آية السيابي: قهر المرأة مرآة لهشاشة العدالة في المجتمع

كل ما نعيشه هو وليد سياق تاريخي ممتد

 REUTERS/Rula Rouhana
REUTERS/Rula Rouhana
امرأة عمانية تعدل وشاحها أثناء جلوسها في مقهى سمهرم خلال موسم خريف ظفار قرب مدينة صلالة، عمان، 8 أغسطس 2024

آية السيابي: قهر المرأة مرآة لهشاشة العدالة في المجتمع

من هندسة الاتصالات إلى دراسة الحضارات، تنسج الكاتبة العمانية آية السيابي عالمها السردي من روافد معرفية متباينة، ويتجلى هذا المسار المعرفي في أعمالها السردية، بدءا من روايتيها، "يباس" (2022) و"العنبر الخامس" (2025)، وصولا إلى مجموعتيها القصصيتين، "لن أواري سوأتي" (2021) و"دبيب" (2026)، وتحضر المرأة وقضاياها في هذا المسار كإحدى أبرز المساحات التي تقترب عبرها السيابي من مكامن القهر والهشاشة، لا من منطق الصراع بين الجنسين، وإنما انحيازا أعمق للطرف المستضعف، الذي كثيرا ما تجسده المرأة، وفق رأيها.

هنا حوار "المجلة" معها.

درست هندسة الاتصالات وتكملين دراستك في مجال الحضارات وتكتبين الرواية والقصة، كيف تتكامل هذه المسارات المتنوعة في نصوصك الأدبية؟

كل هذه المسارات كانت روافد تصب في نفسي أولا، ومن خلالها أقرأ تفاصيل قد لا يلتقطها الآخر، لأنها بالنسبة إليه مجرد ملامح وجودية مألوفة اعتاد رؤيتها.

في ما يتعلق بهندسة الاتصالات، كان اختيار التخصص مدفوعا بمتطلبات سوق العمل آنذاك وشغف الوظيفة، وبعد استقراري الوظيفي وممارستي المهنة، وجدت أنني مولعة، من خلال قراءاتي، بالتبحر في المعتقدات التي يعتنقها الإنسان على مر الأزمان، فبدأت بحثا متواضعا حول نشأة الإنسان، ومنذ ذلك الحين، قادني هذا الشغف إلى التخصص في الحضارات، وتحديدا حضارات الشرق الأدنى.

دراسة الهندسة منحتني عقلا يميل إلى التفاصيل، وإلى تفكيك بنى العلاقات وفهمها، ما خفي منها وما ظهر، وما انقطع منها وما اتصل. وازدادت حساسيتي تجاه النصوص، والفجوة بين ما أرغب في إيصاله وما يصل إلى الآخر فعلا. أما دراسة الحضارات، فقد قربتني من الإنسان أكثر، من خلال امتداد سياقاته التاريخية والثقافية الكبرى، والغوص في طبقات متداخلة من التاريخ والدين واللغة والسلطة. في الحقيقة، السفر في رحلة الحضارات، يرسخ لدينا يقينا بأننا لا نملك حقائق ثابتة، فكل ما نعيشه هو وليد سياق تاريخي ممتد، لذا لا يمكن أن نعثر على إجابة قطعية عن أسئلتنا الوجودية الكبرى.

بعيدا من كونه فعلا إبداعيا، ماذا تمثل لك الكتابة بوصفها مشروعا فكريا وإنسانيا يسهم في تشكيل وعيك؟

الكتابة، لا سيما في الرواية، هي طريقتي في التعبير عن مخزوني النفسي، بها يمكنني أن أغضب من دون خشية، وأن أحب من دون ملام، وأن أحزن من دون الحاجة إلى تبرير، وأن أمارس طقوسي مجتمعة بغير استتار ولا خوف من الرقابة المجتمعية. أما من ناحية تشكيل الوعي فنحن نشحن كل يوم بكم كبير من الأفكار عبر تدفق المعلومات المتسارع والصاخب.

