مع إصدار مسؤولي الاستخبارات الأميركية تحذيرات صريحة من أن روسيا قد تخطط لمهاجمة دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، لم يؤد وصول مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، المفاجئ إلى موسكو إلا إلى زيادة المخاوف من أن يكون العالم على شفا مواجهة مباشرة بين روسيا والغرب.
جاءت الزيارة عقب تقارير ظهرت في وقت سابق من هذا الشهر، وأفادت بتزايد القلق في أوساط مسؤولي الاستخبارات الأميركية من احتمال أن تهاجم موسكو دولة في "الناتو" خلال أسابيع لاختبار مدى استعداد الحلف للرد.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، تخشى واشنطن من أن تحاول روسيا تصعيد التوتر مع "الناتو"، بتنفيذ توغل بري محدود أو شن هجمات إلكترونية في أنحاء أوروبا الشرقية، في أي وقت بين خريف هذا العام و2029. ويمثل التقرير تحولا كبيرا في تقديرات الاستخبارات الأميركية مقارنة بموقفها السابق، الذي استبعد أن يهاجم بوتين "الناتو"، ما دامت روسيا تواصل حملتها العسكرية في أوكرانيا.
يبرز احتمال أن يفتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جبهة جديدة في وقت ألحقت فيه أوكرانيا، التي تعتمد بشدة على الدعم الغربي في حربها الطويلة ضد روسيا، أضرارا جسيمة بالبنية التحتية الروسية، إذ تضرب صواريخها وطائراتها المسيرة بانتظام منشآت رئيسة لإنتاج النفط. وجعلت هذه الهجمات المواطنين الروس يلمسون مباشرة العواقب القاسية لصراع بدأ في فبراير/شباط 2022، عندما أطلق بوتين ما سماه "عمليته العسكرية الخاصة" ضد أوكرانيا.
مع تعرض بوتين لضغوط غير مسبوقة في الداخل، تتزايد المخاوف من أن يلجأ إلى شن هجوم على "الناتو" لصرف الأنظار عن مأزقه. وسيكون الهدف من مثل هذا الهجوم ردع دول الحلف عن مواصلة دعمها لأوكرانيا مع اقتراب الصراع من ذكراه السنوية الخامسة، بعدما تجاوزت مدة الحرب بالفعل مدة الحرب العالمية الأولى.
حذرت موسكو في الآونة الأخيرة من أن دولا أعضاء في "الناتو"، مثل المملكة المتحدة، التي تزود أوكرانيا بالطائرات المسيرة وغيرها من المعدات العسكرية، قد تواجه تداعيات خطيرة إذا واصلت دعم المجهود الحربي لكييف.
ستنطوي خطوة روسية كهذه على مخاطر جسيمة، ولا سيما أنها ستؤدي على الأرجح إلى تفعيل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء يعد اعتداء على الجميع. وقد يقود أي هجوم روسي على دولة عضو في "الناتو" في أوروبا الشرقية أو منطقة البلطيق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والغرب، يمكن أن تفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة.
لذلك يُنظر إلى الزيارة المفاجئة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى موسكو على أنها محاولة يائسة من إدارة ترمب للحيلولة دون تحقق هذا السيناريو الكارثي.
كانت آخر مرة تولى فيها رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الأميركي مهمة مماثلة في عام 2021، عندما توجه ويليام بيرنز، الذي كان يرأس وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك، إلى موسكو لتحذير روسيا من مهاجمة كييف. لكن التحذير لم يجد آذانا صاغية، إذ أطلق بوتين غزوا واسع النطاق لجارته بعد بضعة أسابيع. ولهذا جاءت زيارة راتكليف إلى العاصمة الروسية يوم الثلاثاء، التي استمرت ثماني ساعات، بهدف توجيه تحذير مماثل وحث الكرملين بشدة على عدم إشعال صراع مع "الناتو".
أكدت مصادر في الاستخبارات الأميركية لاحقا أن الاجتماع كان "يهدف أساسا إلى تحذير روسيا من أي تحرك تصعيدي ضد دول البلطيق"، وأن راتكليف استغل الزيارة أيضا للضغط على موسكو لتقليص دعمها العسكري والاقتصادي لإيران.
