هذه الأفلام العربية دخلت سباق الأوسكار... فهل تصل أبعد؟

7 أفلام من مصر والعراق وفلسطين ولبنان والمغرب والجزائر والأردن

هذه الأفلام العربية دخلت سباق الأوسكار... فهل تصل أبعد؟

مع إغلاق الأكاديمية الأميركية لفنون وعلوم الصور المتحركة باب الترشيحات لجوائز الأوسكار في دورتها التاسعة والتسعين، يستقر المشهد السينمائي العربي على سبعة أفلام تتجه إلى سباق التنافس على جائزة أفضل فيلم دولي، بعدما اختارتها لجان بلدانها لتمثيلها الرسمي، وهو عدد يقترب من قائمة العام الماضي التي ضمت ثمانية أفلام تأهل نصفها إلى الوصول إلى القائمة الطويلة للجائزة. وكما تجري العادة، من المقرر أن تكشف الأكاديمية عن قائمة هذا العام في النصف الثاني من ديسمبر/كانون الأول، على أن يقام حفل توزيع الجوائز منتصف شهر مارس/آذار 2027.

سبعة أفلام لا يجمعها موضوع واحد، ولا تنتمي إلى مزاج سينمائي بعينه. فمن الذاكرة العائلية والحرب، إلى الهجرة والعمل، ومن الأزمات النفسية والاجتماعية إلى الرعب والتشويق، تتوزع اختيارات هذا العام على مساحات واسعة من التجارب العربية، لم تذهب جميعها إلى القضايا الكبرى بالطريقة المباشرة المعتادة، بل حاول بعض الافلام الاقتراب من الواقع عبر الحكاية الشخصية، وبعضه عبر النوع السينمائي.

على الرغم من تنوع الموضوعات المطروحة واختلاف أساليب تناولها، تشترك قائمة هذا العام في عدد من السمات، نلاحظ من بينها أن ما يقارب نصف الأفلام هي التجارب الروائية الطويلة الأولى لمخرجيها، كما تحضر سينما المؤلف كواحدة من أبرز السمات المهيمنة على القائمة، سواء من طريق تكفل المخرج الكتابة والتأليف بشكل كامل، أو المشاركة مع آخرين، كما هو الحال في بعض الأفلام. هذا فضلا عن اشتراك الجميع في ما يشبه الهم الواحد ولكن بتنويعات مختلفة، وهو هم عربي في الأساس، إلا أنه يتقاطع مع الهموم الإنسانية في عصرنا هذا، على كلا المستويين، الفردي والجمعي، والذي تتصدره القضية الفلسطينية، سواء كان هذا في قالب روائي، أو من خلال السينما التسجيلية، مثل الفيلم الفلسطيني "المواطن أسامة" للمخرج أحمد حسونة، العمل الوثائقي الوحيد في القائمة.

في مديح العائلة

ينطلق فيلم "المواطن أسامة" من منظور سينما الحقيقة، متخليا عن الجماليات المعتادة أو التراكيب البراقة في السينما التسجيلية، وهو في ذلك، يتطابق مع قصته شكلا وموضوعا، التي تدور أحداثها داخل قطاع غزة، ليرصد الوضع المأسوي المفروض على الأهالي منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. من خلال معاناة أحد الآباء (المصور أسامة العشي)، في محاولته وسط جحيم الحرب والدمار المستمر أن يصنع معجزة صغيرة ويومية، تتلخص في حماية زوجته وتأمين حياة طفله الرضيع. ومن خلال هذه التفاصيل العائلية المهددة، يتحول السرد من مجرد سيرة ذاتية لأسرة إلى وثيقة مجتمعية حية.

