مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية، التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة.

المهايطية

سيناريو: أيمن وتار، بدر العساف

إخراج: أحمد الجندي

بلد الإنتاج: السعودية

في تعاون مختلف من نوعه، يحضر الفيلم السعودي "المهايطية"، الذي طرح حصريا على منصة "نتفليكس" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مطلع الشهر الجاري، ليتصدر قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة بعد بثه بأربع وعشرين ساعة فقط. وتعود خصوصية التجربة إلى تركيبة جمعت مخرجا وكاتب سيناريو مصريين، أحمد الجندي وأيمن وتار، في صناعة عالم درامي سعودي وحبكة ذات طابع مختلف، لذلك كان من الضروري أن يشارك في الكتابة أحد أبناء البلد المنتج، وهو السيناريست بدر العساف.

تدور قصة الفيلم حول عائلة سلطان الذهبي (راشد الشمراني)، واحدة من العائلات الثرية في الرياض، التي تنقلب حياتها فجأة بعد التعرض لمنحنى مالي حاد تترتب عليه خسارة الثروة، فتدخل في دوامة من المحاولات المستمرة للحفاظ على مظاهر الثراء التي شكلت حياتها، وهو ما يجلب عليها مزيدا من المفارقات غير المتوقعة، التي تسير في إطار كوميدي عائلي ممتد على مدار الأحداث. يشارك في البطولة غادة الملا وزياد العمري وأضواء بدر وآيدا القصي، في أدوار بقية أفراد الأسرة.

في الوقت الذي تشهد فيه صناعة السينما في المملكة تحولات ملموسة خلال السنوات الأخيرة، لم يكن تصدر الكوميديا المشهد السينمائي السعودي مجرد مصادفة، سواء في الموسم الحالي أو مع تزايد حضورها في المواسم الماضية، ليس فقط لكونها الأقرب إلى المزاج العام، بل لأنها تتيح لهذه السينما فرصة كبيرة للتعبير عن ذاتها بروح محلية، كما تمكنها من التفاعل مع التحولات الاجتماعية المتسارعة من حولها. من هنا نجح صناع الفيلم في اختيار الكوميديا بوصفها القالب الأنسب لهذه الحكاية، إذ لا يتعامل السيناريو مع أزمة العائلة باعتبارها مجرد سلسلة من المفارقات المضحكة، وإنما يجعل من الكوميديا وسيلة للسخرية من منظومة كاملة من الأفكار التي حكمت حياة أفرادها.

يذهب أبعد من مجرد السخرية من شخصيات تتفاخر بما لا تملك، ليكشف مخاوفها وراء هذا السلوك، ولا سيما الخوف من كلام الناس ومن فقدان المكانة الاجتماعية.

فكلما حاولت الأسرة الحفاظ على صورتها أمام الآخرين، رغم انهيار وضعها المالي، تكشف تناقضا جديدا بين ما تملكه فعلا وما تصر على إظهاره، لتصبح مظاهر الثراء والوجاهة الاجتماعية نفسها مادة للسخرية. ومن خلال هذا التناقض، يضع الفيلم شخصياته في مواجهة نموذج اجتماعي يحمل الإنسان عبء الحفاظ على صورته أمام المجتمع، حتى لو اضطر إلى دفع ثمنها من حياته وواقعه.

ملصق فيلم المهايطية

ويأتي عنوان الفيلم "المهايطية" ليختصر جوهر هذه السخرية، فـ"المهايطي" في اللهجة السعودية والخليجية هو من يمارس "الهياط"، أي المبالغة في التفاخر واستعراض الثراء أو الكرم أو المكانة والشجاعة، أحيانا بصورة تتجاوز الحقيقة، طلبا للوجاهة ولفت الانتباه. لكن العمل يذهب أبعد من مجرد السخرية من شخصيات تتفاخر بما لا تملك، ليكشف مخاوفها وراء هذا السلوك، ولا سيما الخوف من كلام الناس ومن فقدان المكانة الاجتماعية. هنا تتحول محاولة العائلة التمسك بمظهرها القديم إلى مرآة لنموذج مجتمعي، يغلب الصورة على الجوهر، ويصبح الاعتراف بالأزمة نوعا من الهزيمة، خصوصا أمام الأقارب والمعارف.

