"ڨوي! ڨوي! ڨوي!".. قصة حقيقية عن الفقر والتحايل عليه

مرشّح مصر إلى الأوسكار

"ڨوي! ڨوي! ڨوي!".. قصة حقيقية عن الفقر والتحايل عليه

تصدَّر "ڨوي!ڨوي!ڨوي!" فور عرضه في السينمات، إيرادات شباك التذاكر المصري، حتى قبل أن يُعلَن اختياره رسميا كمرشح لتمثيل مصر في مسابقة الأوسكار عن فئة الفيلم الأجنبي، وأزاح الأفلام الأخرى، التي خلناها سوف تحتفظ بتصدّرها. كذلك كان الفيلم موضوع جدال بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي، حول ما إذا كان مخرجه ومؤلفه عمر هلال، وبطله الأول محمد فراج، قد أساءا أم لا، إلى مراسل صحفي اشتبك مع فكرة النهاية التي اختارها هلال لفيلمه.

عوامل عدة تجعل "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" فيلما يستحق عناء احتمال ازدحام شوارع القاهرة في حرّ الصيف، والذهاب لمشاهدته في السينما؛ مثلا عنوانه المثير للاهتمام بغرابته وموسيقيته، إذ يتمرّد على نمط العناوين المستهلكة للأفلام المصرية الحديثة المعارِضة إما لعناوين أفلام قديمة أو المأخوذة من تعابير وكلمات شائعة من اللهجة الدارجة. لا يعتمد الفيلم على النجوم المكرسين، ولن نبالغ إذا أضفنا أيضا صفة "المتكلسين"، هؤلاء الدائرين في متاهة سينما تجارية تحتذي بتيار سينما المقاولات في العقود السابقة، كأننا في زمن سينما المقاولات الجديدة. إن أحدا من أولئك النجوم القدامى الذين يعجزون عن تغيير جلدهم، أو الجدد الذين يبحثون عن النجاح السريع المضمون، ليسوا مدعوين هنا لحسن الحظ. بالإضافة إلى أن موضوع الفيلم، هو نجمه الأول، فإن محمد فراج ربما يختبر في "ڨوي!" نوعا من التعميد كي يصير هو نفسه في ما بعد نجما، لا كوميديا ولا مصارعا ولا معتمدا على الوسامة، كما نأمل، إنما محض ممثل يستطيع تأدية أدوار المواطن العادي كما كان مثلا الراحل أحمد زكي.

أما أهم عوامل الجذب التي لا يمكن نكرانها ولا مقاومتها فببساطة، فهو أن قصة الفيلم مستوحاة من حادثة حقيقية تحكي عن هرب مجموعة من لاعبي كرة الجرس للمكفوفين أثناء سفرهم للمشاركة في بطولة دولية في بولندا، والفضيحة التي تلت ذلك، عندما علمنا أنهم ليسوا مكفوفين، وأن القصة برمتها عملية احتيال وانتحال، بهدف الهروب خارج البلاد، وهو درب ملتو للهجرة غير الشرعية.

أهم عوامل الجذب التي لا يمكن نكرانها ولا مقاومتها أن قصة الفيلم مستوحاة من حادثة حقيقية تحكي عن هرب مجموعة من لاعبي كرة الجرس للمكفوفين أثناء سفرهم للمشاركة في بطولة دولية في بولندا

تستحق هذه النقطة الأخيرة، التوقف قليلا أمامها، لا بهدف محاكمة الواقعة الحقيقية، ولا بهدف محاكمة اختيار القصة من مخرج العمل ومؤلفه، وهو أحد منتجيه أيضا، بل لعلّ هذا التوقف ضرورة، للتفكر قليلا حول المعالجة التي اختارها لعمله القائم على التغطية الإعلامية لقصة حادثة الهروب والانتحال، والآثار السلبية التي خلّفتها آنذاك هذه التغطية المكثفة على الصورة الذهنية للموهوبين من فرق المكفوفين الآخرين غير المحتالين ولا الكذابين.