يشترك الجميع في ما يشبه الهم الواحد ولكن بتنويعات مختلفة، وهو هم عربي في الأساس، إلا أنه يتقاطع مع الهموم الإنسانية في عصرنا

أنجز الفيلم ضمن مبادرة بعنوان "من المسافة صفر"، أطلقها المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي بالتعاون مع عدد من الأفراد والمؤسسات، تهدف إلى استكشاف حكايات خاصة لم ترو سابقا من تلك المسافة القريبة. على الرغم من شح الإمكانات وعدم توافرها أحيانا لصناع الأفلام في مناخ كهذا، مما جعل البعض يلجأ إلى الدخول لخزانة الملابس على سبيل المثل لتسجيل صوت دون ضجيج، نجح المشروع خلال السنوات الأخيرة في المشاركة في "كان السينمائي" وغيره من المهرجانات الدولية، صاحب هذا تزايد متنام في جانب الدعم المادي واللوجستي.

ملصق "المواطن أسامة"

بدأت فكرة المشروع توثيقية، لصنع مجموعة من الأفلام التسجيلية التي توثق الأحداث، لتبقى إلى ما بعد انتهاء الحرب، كمستند حي للتاريخ ضد الرواية الإسرائيلية، سرعان ما تطورت الفكرة إلى سقف أرحب يترك حرية الاختيار للسينمائيين أنفسهم، على أن تكون الأفلام المنتجة ملكا خاصا لصناعها.

قصص أبو بكر شوقي  

في سياق مشابه، ينطلق من الخاص إلى العام، ومن صورة الأسرة الصغيرة إلى الصورة الأشمل للعائلة الكبيرة، يأتي الفيلم المصري "القصص"، سيناريو وإخراج أبو بكر شوقي، وهي المرة الثانية للمخرج مع سباق الأوسكار، حيث سبق واختير فيلمه الروائي الأول "يوم الدين" للتمثيل المصري عام 2019 بعد مشاركته الرسمية في "كان السينمائي" آنذاك.

أما فيلمه الجديد، الذي يعتمد على بطولة جماعية، يتصدرها نيلي كريم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي، فيعد العمل الأربعين في تاريخ الترشيحات المصرية لجائزة أفضل فيلم دولي، مذ بدأت المشاركات عام 1958 بترشيح فيلم "باب الحديد" من إخراج يوسف شاهين. ومن أشهر الأفلام التي رشحت سابقا، "أم العروسة" لعاطف سالم و"المومياء" لشادي عبد السلام و"أهل القمة" لعلي بدرخان و"زوجة رجل مهم" لمحمد خان.

ملصق "القصص"

تدور أحداث "القصص" عبر حكاية رئيسة تتصدر المشهد، نتابع من خلالها حياة أحمد (أمير المصري)، وهو شاب ينتمي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة، يجد في عشقه للبيانو ملاذا روحيا يكاد يفصله عن الآخرين، قبل أن تتشعب الحكاية تدريجيا لتفسح المجال لبقية أفراد الأسرة والمحيطين من الجيران أو الأقارب، بينما تتحول الخلفية السياسية والتاريخية إلى محطات متوالية، تعيد رسم مصائر الشخصيات وتوجيه مساراتها، وترسم صورة موسعة للمجتمع المصري على امتداد زمني يتجاوز العقدين، يبدأ مع نكسة 1967 ويصل حتى منتصف الثمانينات، ذروة عصر الانفتاح والتحول المجتمعي.

"القصص" هو العمل الأربعون في تاريخ الترشيحات المصرية لجائزة أفضل فيلم دولي، مذ بدأت المشاركات عام 1958 بفيلم "باب الحديد"

في صورته الأولى، بدأ المشروع كفيلم قصير منذ سنوات، يستند فيه المخرج إلى حكاية الحب الحقيقية التي جمعت والده بأمه النمساوية، وما صاحبها من مراسلات كتابية كانت وسيلة التواصل المتاحة في ذلك الوقت. من هنا فرضت المقارنة نفسها بين زمنين، الأول منهما كان انتظار الرد فيه قد يمتد إلى شهور، فيما اعتمد الآخر على ضغطة زر للتواصل.