الكتابة تتيح لي تفكيك الفكرة السائدة ونقد المسلمات لأخرج برؤية متماسكة تخصني وحدي

الكتابة هنا تتيح لي تفكيك الفكرة السائدة ونقد المسلمات لأخرج برؤية متماسكة تخصني وحدي، وهي أيضا ما يحثني دائما على البحث والنبش في كل ما يتعلق بالإنسان فأنطلق من مشهد أو موقف أقلقني. وهذا بالضبط ما حدث معي عندما التقيت سجينات العنبر الخامس، إذ انطلقت حيث توقفت أصواتهن وكمم المجتمع أفواههن، فأعرتهن صوتي ليحكين. وأعتبر ذلك فرصة حقيقية وسانحة للانحياز إلى الإنسان الهش والمستضعف. هذا الامتداد الحسي والوجداني يغيرني أنا، ويبدأ بي قبل أن يصل إلى القارئ، فيصبح وعيي أكثر اتساعا وتقبلا واستيعابا لتباين الشخصيات وتركيب النفس الإنسانية.

غلاف "يباس"

العنوان بوابة إلى المسكوت عنه

تتحرك عناوينك مثل: "يباس" و"دبيب"، في مساحة كثيفة التأويل، فهل تأتي تلخيصا للمضمون أم عتبة إيحائية مفتوحة؟

أميل إلى اختيار عنوان مكثف ليفتح أفقا واسعا للتوقعات والمجازات، ولا يمكن أن أتخذ من العنوان تلخيصا لما اختبأ في بطن النص، لأننا إذا ما شرحنا النص من خلال العنوان، ضيقنا مساحته التأويلية قبل أن يبدأ القارئ في اكتشافها. في الحقيقة أريد للكلمة أن تتسع دلالتها مع انكشاف النص وتوغله، وكأنها تهيئ المناخ النفسي للقارئ.

أما عن حضور العنوان، فغالبا ما يراوغني بعد اكتمال النص، فأحيانا يتبدى لي أثناء الكتابة، وأحايين أخرى أفرغ من العمل فلا أجد له عنوانا، فانتظر أن يلوح لي من خلال قراءة عابرة أو حوار مع أحدهم أو في أي ظرف آخر. أردت بذلك القول إن العنوان ليس له حضور ثابت عندي، فقد حدث مرارا أن وضعت أكثر من عنوان ثم استقر العمل أخيرا على العنوان الذي استدعته الفكرة. وفي الحقيقة، يقود أحدهما إلى الآخر وفق سياق غير ثابت ولامنتظم.

غلاف "لن أواري سوأتي"

تحيل عتبة "لن أواري سوأتي" إلى النص القرآني، لكنها تقلب دلالته نحو الرفض والمكاشفة، فهل يحمل العنوان إعلانا عن رفض مواراة المسكوت عنه اجتماعيا، أم أن لكل قصة في المجموعة "سوأتها" الخاصة التي تضعها أمام القارئ بلا مواربة؟

"لن أواري سوأتي" هي مجموعة قصصية جاءت في تسعة نصوص قصصية قصيرة، وهي مخزون من المواقف التي استدعيتها من ذاكرة الطفولة. نعم، هي في الواقع كذلك. أو لنقل هي "نعم" مزدوجة تجيب عن شقي السؤال، لأنها تحمل الدلالتين معا. فعلى المستوى العام تمثل المجموعة رفضا قاطعا لمواراة المسكوت عنه اجتماعيا، ونقدا لما ترسخ في ذواتنا من أعراف وتقاليد اتسمت بها الثقافة العامة للمجتمع وانطبعت في شخصيات أفراده. وعلى مستوى كل قصة من القصص التسع، لكل واحدة "سوأتها" الاجتماعية والإنسانية الخاصة التي تعين علي تعرية شخصياتها من خلال السرد القصصي، ذلك أنني أريد للقارئ أن يعيد النبش في ما اعتاد وجوده بوصفه فكرة راسخة لا تقبل التبديل أو النقاش.

التراث هو امتداد لدبيب تاريخي طويل لا يتوقف، أستحضره بغية إعادة إسقاطه على تشوهات الواقع الراهن

أذكر منها هنا، على سبيل المثل، قصة "أكسدة أنثى" التي تضمنتها المجموعة، حيث نبشت في واحدة من أشد السوآت المجتمعية إيلاما وتكتما وهي قضية ختان الإناث. تعاملت في هذه القصة مع الظاهرة بوصفها عرفا مجتمعيا متجذرا منذ الأزل وحتى اليوم، يمارس تشويها ممنهجا لجسد الأنثى ونفسيتها، ويترك أثره فيها حتى مماتها. أما استعارة "الأكسدة" بما تحمله من دلالة علمية على التآكل والتلف، فتعبر عن كينونة الأنثى التي تتآكل روحها وجسدها تحت وطأة الموروث القاسي.

