها ومرها، هو رؤية أخرى من رؤى حياة السوريين التي اتسمت بلطف عيشهم المشترك رغم المظالم، واتسمت به ثورتنا. وهو فرصة للعدل يحاول الفن القبض على جمرها. لا تستطيع السياسة بلوغها، قبل بلوغ دولة القانون والمواطنة.

ليست المساحة هنا للحديث عن الفنية والموسيقى والتوزيع لأغنيات الألبوم الذي تتجلى فيه أغنية اللاذقية الجميلة والمغناج مسقط رأسي "على روض الحبيب". وأغنية إدلب "سمرا يا بعد عيوني" التي تشرب من نبع الغزل.

لم يعد أي من العائدات أو العائدين بعد يوم التحرير إلى بيوتهم فقط، لقد عادوا إلى سوريا. من الشاق علينا أن نتقبل تدخل الصوت الديني السلفي المتشدد وهو يحاول تشريع أو عدم تشريع الحرية في الحيز العام. التدخل في تخطيط هوية السوريين وحذف الكثير من ملامح هذه الهوية التعددية وثرائها وعمقها. من الصعب قبول إقامة هذا الصوت المتشدد في الشارع، يتلصص على حياتنا ويحاول خنق الحياة المدنية.      

كانت الرقابة السياسية المتشددة قد التقت في لحظات كثيرة في الماضي، وفي غياب سلطة القانون، مع الرقابة الدينية المتشددة، وربت الطرفان على كتف بعضهما البعض. حين تمنع الرقابة السياسية فنانا أو رأيا حرا تمنعه رقابة التشدد السلفي سلفا، تكون النتيجة واحدة، وهي المنع.

هذا الخراب عهدناه في عهد الأسد. وهو ينزلق ويسيل من جديد في دماء ومياه حياتنا. يطالب السوريون بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، النقلة الضرورية لرفع الحيف والظلم عن صدر البلاد، كي تتنفس القبور في التراب قبرا قبرا. كي يستطيع الناس الحياة بخفة الكائن المتخفف من جراحه، كي تصان قيمة التضحيات وكي لا يتكرر ذلك.  

من الشاق علينا أن نتقبل تدخل الصوت الديني السلفي المتشدد وهو يحاول تشريع أو عدم تشريع الحرية في الحيز العام

هزمت البيوت السورية عبر تاريخها الطغاة، وكانت الانتفاضة انتفاضة الثقافة والإبداع والحرية. غنى الساروت فيها وغنت معه بلاده... من يستطيع كبح تدفق الأمل في الحياة.

سيبقى النقد الحقيقي الشفاف لأداء السلطة السياسية أو الدينية، هو الضامن لوجهة المستقبل المشترك الذي نحن بصدده معا، وهو الشراكة الحيوية بين الأحلام والأخلاق والقيم. يدفع الفنانون في رياح الأرض الآن ثمن هذا النقد، وثمن حرية التعبير الباهظ، كما دفعنا نحن والكثير من حولنا في لبنان وفلسطين والعراق. فنانات وفنانون من صف النجوم في الغرب وقفوا مع فلسطين وضد الإبادة، يفقدون فرص عملهم وتقاطعهم شركات الإنتاج، ونحن... نحن لا نزال نحاول تضميد جراحنا ورفع صوت الغناء في وجه كل هذا الفناء.

font change