نساء في المواجهة

بنصف عدد ترشيحات العام الماضي، يقتصر الحضور النسائي هذا العام على مخرجتين فقط، مما يمثل أقل من ربع القائمة تقريبا مقارنة بالقائمة السابقة التي ضمت أربع مخرجات تولين صوغ نصف الأعمال المرشحة (شهد أمين في "هجرة"، شيرين دعيبس في "اللي باقي منك"، كوثر بن هنية في "صوت هند رجب"، ومريم التوزاني في "شارع مالقا"). على أن القائمة الجديدة لم تخل من موضوعات وثيمات تتقاطع بشكل أو بآخر مع النسوية، وإن جاءت بتوقيعات مخرجين رجال، كما هو الحال مع الفيلم اللبناني "غضب" للمخرج رامي قديح، آخر الأفلام العربية التي أعلن ترشحها الرسمي في هذا السباق، قبل أيام.

ملصق "غضب"

يعد الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه، عرض ضمن قسم "أضواء" في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي، ويتناول تبعات الأزمة الاقتصادية في لبنان، من خلال حكاية شقيقتين (ريم مروة وماريا ناكوزي)، تقرران سرقة أحد البنوك لاستعادة أموالهما المحتجزة من أجل توفير تكاليف عملية جراحية لإنقاذ حياة إحداهما، مرتكزا في بنيته الدرامية على البطولة النسائية المطلقة. وهو ما يتشابه مع فيلم ليلى مراكشي الجديد "فراولة"، بطولة نسرين الراضي وهاجر كريكع، المرشح لتمثيل دولة المغرب، التي تأهلت بالفعل ثلاث مرات في القائمة القصيرة، ضمن 22 ترشيحا للأوسكار في تاريخها السينمائي.  

يتتبع الفيلم شابتين مغربيتين تسافران إلى إسبانيا للعمل في مزارع الفراولة، أثناء موسم قطفها بحثا عن حياة أفضل لعائلتيهما، وسرعان ما تكتشفان صعوبة هذا الحلم أمام واقع قوانين العمل وظروفه القاسية، المدعوم بنظام يمارس رقابته على النساء من خلال منظومة قوامها الهجرة والاستغلال. استلهمت مراكشي قصة فيلمها من وقائع حقيقية تخص العاملات الموسميات المغربيات في إسبانيا، لتبني حكاية بطلاتها وتمنح علاقتهن ببعضها مساحات أكثر تأويلا،  فالنساء في الفيلم، لا يكتفين باحتمال الظروف، وإنما يجدن في التضامن بينهن وسيلة لمواجهة نظام أكبر من قدرتهن الفردية.

ملصق "فراولة"

"غرق" زين دريعي

يتقاطع هذا أيضا، مع عالم الفيلم الأردني "غرق"، باكورة الأعمال الروائية الطويلة للمخرجة الشابة زين دريعي، التي نجحت في بناء عالمها على نحو يؤكد موهبتها في توظيف اللغة البصرية، إلى جانب السيناريو المستوحى بعفوية من تجارب شخصية، كما تقول، والذي راهنت فيه على النظر إلى المرأة من داخل حياتها اليومية، بعيدا من الصورة الجاهزة للضحية.

النساء في الفيلم، لا يكتفين باحتمال الظروف، وإنما يجدن في التضامن بينهن وسيلة لمواجهة نظام أكبر من قدرتهن الفردية

تخوض دريعي نوعا من السينما الواقعية النفسية تتناول من خلالها أزمة الإنكار المجتمعي التي يواجهها الأفراد المختلفون، والنظر إليهم كمنبوذين، عبر قصة عادية لأسرة أردنية تعاني من حالة نفسية وسلوكية مضطربة تلتهم ابنهم المراهق.

ملصق "غرق"

 حين تشعر نادية (كلارا خوري)، أم لثلاثة أبناء، بأن ابنها الأكبر يبتعد تدريجيا عنها وعن المحيطين به، مما يزيد تصاعد توتر الأحداث، خصوصا مع تفاقم الفجوة النفسية التي يعاني منها تجاه العالم الخارجي. هنا لا يتعامل الفيلم مع المرض النفسي باعتباره حالة فردية تخص الابن وحده، وإنما يكشف أثره على الأسرة بكاملها، وعلى الأم تحديدا، التي يتحول حبها ورغبتها في حماية ابنها تدريجيا إلى جزء من الأزمة.