وهكذا، لكل قصة في المجموعة "سوأتها" التي تكشفها، لتفضي هذه السوءات الفردية مجتمعة إلى سوأة أكبر، وهو التناقض بين ما نعلنه من قيم وما نمارسه في الخفاء استتارا.

REUTERS/Martin Dokoupil
امرأة عمانية تعرض حصانا أبيض من إسطبلات السلطان قابوس بن سعيد خلال العرض السنوي للخيالة السلطانية في السيب، 2 يناير 2014

السرد في مواجهة الموروث وبنية القهر

يتجاور في مجموعتك القصصية "دبيب" استنطاق التراث مع السوريالية، كيف يخدم التراث قراءة الحاضر، وماذا أضاف المنحى السوريالي إلى تجربتك مقارنة بالواقعية في روايتك "يباس"؟

في الحقيقة ما يشغلني وأردت إثارته في "دبيب" هو المسافة بين ما ورثناه وما نعيشه اليوم، فالتراث هو ثقافتنا الحية والمستمرة، يدب في جيناتنا ويتحكم في سلوكنا المعاصر، مشكلا ذاكرتنا الجمعية. لكننا نعيش اليوم أزمات إنسانية وثقافية، متذبذبين بين الماضي والحاضر. واستحضار التراث هنا هو امتداد لدبيب تاريخي طويل لا يتوقف، أستحضره بغية إعادة إسقاطه على تشوهات الواقع الراهن.

الصوت السوريالي هنا يمنح النص فرصة الغور في التكوين النفسي للإنسان، وتجسيد قلق الإنسان المعاصر واغترابه بحرية تامة ومن دون قيود، وربما نتفق جميعا على أن ما نعجز عن قوله بشكل مباشر، قد تقوله صورة مشوشة ومقنعه يستطيبها القارئ ويتقبلها بقبول حسن.

أما في رواية "يباس" فقد كنت في حاجة إلى طرح قضية واقعية بأركانها المكتملة، لذلك اعتمدت الواقعية، لأن طبيعة النص تتطلب رصدا دقيقا ومباشرا للمصائر والتحولات التي تواجهها شخصيات الرواية، وهي في المناسبة شخصيات حقيقية تماما وقد كنت على متابعة حثيثة مع الشخصية الرئيسة في الرواية.

REUTERS/Benoit Tessier
امرأة تنظر إلى البحر قرب أحد الشواطئ في مسقط، عمان، 6 مارس 2026

تبحثين في جذور قهر المرأة، فهل تشكل الكتابة عنها مكاشفة لأمراض المجتمع أم مدخلا لأسئلة أوسع حول الحرية والكرامة؟ وأين تنتهي مسؤولية البنية الاجتماعية وتبدأ مسؤولية الفرد؟

المجتمع الذي تقهر فيه النساء هو مجتمع مقيد في صندوق جهله، وأراه، من وجهة نظري، مؤشرا الى هشاشة قيم العدالة في بنيته الثقافية. وفي الحقيقة، عندما أكتب عن المرأة، لا أتقصد الدفاع عن جنس بعينه ضد آخر، وإنما أدافع عن الطرف الأكثر هشاشة، الطرف المستضعف، الذي غالبا ما يكون امرأة.

أدافع عن الإنسان وحقه في الكرامة وفي ممارسة وجوده الحر الكامل، وهذا ما أعتبره مكاشفة صريحة لأمراض المجتمع، لأنها تفصح عن بناء قديم تشكل عبر مجموعة من الأعراف والتأويلات الدينية والمصالح وسلطة الأسرة والمجتمع. وقد يألف المجتمع القهر والظلم تجاه فئة بعينها ويتعامل معهما بوصفهما جزءا من ممارسات طبيعية. مما يضعنا، كأفراد، في قوالب صماء لا يمكن كسرها إلا عبر مناقشتها والكتابة عنها، وبالتالي إثارة أسئلة حول حق الإنسان في امتلاك نفسه ومصيره وجسده.

عندما أكتب عن المرأة، لا أتقصد الدفاع عن جنس بعينه ضد آخر، وإنما أدافع عن الطرف الأكثر هشاشة

تبدأ مسؤولية الفرد، في تصوري، بقدر ما تتوافر له من مساحات الوعي والمعرفة والقدرة والاختيار، وتتمثل في رفض مشاهد الظلم، فالقبول به ومجاراته يحولان الضحية إلى شريك في الجريمة. وبالطبع، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق البنى التي تضيق هذه المساحات ثم تحاسب الإنسان على عجزه.

font change

مقالات ذات صلة