 

الشاطر حسن... فذّ أم قذر؟  

في الوعي الجمعي المصري يقترن اسم حسن، بصفة الشاطر، أي الماهر، ويحيل على قصة "الشاطر حسن وست الحسن"، التي تُنسب إلى كتاب "ألف ليلة وليلة"، وفيها يتخطى الصيّاد حسن بذكائه ومهارته جميع العراقيل التي يواجهها في رحلته، إلى أن يفوز بحبيبته الأميرة ست الحسن. عام 2005، جاء الفيلم المصري "أبو علي"، تأليف بلال فضل وإخراج أحمد نادر جلال، وبطولة كريم عبد العزيز، ليؤكد فكرة الشاب الذكي "الجدع"، الذي اسمه حسن، ويستطيع حماية عائلته وحبيبته (أدّت الدور منى زكي)، وينتهي الفيلم بانتصار الخير، والزج بالشرير في السجن.

لكن معجم المعاني يعطينا تعريفا آخر للكلمة: الشاطِرُ: داهية، مكير، خبيثٌ ماكر، ولعلّ هذا المعنى الأخير هو الذي يصلح لوصف شخصية حسن السيّد علي، التي يلعبها محمد فرّاج، والنوع الخاص من الشطارة التي يجيدها في "ڨوي! ڨوي! ڨوي!". في البدايات الأولى للفيلم، يظهر صوت بيومي فؤاد، الذي يلعب أحد الأدوار الرئيسة، لكنه يؤدّي أيضا صوت الراوي العليم، في البداية والنهاية، إذ يصف حسن بأنه: فَذّ وقذر. وهما صفتان قد تبدوان على نقيض في الأحوال العادية، لكنهما تجتمعان بسهولة هنا.

في المختصر يمكن القول إن حسن السيّد علي يعبّر عمّا هو أشمل من الشطارة، وأكثر تحديدا ومعاصرة منها، أعني "الفهلوة" بمعناها الاحتيالي، والمتحايل على الظروف. الفيلم لا يكذّب بعد ذلك خبرا، إذ يُرينا كيف يساير حسن السيدات الأجنبيات العجائز في شرم الشيخ، على أمل أن تصحبه إحداهن معها عائدة إلى بلادها ليتحقّق له حلمه في الهرب من مصر. غير أن رياح الحياة تأتي دائما بما لا تشتهي سفينة حسن، فتموت سيدة، وتختفي أخرى، ليجد حسن نفسه في النهاية، مجدّدا في حيّه البسيط الضيق، مع صديقيه الشابين الضَجِرين مثله، يؤدّي دوريهما طه الدسوقي وأمجد الحجار.

الزمن تصاعدي من بعد التغيرات السياسية المتعاقبة في مصر، منذ العام 2013، ويربط الفيلم بينها وبين سوء الحالة الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة. يعيش حسن مع أمه (حنان يوسف) التي تلحّ عليه يوميا في التواصل مع جهة عمل في الكويت تقدم إليه وظيفة، لا تختلف كثيرا عن وظيفتها (الخدمة في البيوت). ويعيش عادل أو بيومي فؤاد مع زوجته التي تضغط عليه كي يجد عملا يعيل به أسرته، ويبحث عادل جادا عن وظيفة تُعيد إليه شيئا من اعتباره المفقود، فهو يرى كما يحكي لأحد معارفه كيف صار زميله القديم العديم الموهبة مدربا في ناد رياضي كبير، بينما هو ضاقت به الحياة إلى هذا الحد.

نحن أمام مجتمع مأزوم، يمرّ بمحنة إنسانية وأخلاقية، تتجاهلها أغلب الأفلام التجارية الحديثة، لكن من محاسن "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" اعترافه الطليق بها

هناك خيط درامي ثالث انطلق في بداية الفيلم مع خطَّي حسن وعادل، وكان من المفترض أن يتطوّر معهما ويتقدّم، لكن ذلك لم يتحقّق للأسف، هو خط إنجي (نيللي كريم) الصحافية التي كفرت بمهنتها بسبب نماذج الشخصيات السطحية والزائفة التي عليها أن تُجري مقابلات معها. إنجي في حاجة إلى قضية تؤمن بها، وتدافع عنها. هي لا تتحرّك من حاجة مادية مثل حسن وعادل، ولا تحلم بالهجرة أو بالأحرى الهرب كما يحلمان، إنها تريد أن تفعل شيئا خيِّرا وسط هذا المجتمع، يُرضيها عن نفسها، ويُصلح شيئا من خيباتها العاطفية. وبقدر ما يعبر حسن وعادل عن أزمات الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، تعبر إنجي عن الأزمات الوجودية التي يعيشها أفراد من الشرائح الأعلى في الطبقة نفسها. نحن أمام مجتمع مأزوم، يمرّ بمحنة إنسانية وأخلاقية، تتجاهلها أغلب الأفلام التجارية الحديثة، لكن من محاسن "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" اعترافه الطليق بها.  