 

الذاكرة والهوية

بإحدى صور المقاومة (الناعمة)، افتتحت فلسطين قائمة الترشيحات العربية لهذا العام في إعلان مبكر قبل أكثر من شهر، وربما من هذا المنطلق، أتى ثاني الترشيحات من العراق متمثلا في فيلم "لا جنة إذا قتلتك امرأة" للمخرج العراقي/النروجي هالكوت مصطفى. تتمحور قصة الفيلم حول فيان (آفان جمال)، وهي قناصة كردية من قوات البيشمركة، استطاعت النجاة من أهوال عدد كبير من المعارك، لكنها تضطر إلى العودة إلى الموصل في محاولة لإنقاذ شقيقتها الصغرى، بالتزامن مع ذروة سيطرة تنظيم "داعش" على المدينة.  

ملصق "لا جنة إذا قتلتك امرأة"

تدور أحداث الفيلم في إطار من الإثارة يجمع بين سينما الحرب والتشويق النفسي، المساحة التي أتاحت للمخرج طرح عدد من الأفكار والقضايا بشكل غير مباشر، يأتي في مقدمتها فكرة فقدان الوطن والعيش وسط حالة من عدم اليقين، لا سيما مع العلاقة الوثيقة للمخرج بهذا الموضوع، حيث ولد في منطقة كردستان بالعراق، لكنه سرعان ما انتقل إلى النروج في بداية طفولته. على أن هذا لم يبعده عن بلده الأم، ويحضر هذا بوضوح في تجربته السينمائية، سواء كان على نحو عابر، أو من خلال أفلام خاصة نذكر منها فيلمه الوثائقي "إخفاء صدام حسين" 2023.

وفي سياق حمى السينما العربية الموسمية نحو الأوسكار عبر دوراته، يظل الاستدعاء التاريخي لافتا للتساؤل، إذ لا تحضر الجزائر اليوم بوصفها مجرد منافس بفيلم "رقية" للمخرج يانيس كوسيم، إنما بوصفها الدولة العربية الوحيدة التي انتزعت التمثال الذهبي تاريخيا، فمنذ أن بدأت في تقديم ترشيحاتها الرسمية للأكاديمية عام 1970، نجحت من المرة الأولى في قنص الجائزة الكبرى في فئة "أفضل فيلم روائي دولي" من خلال فيلم"Z"  للمخرج اليوناني/الفرنسي كوستا غافراس. كذلك حصد الفيلم جائزة أفضل مونتاج، وترشح لجائزتي أفضل مخرج وأفضل سيناريو.

لا تحضر الجزائر بوصفها مجرد منافس بفيلم "رقية" للمخرج يانيس كوسيم، إنما بوصفها الدولة العربية الوحيدة التي انتزعت التمثال الذهبي تاريخيا

بسيناريو من تأليفه، يخوض المخرج يانيس كوسيم تجربته الروائية الطويلة الأولى، مغامرة سينمائية ذات شقين واضحين، أولهما اختيار حبكة غير تقليدية تعمدت إرباك المشاهد، عبر سرد متداخل وخط درامي غير مباشر، أما الشق الثاني فيتمثل في تبنيه قالب الرعب كإطار لعالمه، في خطوة تبدو جريئة داخل سياق سينمائي عربي يفتقر تاريخه إلى هذا النوع من الأفلام، وفي ذلك، ينسج المخرج عالمه من خيوط تتقاطع بين الرعب النفسي والدراما التاريخية.

ملصق "رقية"

ينقلنا الفيلم إلى قلب الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، لنتابع مأساة أحمد (علي ناموس) بعد عودته من حادث غامض فاقد الذاكرة وبوجه مضمد، ليصبح حضوره أشبه بمرآة تعكس هزائم جيل كامل، عاش صدمة جماعية جراء الحرب الأهلية المعروفة باسم "العشرية السوداء".

font change

مقالات ذات صلة