عن "الحرس الثوري" وخنق حركة الملاحة

عن "الحرس الثوري" وخنق حركة الملاحة

قد يشكل التقدم السريع الذي أحرزه الحوثيون في اليمن- حيث عززوا قدرتهم على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر- مشكلات خطيرة أمام مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخوض حرب اقتصادية على إيران.

بعد أن استنفدت الولايات المتحدة كثيرا من خياراتها العسكرية خلال أكثر من ستة أشهر من الصراع مع حكم الملالي، يحاول ترمب إرغام إيران على قبول شروطه للسلام بفرض جولة جديدة من العقوبات الخانقة على طهران.

وفي أحدث محاولة لإخضاع إيران لإرادته، أعلن ترمب في يوليو/تموز جولة جديدة من العقوبات القاسية تحت اسم عملية "المنبوذ الاقتصادي"، بهدف إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد الإيراني المنهك أصلا، بحيث لا يبقى أمام الإيرانيين خيار سوى قبول شروطه للسلام.

ووصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الحزمة، لدى الإعلان عنها، بأنها "يوم إنزال اقتصادي"، في إشارة إلى إنزال قوات الحلفاء في فرنسا عام 1944 الذي أفضى إلى هزيمة ألمانيا النازية. وقال إن الهدف الأساسي للعقوبات هو استهداف من وصفهم بـ"داعمي إيران"، واصفا الحملة بأنها "هجوم اقتصادي" على مصالح طهران المالية في أنحاء العالم. وستستهدف الولايات المتحدة جميع مصادر إيرادات إيران، بما فيها النفط، بهدف منع الدول والشركات الأخرى من التعامل مع طهران.

وقال: "هدفنا هو قطع كل شريان اقتصادي يبقي هذا النظام الاستبدادي قائما، إلى أن تجد طهران نفسها وحيدة".

ولا شك في أن هذه الإجراءات تترك أثرا عميقا في وضع إيران الاقتصادي، الذي كان مترديا أصلا قبل اندلاع الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير/شباط.

ويظهر أثر انهيار الريال الإيراني بحدة، إذ ارتفعت تكلفة الواردات، وأصبحت الشركات تجد صعوبة في التخطيط، فيما تفقد مدخرات الناس قيمتها. وفي الوقت نفسه، قلصت القيود المفروضة على صادرات النفط قدرة الحكومة على الحصول على النقد الأجنبي.

ومع بلوغ التضخم نحو 65 في المئة، كان للعقوبات بلا شك أثر كارثي على الإيرانيين العاديين، الذين شهدوا ارتفاعات حادة في أسعار السلع الأساسية.

فقد ارتفع سعر الزيت النباتي 383 في المئة مقارنة بما كان عليه قبل عام، فيما زاد سعر البيض 294 في المئة، والدجاج 177 في المئة، واللحوم الحمراء 148 في المئة.

لكن إيران، رغم الضائقة الاقتصادية، تمكنت من مواصلة حملتها لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز الحيوي في الخليج. ورغم محاولات الجيش الأميركي مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق، لا يزال هرمز مغلقا أمام معظم حركة الملاحة التجارية، وهو وضع بدأ يؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي.

ومن المتوقع أن تتفاقم التداعيات الاقتصادية لحرب ترمب مع إيران أكثر بعد النجاحات الأخيرة التي حققها الحوثيون المدعومون من إيران بسيطرتهم على شبكة من الجزر في البحر الأحمر، ما قد يتيح لهم تعطيل الملاحة في باب المندب على غرار ما فعله الإيرانيون في مضيق هرمز.

وتشير الدلائل كلها إلى أن الهجوم الأخير الذي شنه الحوثيون في اليمن يأتي ضمن خطة نسقها "الحرس الثوري" الإيراني بعناية لتعطيل الملاحة بالتزامن في اثنين من الممرات البحرية الرئيسة في الشرق الأوسط، مما يزيد الاضطراب في الاقتصاد العالمي.

وبسيطرتهم على ميناء المخا، إلى جانب جزر في مضيق باب المندب، سيكون الحوثيون أقدر على فرض حصار على حركة الملاحة في المنطقة، وهو ما يرى كثير من المراقبين أنه السبب الرئيس وراء شنهم هجومهم الأخير.

تشير الدلائل كلها إلى أن الهجوم الأخير الذي شنه الحوثيون في اليمن يأتي ضمن خطة نسقها "الحرس الثوري" الإيراني بعناية لتعطيل الملاحة بالتزامن في اثنين من الممرات البحرية الرئيسة في الشرق الأوسط، مما يزيد الاضطراب في الاقتصاد العالمي

بعد نجاح إيران في إغلاق مضيق هرمز، تحول البحر الأحمر، على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، إلى شريان تزداد أهميته للاقتصاد العالمي، وقد هددت إيران مرارا باستهداف هذا الشريان.

ويأمل الحوثيون، بعدما باتوا قادرين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، في أن يتمكنوا من تعطيل صادرات السعودية، التي أعيد توجيه معظمها عبر خط أنابيب بطول 746 ميلا يمتد من الخليج إلى محطة ينبع على البحر الأحمر.

وتعرض خط الأنابيب في وقت سابق من هذا الأسبوع لهجوم كبير بطائرة مسيرة. ويمكن للخط نقل ما يصل إلى سبعة ملايين برميل من النفط الخام يوميا، ما يسهم في تخفيف الضغط على أسعار النفط العالمية.

ومع ذلك، بات عجز إدارة ترمب عن إنهاء الصراع مع إيران يؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي. فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، من 3.5-3.75 في المئة إلى 3.75-4 في المئة.

ومع توقع كثير من الاقتصاديين أن يؤدي الصراع إلى مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، ولا سيما بعد تزايد وجود الحوثيين في البحر الأحمر، يمثل رفع الفائدة انتكاسة كبيرة لترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر/تشرين الثاني.

ويشن ترمب حملة للضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أجل خفض أسعار الفائدة، وهي خطوة من شأنها أن تفيد معظم الناخبين الأميركيين. أما رفعها، فيجعل الحصول على القروض والرهون العقارية وبطاقات الائتمان أكثر تكلفة.

وإذا نجح الحوثيون في تحقيق هدفهم بإغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة، فقد تؤدي التداعيات الاقتصادية الناجمة عن ذلك- إذ تغذي أسعار الطاقة المرتفعة التضخم- إلى مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة. ومن شأن ذلك أن يضر أكثر بفرص ترمب في تفادي خسائر مؤلمة في انتخابات التجديد النصفي.

وقد يدفع ذلك ترمب في نهاية المطاف إلى مراجعة سياسة العقوبات المتشددة تجاه إيران. فإذا أدت محاولاته للإضرار بالاقتصاد الإيراني إلى ارتفاع فواتير الأميركيين، فقد يضطر إلى تغيير نهجه لإنقاذ رئاسته.

font change