 

تواصل مع السينما المصرية

يذكّرنا "ڨوي!" بالفيلم التسجيلي "من وإلى مير" – مُتاح للمشاهدة على "نتفليكس" – وفيه ترصد المخرجة ماجي مرجان، التحولات التي مرّت بالوطن الكبير، من خلال التركيز على قرية مير في مدينة أسيوط الواقعة بصعيد مصر، وكيف انتهت الحال بشبابها من الجنسين، إما بالتهافت على الهجرة، أو العيش في انتظارها، وفي بعض الأحيان الانتحار.

يقول حسن في مشهد من الفيلم لإنجي: "أنا كِبرت على أني لازم أمشي".

هذه السوداوية الأليمة، وعمر هلال يحاول تخفيفها هنا بالكثير من الضحك القائم على كوميديا الموقف كي لا يؤثر على شباك التذاكر، تجعلنا أيضا نستعيد "بنتين من مصر" الذي عُرض عام 2010، من تأليف وإخراج محمد راضي، وبطولة صبا مبارك وزينة، أظهر الفيلم وطنا على الحافة، من خلال التركيز أكثر على أزمات الشخصيات النسائية.

إلى هذا، فمن فضائل "ڨوي!" الأكيدة تواصله مع تيار عاقل وبصير من السينما المصرية. ألا يبدو حسن هنا، النموذج المقابل للشيخ حسني، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، بطل فيلم "الكيت كات" للمخرج الكبير داود عبد السيد؟ كان الشيخ حسني ضريرا بالفعل، لكنه تقمص في أحد أشهر المشاهد، دور المبصر وقرر أن يقود دراجة نارية وسط المارّة المروعين. إن حسن يفعل العكس بالضبط، يتقمص دور الضرير، ويلاحظ على الفور كيف تتغير ردود أفعال الناس معه. لقد أدرك حسن أن العمى هو الحل، ومن ثم قرّر أن يلتحق بفريق المكفوفين، مدّعيا إصابته بمرض مفاجئ أثّر على عينيه، ولم يمنع رغبته مع ذلك في تحقيق حلمه الرياضي بمواصلة لعب كرة القدم.

الشيخ حسني بالأداء الذي لا يُنسى للفنان الكبير محمود عبد العزيز، هو النموذج الذي سيحاكيه حسن، في حركاته وإيماءاته وطريقة سيره، وفي الفيلم لقطة صريحة لهذه المحاكاة، ولا بأس من الغش حتى يصير اللاعب الأول في الفريق. من شأن كل هذا أن يأخذه ذات يوم للسفر إلى الخارج، ومن ثم الهرب واللاعودة.

هذا الاحتيال يستدعي أيضا الفيلم الشهير "البيضة والحجر" الذي عرض عام 1990 من بطولة أحمد زكي، سيناريو محمود أبو زيد وإخراج علي عبد الخالق.

 

 كلّ هذا الضيق

ولماذا يبقى حسن ورفاقه وسط هذا العالم المُسوَّر بأسوار خفية عديم الأفق؟

كل ما في "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" يترجم هذه الحالة. الكادرات الضيقة التي تبعث على الاختناق. أصوات الآخرين والبيئة المحيطة التي تتسلل دائما من خارج الكادر، فتلغي كل خصوصية للأبطال، وتزعجنا نحن أثناء الفرجة. البيت الشديد الضيق الذي نكاد نحفظ تفاصيله، وبين جدرانه يحاول الأبطال اصطناع أي نوع ممكن من الحياة. غرفة حسن المكدسة بالكراكيب والأغراض القديمة التي تنسجم مع بيوت الطبقة المتوسطة المصرية.

في "ڨوي!" أيضا تتلاحم الموسيقى لساري هاني مع الدراما. تعبّر عن مشاعر حسن جنبا إلى جنب مع أداء محمد فراج، مثلا خوفه عندما يشرع للمرة الأولى في ادعاء أنه كفيف. كذلك تساهم في بناء المزاج العام للفيلم، ولا تضنّ عليه بالحيوية اللازمة، في مشاهد المباريات.