Digger

سيناريو: ألكسندر دينيلاريس، نيكولاس جياكوبون، بمشاركة المخرج

إخراج: أليخاندرو غونزاليس إيناريتو

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، المكسيك، المملكة المتحدة

صورة أخرى من غواية الرأسمالية نتابعها في فيلم "Digger"، أحدث أعمال المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، الذي كثيرا ما تناول في أفلامه فكرة العشوائية القدرية المتحكمة في حيوات البشر منذ الولادة وحتى الممات، ولكن في ضوء أن فلسفتها العصية على الفهم بإمكانها إعادة الأمور دائما إلى السببية والنتيجة، فالكون لا تقوم قوانينه على رمية نرد. تدور أحداث الفيلم انطلاقا من أزمة الملياردير ديغر روكويل (توم كروز)، بارون النفط الشهير الذي لا يرى في العالم سوى امتداد لنفوذه وثروته، حتى حين تبدأ تبعات الكارثة التي ساهم هو نفسه في صناعتها بالتأثير على البيئة، بعد أن أدت عمليات التنقيب الجائرة في القطب الشمالي إلى انفصال كتلة جليدية ضخمة تهدد قارة أوروبا بكاملها.

على أن إيناريتو لا يتناول هذه الحادثة باعتبارها مجرد كارثة طبيعية. فهو يفككها بوصفها حتمية سببية لمنظومة اقتصادية وسياسية تلهث خلف الربح الأعمى، حتى وهي تدرك تماما حجم الثمن الفادح الذي يدفعه الكوكب. وفي ذلك، يتماشى الفيلم، في خطوة تحسب له، مع تيار "السينما البيئية"، وهو اتجاه أصبح حاضرا بقوة ضمن توجهات السينما العالمية في الآونة الأخيرة، خصوصا مع التغيرات المتوالية في المناخ. يقابل هذا أيضا صعود النقد البيئي وانتقال المصطلح إلى العربية أخيرا. كما استعان المخرج بديكورات مسرحية ضخمة، وشاشات متحركة، وتكوينات بصرية شديدة الاصطناع، ليضعنا عمدا أمام عالم يصعب فيه الفصل بين الحقيقة والخيال، كامتداد لمشروعه الفكري في فيلم "بيردمان".

يعيدنا الفيلم إلى تجارب كثيرة من هذا القبيل، يكون فيها الطموح الفني كبيرا، والمقصد نبيلا، لكن شيئا ما يخفق في إيصال الفيلم إلى أن يكون ما تمناه له صناعه في البداية.

بعيدا عن القالب التقليدي للدراما البيئية، يختار السيناريو أجواء الكوميديا السوداء والمبالغة إلى حد العبث أحيانا لرسم عالمه، موظفا الأداء الجديد والمختلف لتوم كروز في تجسيد الشخصية بصورة أقرب إلى الكاريكاتور، بحيث تبدو أكبر من الواقع، كأن الفيلم يريد أن يجعل غرور الرأسمالية نفسها شخصية حية تتحدث وتصرخ وتقدم مبرراتها أمام العالم، وهو ما يتقاطع بشكل أو بآخر مع بطل فيلم "دكتور سترينجلف" (1964) لستانلي كيوبريك. هنا يصبح "ديغر" نموذجا متطرفا للرأسمالية في صورة لا تكتفي باستغلال الموارد، بل تتعامل مع الكارثة نفسها بوصفها مشكلة يمكن إدارتها إعلاميا وسياسيا.

ملصق فيلم Digger

في المقابل، ثمة رسائل موازية تتخلل الأحداث يطرحها الفيلم في صور ألعاب ساخرة، فالرئيس الأميركي والسياسيون والمستشارون ورجال الأعمال يدخلون في لعبة البحث عن مخرج يحمي مصالحهم قبل أن يحمي البشرية. كذلك تدفعنا لعبة الميتا سينما في السيناريو إلى إعادة النظر في كل ما شاهدناه، وتضع الشخصيات والأحداث داخل لعبة أكبر تتعلق بعملية صناعة الحكاية نفسها. هنا ينتقل "ديغر" من سخرية السياسة والرأسمالية إلى السخرية من الطريقة التي نصنع بها تصوراتنا عن الكوارث. وفي واحدة من أكثر أفكار الفيلم وضوحا، يوجه الاتهام أيضا إلى الجمهور والمجتمع الذي أصبح أسيرا لنمط حياة ثابت لا يريد التخلي عنه.

الفيلم جاء بميزانية ضخمة تجاوزت 150 مليون دولار، لكنه سقط سقوطا ذريعا في صالات العرض خلال الأيام الأولى من عرضه، كما تضاربت بشدة آراء النقاد حوله، بل ذهب بعضهم إلى حد القول إن توم كروز قدم فيه أسوأ الأدوار في تاريخه، وهو ما يعيدنا إلى تجارب كثيرة من هذا القبيل، يكون فيها الطموح الفني كبيرا، والمقصد نبيلا، لكن شيئا ما يخفق في إيصال الفيلم إلى أن يكون ما تمناه له صناعه في البداية.

