إقالة وزير الدفاع وقائد الجيش… فرصة لزيلينسكي؟

إقالة وزير الدفاع وقائد الجيش… فرصة لزيلينسكي؟

استمع إلى المقال دقيقة

في أوقات الحرب، ينظر عادة إلى إقالة القائد العسكري الأعلى ووزير الدفاع في أي بلد كإشارة إلى تضاؤل فرص ذلك البلد في تحقيق النصر.

لكن المشهد يبدو مختلفا في أوكرانيا، التي تخوض حربا طويلة الأمد ضد روسيا، إذ ينظر إلى رحيل وزير الدفاع وقائد الجيش خلال بضعة أيام فقط بوصفه تطورا قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة الرئيس فولوديمير زيلينسكي ويعزز موقعه كقائد للبلاد في زمن الحرب.

ويعود قرار زيلينسكي بالاستغناء عن وزير دفاعه ذي الشعبية الواسعة، ميخايلو فيدوروف، وقائد الجيش وأرفع جنرالات البلاد، ألكسندر سيرسكي، بشكل أساسي إلى اتساع هوة الخلاف بين الرجلين حول الاستراتيجية المثلى لإدارة المعركة ضد روسيا.

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت حدة التوتر بين فيدوروف والمؤسسة العسكرية الأوكرانية الموروثة من الحقبة السوفياتية، بعدما دافع وزير الدفاع، البالغ من العمر 35 عاما والمعروف بخبرته التكنولوجية، عن توسيع الاعتماد على أسلحة حديثة، من بينها الأنظمة الروبوتية والطائرات المسيرة، لتحقيق نتائج أفضل في ساحة المعركة، بدلا من مواصلة التعويل على الاستراتيجيات العسكرية التقليدية.

أما سيرسكي، فتمسك بالنهج العسكري التقليدي المستمد من العقيدة السوفياتية، وهو النهج الذي أثبت فاعليته بالنسبة إليه عندما أشرف على الدفاع عن كييف في الأيام الأولى للحرب، وحوله بين ليلة وضحاها إلى بطل في أعين الأوكرانيين.

غير أن سيرسكي واجه ضغوطا متزايدة من جيل الضباط الأوكرانيين الأصغر سنا، الذين اتهموه باتخاذ قرارات تعرض حياتهم للخطر.

وزاد تعيين فيدوروف وزيرا للدفاع من حدة التوتر داخل المؤسسة العسكرية، حتى بلغ الخلاف بينه وبين سيرسكي مستوى دفع زيلينسكي إلى إقصاء وزير دفاعه استجابة لموقف القائد العام المتصلب.

غير أن الرئيس الأوكراني سرعان ما اكتشف أن رهانه على احتواء الأزمة بإبعاد فيدوروف لم يكن في محله، بعدما خرج آلاف الأوكرانيين في مظاهرات حاشدة مطالبين بإعادته إلى منصبه.

وليست الاحتجاجات المناهضة للحكومة مشهدا طارئا في أوكرانيا، حتى وهي تخوض حربا ضارية وممتدة مع روسيا. ففي الصيف الماضي، وجد زيلينسكي نفسه، وسط تصاعد الضغوط السياسية عليه، مضطرا إلى إقالة مدير مكتبه الرئاسي واسع النفوذ أندريه يرماك، بعدما أثارت خطط تقويض استقلالية هيئات مكافحة الفساد في البلاد خلافا سياسيا حادا.

ورأى كثيرون أن استعداد زيلينسكي للاعتراف بخطئه في محاولة تقويض فاعلية هيئات مكافحة الفساد، إلى جانب إقالته أحد أقرب المقربين إليه، أسهما في تعزيز مكانته بوصفه زعيما لأوكرانيا في زمن الحرب، بعدما أظهر استعداده للإصغاء إلى إرادة الشعب الأوكراني.

ولا شك في أن أوكرانيا شهدت، في عهد زيلينسكي، تحولا جذريا في مسارها العسكري، بعدما تمكنت قواتها من انتزاع زمام المبادرة في الحرب الضارية ضد روسيا، إلى درجة أن القوات الروسية وجدت نفسها، للمرة الأولى منذ قرابة عامين، في موقع دفاعي واضح.

يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت الطريقة التي أدار بها زيلينسكي هذا الخلاف ستساعده على إعادة تثبيت سلطته، أم ستقوض قدرته على إحكام السيطرة على المجهود الحربي؟

ويعول زيلينسكي اليوم على أن يثمر احتواؤه للأزمة الأخيرة، التي عصفت بقمة القيادة المسؤولة عن إدارة الحرب، مكسبا سياسيا مماثلا. فالرئيس الأوكراني، الذي اختار في البداية الوقوف إلى جانب سيرسكي في مواجهته مع فيدوروف، اضطر في نهاية المطاف إلى الانصياع لضغط الشارع وإقالة أعلى قادته العسكريين.

ولم يكن زيلينسكي راغبا في البداية في الإطاحة بشخصية بحجم سيرسكي ونفوذه. وحاول، عندما احتشد آلاف المحتجين في الساحة المركزية بكييف، احتواء الأزمة من دون المساس بالقائد العام، فعرض أولا على فيدوروف العودة إلى منصبه. وبعد أن رفض وزير الدفاع المُقال العرض، اقترح عليه الرئيس الأوكراني تولي منصب جديد في مجلس الأمن القومي.

غير أن فيدوروف رفض جميع العروض ما دام سيرسكي محتفظا بمنصبه. وفي نهاية المطاف، لم يترك موقف وزير الدفاع المتشدد، مقترنا بالضغوط المتصاعدة من الحشود الكبيرة في الشوارع، أمام زيلينسكي خيارا سوى إقالة قائده العسكري الأعلى. ومن المقرر أن يخلف سيرسكي في قيادة القوات المسلحة الأوكرانية اللواء ميخايلو دراباتي، البالغ من العمر 43 عاما، وهو متزوج وأب لطفلين.

ويبقى السؤال الأهم ما إذا كانت الطريقة التي أدار بها زيلينسكي هذا الخلاف، الذي هيمن على عناوين الأخبار لأكثر من أسبوع، ستساعده على إعادة تثبيت سلطته، أم ستقوض قدرته على إحكام السيطرة على المجهود الحربي. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه كييف إلى فتح باب المفاوضات مع موسكو لإنهاء الحرب المستمرة منذ الغزو الروسي في فبراير/شباط 2022.

ومع ذلك، لم يبد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن اهتماما يذكر بالتوصل إلى تسوية سلمية، رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعيا إلى إنهاء الحرب.

ويستند بوتين في رفضه الانخراط في محادثات السلام إلى عدة مبررات منها تشكيكه المتكرر في شرعية زيلينسكي قائدا لأوكرانيا. وقد تتيح له أحداث الأسبوع الماضي، التي أعادت الرئيس الأوكراني إلى مواجهة احتجاجات مناهضة لحكومته في كييف، فرصة إضافية لترسيخ موقفه القائل إن التفاوض على وقف لإطلاق النار مع زعيم لا يحظى بتأييد شعبي كامل لن يفضي إلى نتيجة تذكر.

ومع ذلك، قد تدفع ضغوط داخلية بوتين إلى الجلوس مع زيلينسكي إلى طاولة المفاوضات، ولا سيما إذا أثمرت التغييرات التي أجراها الرئيس الأوكراني في قمة المؤسسة الدفاعية مزيدا من المكاسب لقوات بلاده على أرض المعركة.

font change