لعلّ الإشكالية الكبرى التي يثيرها "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" تكمن أساسا في الرؤية التي يتبناها عمر هلال، والمعالجة التي يمكن القول إنها أضعفت تأثير أحد أهم الأفلام المصرية هذا العام

إجمالا يبدو النصف الأول من الفيلم أكثر تماسكا، لكن المشاكل تظهر أكثر في النصف الثاني الذي يفتقر الى هذا التماسك، وربما حتى يشير إلى بعض التناقض في تقديم شخصية حسن. فإن كنا رأيناه في البداية شخصا بلا عواطف، يترك بسهولة حبيبته الأولى تذهب إلى غيره، فكيف نراه فجأة يندفع للتعلق بالصحافية إنجي؟ على صعيد آخر، أضاف هلال ككاتب سيناريو بعض العناصر التراجيدية في الفيلم، في محاولة لتبرير سلوك حسن المحتال، أو أحيانا لاستدرار العطف، كالمشكلة التي تتعرض لها أمه، وكان يمكن ببساطة الاستغناء عنها، من دون أن تتأثر الدراما.

ثم يأتي النهج الشرير، الذي تتخذه الشخصيات جميعها، في سبيل تحقيق هدف السفر، الذي يتجاوز الفهلوة إلى درجة من الإجرام، يتناقض بكل تأكيد مع المنحى التراجيدي الذي اتخذه الفيلم في نصفه الثاني، وكان من المفترض به أن يبرر سلوكيات حسن ومَنْ على شاكلته.

 

مشاكل الرؤية

لعلّ الإشكالية الكبرى التي يثيرها "ڨوي! ڨوي! ڨوي!" بغض النظر عن الضعف والتخبط في بعض أجزاء السيناريو، تكمن أساسا في الرؤية التي يتبناها عمر هلال في فيلمه، والمعالجة التي يمكن القول إنها قد أضعفت تأثير أحد أهم الأفلام المصرية هذا العام.

إن ما يريب في العمل، وقد يخلق حالة من عدم الارتياح بعد المشاهدة، هو التطبيع التام مع عالم الفهلوة والاحتيال وتكسير عظم الخصوم بالمعنى الحرفي للكلمة، وأننا وسط هذا العالم لم نر ظلا لموهوب واحد حقيقي، أو للاعب مخلص، أو لحلم نبيل بالتحقق وإعادة اكتشاف الذات خارج حدود الوطن.

صحيح أن للفقر أحكامه، وقد شاهدنا في "ريش" مثلا كيف يُعلّم العوز الحيلة ويمحو حتى الفضيلة، إلا أن الانتهازية ليست حكرا على الفقراء، كما أن الفقر لا يرتبط في الضرورة بانعدام الموهبة والمهارات. نحن نتابع في الفترة الأخيرة أخبار رياضيين موهوبين هاجروا لأسباب ملموسة، هي عجزهم عن عيش حياة كريمة بالاعتماد على مواهبهم في مصر، وهو ما يتطلعون لأن يحدث لهم في الخارج، وبغض النظر عن موقفنا من الطريقة، نستطيع أن نتفهم هذه الدوافع.

قد يردّ المخرج، إن أراد، على هذا التحفظ، قائلا إن فيلمه مأخوذ من قصة حقيقية، هذا ما جرى فيها – انتصار الصعاليك – لكن في الواقع أيضا هناك مئات القصص لموهوبين حقيقيين يتعرضون لضغوط تدفعهم الى الهرب، هؤلاء للأسف لا أثر لهم في "ڨوي! ڨوي! ڨوي!".

هل يمكن للفيلم أن يتجاوز خطوة الترشيح الرسمي وينافس فعلا أفلاما أجنبية أخرى في مسابقة الأوسكار عن فئة الفيلم الأجنبي؟ لم يحدث هذا طوال السنين الماضية، على الرغم من الأفلام الجيدة التي كانت دائما على قائمة الترشيح الرسمي، لكن لو فعلها "ڨوي!" فسيكون ذلك إنجازا حقيقيا في زمن تتجه فيه السياسات الغربية إلى المزيد من تقبيح وجه الهجرة غير الشرعية، وإغلاق بابها قدر الإمكان، وقد لا يتماشى هذا كثيرا مع الرؤية السينمائية للفيلم.

font change

مقالات ذات صلة