أكد الكرملين أن راتكليف أجرى محادثات مع مسؤولي الاستخبارات الروسية، لكنه لم يلتق بوتين. وفي محاولة للتقليل من أهمية زيارة رئيس استخباراته، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الرحلة كانت "شبه روتينية".
ومع ذلك، فإن إقدام واشنطن على إرسال أحد أبرز مسؤوليها الاستخباراتيين إلى موسكو؛ بسبب قلقها من احتمال حدوث تصعيد كبير في حرب أوكرانيا، يؤكد مدى الجدية التي تتعامل بها الولايات المتحدة وحلفاؤها مع التقارير الاستخباراتية الأخيرة.
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، كان منع اتساع نطاقها وتحولها إلى مواجهة مباشرة بين روسيا و"الناتو" من أبرز هواجس الولايات المتحدة. ورغم استعداد واشنطن وحلفائها لدعم المجهود الحربي الأوكراني، فقد قدموا هذا الدعم على أساس أن معظم مساعداتهم العسكرية موجه إلى تعزيز قدرات أوكرانيا الدفاعية. لكن طبيعة الصراع تغيرت بصورة جذرية خلال الأشهر الأخيرة، إذ انتقل الجيش الأوكراني من وضع دفاعي إلى آخر هجومي، وهو تحول ساعد عليه نجاح أوكرانيا في إنتاج طائراتها المسيرة وصواريخها بعيدة المدى.
مع غياب أي مؤشرات على تحقيق اختراق في ساحة المعركة في أوكرانيا، يعتقد مسؤولون أميركيون أن بوتين قد يحاول تصعيد التوتر بتنفيذ توغل بري محدود، يرجح أن يستهدف إحدى دول البلطيق
أتاح ذلك لكييف ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية، فأوصل الحرب إلى أبواب المواطنين الروس، واضطر كثيرين منهم إلى الانتظار ساعات في طوابير لشراء البنزين. كما دفع نجاحُ أوكرانيا موسكو إلى البحث عن وسائل جديدة لتقويض الدعم الغربي لكييف، فأخذت تختبر مرارا الخطوط الحمراء لـ"الناتو" عبر سلسلة من التهديدات الهجينة لمعرفة كيف سيرد الحلف جماعيا.
وقد شملت هذه التهديدات هجمات إلكترونية، فضلا عن أعمال عسكرية مباشرة، فسقط صاروخ روسي في بولندا في وقت سابق من هذا الشهر، فيما عُثر على ثلاث طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ الألماني، وهو مركز لوجستي رئيس لـ"الناتو" وأوكرانيا.
ومع غياب أي مؤشرات على تحقيق اختراق في ساحة المعركة في أوكرانيا، يعتقد مسؤولون أميركيون أن بوتين قد يحاول تصعيد التوتر بتنفيذ توغل بري محدود، يرجح أن يستهدف إحدى دول البلطيق، أو بشن هجمات إلكترونية في أنحاء أوروبا الشرقية.
في الوقت نفسه، تشير جميع الدلائل إلى أن الكرملين يخطط لتصعيد هجماته بالصواريخ والطائرات المسيرة على أوكرانيا، في محاولة لمواصلة استنزاف معنويات المواطنين الأوكرانيين. وأفاد تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" مؤخرا، نقلا عن مسؤولين في الكرملين، بأن أحد الخيارات قيد البحث هو تكثيف الضربات القوية بالصواريخ الباليستية على كييف، بما في ذلك وسط العاصمة الأوكرانية، إضافة إلى استهداف منشآت البنية التحتية في مدن أخرى.
زعم بوتين أن أوكرانيا، بشنها سلسلة من الهجمات على منشآت حيوية روسية، "هي التي فتحت صندوق باندورا هذا"، وحذر من أن روسيا سترد بضرب "أكثر قطاعات اقتصادكم حساسية". ومع ضآلة فرص انتهاء الحرب الطويلة في أوكرانيا في أي وقت قريب، يصبح نجاح مهمة راتكليف، الرامية إلى منع أي تصعيد إضافي للصراع، أمرا بالغ الأهمية.