شيء يجسد تقلب نهج الرئيس الأميركي دونالد ترمب في التعامل مع أبرز حلفاء الولايات المتحدة بقدر ما تجسده مواقفه الأخيرة تجاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فحتى وقت قريب، كان ترمب يشدد على أن نتنياهو من أقرب حلفائه، ويتعاون معه بصورة وثيقة لتنفيذ خطته الشاملة للسلام، الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة.
غير أن العلاقات بين الرجلين تدهورت منذ ذلك الحين بدرجة كبيرة، حتى إن الرئيس الأميركي لم يتردد في توجيه انتقادات علنية إلى الزعيم الإسرائيلي، ولا سيما بسبب تباين نهجيهما في التعامل مع الحرب على إيران.
وقد دفعت محاولات ترمب لكبح جماح نتنياهو- الذي يصر على أن الحرب على إيران لا يمكن أن تنتهي قبل تدمير برنامجها النووي بالكامل- دفعت الرئيس الأميركي إلى التأكيد أن نتنياهو سيرضخ لإرادته في نهاية المطاف. حيث قال ترمب عن الزعيم الإسرائيلي، في سياق حديثه عن الملف الإيراني: "سيفعل كل ما أريده منه".
في المقابل، كانت علاقة زيلينسكي بترمب أكثر صعوبة وتعقيدا، إذ وضعت قيادته الجريئة للمجهود الحربي الأوكراني ضد روسيا بلاده في حالة مواجهة مستمرة مع الإدارة الأميركية. وبلغت العلاقات بين واشنطن وكييف أدنى مستوياتها عندما تعرض الزعيم الأوكراني لتوبيخ علني خلال زيارته إلى المكتب البيضاوي العام الماضي.
وكان إيمان الرئيس الأميركي بقدرته على توظيف علاقته الشخصية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب عاملا أساسيا في توتر علاقته بزيلينسكي، إذ دفعه هذا الاعتقاد إلى إطلاق مبادرات دبلوماسية مكثفة سعيا إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وبلغت مساعي ترمب لإقناع بوتين بالدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب ذروتها في أغسطس/آب من العام الماضي، حين التقى الزعيمان في ألاسكا.
نتائج الاجتماع الأخير الذي عقده زيلينسكي في البيت الأبيض تشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت تغير موقفها تدريجيا، فاتحة الطريق أمام أوكرانيا للحصول على تقنيات صاروخية حساسة
لكن استمرار بوتين في رفض الانخراط الجدي في محادثات السلام، بالتزامن مع مواصلة روسيا شن هجمات صاروخية وجوية واسعة النطاق على أوكرانيا، كما فعلت هذا الأسبوع عقب زيارة زيلينسكي للبيت الأبيض، دفع ترمب إلى استنتاج أنه يهدر وقته مع الزعيم الروسي.
وأدى ذلك إلى تحول جذري في نهجه تجاه زيلينسكي، تجلى بوضوح خلال زيارة الزعيم الأوكراني إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع، قبيل مشاركته في جنازة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام.
وكانت إدارة ترمب قد أبدت في السابق ترددا في الاستجابة لمساعي زيلينسكي الرامية إلى إقناع واشنطن بتزويد كييف بصواريخ "باتريوت"، التي يحتاج إليها الأوكرانيون بشدة لحماية بنيتهم التحتية الحيوية من الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيرة.
غير أن نتائج الاجتماع الأخير الذي عقده زيلينسكي في البيت الأبيض تشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت تغير موقفها تدريجيا، فاتحة الطريق أمام أوكرانيا للحصول على تقنيات صاروخية حساسة قد تحدث أثرا عميقا في مجهودها الحربي.
وفيما وصف البيت الأبيض المحادثات بأنها "إيجابية ومثمرة،" أعلن زيلينسكي عقب الاجتماع أن ترمب وافق على منح أوكرانيا تراخيص تتيح لها إنتاج صواريخ باتريوت محليا. وجاءت هذه الموافقة بعد تعهد قطعه الرئيس الأميركي للزعيم الأوكراني خلال قمة حلف شمال الأطلسي هذا الشهر، بمنح كييف ترخيصا لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية.
خاطر نتنياهو بتوسيع هوة الخلاف مع ترمب عندما شكك في قدرة واشنطن على التوصل إلى اتفاق مع طهران. ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بدلا من ذلك إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية على إيران
وقال زيلينسكي لشبكة "فوكس نيوز" عقب الاجتماع: "لقد وافق على منحنا التراخيص". كما ظهرت دلالة أخرى على تنامي الدعم الأميركي للمجهود الحربي الأوكراني خلال زيارة زيلينسكي إلى شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية المصنعة للأسلحة، التي تنتج أنظمة باتريوت للدفاع الجوي.
وكتب زيلينسكي في بيان نشره عبر منصة "إكس"، وأرفقه بصور جمعته بعدد من المسؤولين التنفيذيين في الشركة: "ناقشنا قدراتنا المشتركة في ما يتعلق بأنظمة باتريوت وغيرها من الأنظمة".
وأضاف: "وتعمل فرقنا بالفعل على بلورة حلول محددة تتيح الانتقال إلى الإنتاج المشترك بأسرع وقت ممكن".
ويعد باتريوت أحد أنظمة الدفاع الجوي القليلة القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، إذ يستطيع تدمير الصواريخ التي يصل مداها إلى ألف كيلومتر، أي 620 ميلا، فيما يمكن للبطارية الواحدة تتبع ثمانية أهداف في وقت واحد ورصد أكثر من 100 مقذوف.
وفي مقابل الأجواء الإيجابية التي طبعت زيارة زيلينسكي إلى البيت الأبيض، بدا استقبال نتنياهو، الذي عقد اجتماعا خاصا مع ترمب في المكتب البيضاوي بعد وقت قصير من لقاء الزعيم الأوكراني، بدا مختلفا بوضوح.
وبلغ التوتر بين الزعيمين الأميركي والإسرائيلي حدا أثار تقارير تفيد بأن البيت الأبيض رفض في البداية تحديد موعد للقاء نتنياهو، بسبب قلق إدارة ترمب من أساليب المماطلة التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي في تنفيذ خطة السلام في غزة.
ولم يوافق ترمب على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي إلا بعدما نجح نتنياهو في دفع مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي إلى إقرار نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.
ويرى ترمب أن هذه القوة تشكل عنصرا أساسيا في خطته لإرساء سلام دائم في القطاع، غير أن الاعتراضات الإسرائيلية على الدور المنوط بها هناك حالت دون نشرها حتى الآن.
ومع ذلك، لا يبدو أن موافقة ترمب المترددة على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي نجحت في تهدئة التوتر بينهما، رغم وصف نتنياهو الاجتماع بأنه "من أفضل المحادثات التي أجريتها مع رئيس الولايات المتحدة".
ونشر نتنياهو لاحقا على حسابه في منصة "إكس" صورة ظهر فيها الزعيمان جالسين في المكتب البيضاوي، وهما يبتسمان للكاميرا.
غير أن مسؤولين أكدوا أن التوتر ظل قائما، إذ خاطر نتنياهو بتوسيع هوة الخلاف مع ترمب عندما شكك في قدرة واشنطن على التوصل إلى اتفاق مع طهران. ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بدلا من ذلك إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية على إيران، باستخدام "وسائل حركية وغير حركية".
ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات إلى قرب انتهاء الحربين في أوكرانيا وإيران، ما يعني أن أي تحول في نهج ترمب تجاه حليفين رئيسين مثل أوكرانيا وإسرائيل قد يترك أثرا عميقا في المسار الذي ستؤول إليه هاتان المواجهتان في نهاية المطاف.