Animals

سيناريو: بيلي راي، كونور أو. ماكنتاير، بمشاركة المخرج

إخراج: بن أفليك

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة

يبدو أن هذا العام يحمل للمخرج الأميركي بن أفليك منعطفا خاصا مع الفن السابع، فقبل شهور قليلة من وصول أحدث أفلامه إلى الجمهور، كانت منصة "نتفليكس" قد أتمت استحواذها على شركته الناشئة InterPositive، المتخصصة في تطوير أدوات للذكاء الاصطناعي موجهة إلى صانعي الأفلام، في صفقة بلغت نحو 587 مليون دولار، بينما انضم أفليك إلى المنصة للعمل كمستشار. في فيلمه الجديد "حيوانات" Animals، الذي انطلق عرضه أخيرا على "نتفليكس"، إلى جانب عدد من دور السينما، يواصل المخرج تجربته مع عالم الإثارة والجريمة من خلال قصة تدور حول مرشح لمنصب عمدة لوس أنجليس، تنقلب حياته كليا بعد اختطاف ابنه وطلب فدية، فيجد نفسه أمام خيارات قد تهدد مستقبله السياسي وحياته الخاصة في آن واحد. خصوصا أن مبلغ الفدية المطلوب يفوق قدراته بعد أن أنفق ميزانية ضخمة على حملته الانتخابية، رغم أنه رجل يملك كل شيء: المال والعائلة والسلطة وحتى الحب، إلا أن الظروف تجبره على المفاضلة بين وسيلتين، أولاهما اتباع الطريق القانوني وإبلاغ الشرطة، بما يزيد نسبة الخطورة على ابنه، لكنه في الوقت نفسه سيزيد حجم التعاطف معه من الناخبين، والحل الآخر يتمثل في جمع المبلغ بطرق غير قانونية، وهو ما يمثل خطورة على مستقبله السياسي وعلى الحملة الانتخابية بكاملها إذا ما سُرّب ذلك للصحافة أو الإعلام.

هل يمكن، تحت وطأة الخوف والتهديد، أن تتراجع هذه القيم لتحل محلها غرائز بدائية لا تختلف كثيرا عن السلوك الحيواني، حيث يصبح البقاء هو الغاية الأولى؟

إضافة إلى الإخراج، يؤدي بن أفليك في هذه التجربة دور البطولة، إذ بدأ المشروع مع الممثل الأميركي مات ديمون في دور المرشح السياسي، قبل أن ينسحب بسبب تعارض مواعيد التصوير مع التزامه الكامل بالمشاركة في بطولة فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان. وبدلا من البحث عن ممثل آخر، قرر أفليك قيادة العمل أمام وخلف الكاميرا، وهو ما فعله سابقا في فيلم "آرغو" (2012).

ملصق فيلم Animals

على الرغم من أن الرسالة المباشرة للفيلم تؤكد زيف قدرة السلطة بمختلف أشكالها على حماية الفرد، فإن فكرته العامة تناقش معضلة أخلاقية تتعلق بالإنسانية نفسها من خلال طرح عدد من التساؤلات: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتمسك بقيمه ومبادئه إذا وضعته كارثة ضخمة أمام اختبار بقاء عزيز لديه؟ وهل يمكن، تحت وطأة الخوف والتهديد، أن تتراجع هذه القيم لتحل محلها غرائز بدائية لا تختلف كثيرا عن السلوك الحيواني، حيث يصبح البقاء هو الغاية الأولى، بصرف النظر عن ثمن ذلك؟

The Social Reckoning

سيناريو وإخراج: آرون سوركين

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة

في فيلمه الجديد "The Social Reckoning"، يركز المخرج الأميركي آرون سوركين على التأثير الذي أحدثه صعود "فيسبوك"، أشهر منصات التواصل الاجتماعي، على المجتمعات، من خلال قصة تدور أحداثها حول وقائع حقيقية جرت منذ نحو خمس سنوات، كانت بطلتها عالمة بيانات ومهندسة برمجيات أميركية تدعى فرانسيس هاوغن، الموظفة السابقة في "فيسبوك" التي أثارت تسريباتها الرأي العام العالمي، ما تسبب في زعزعة كيان الإمبراطورية الرقمية.

حدث هذا بعدما نشرت هاوغن (مايكي ماديسون) آلاف الوثائق السرية لإدارة "فيسبوك" في صحيفة "وول ستريت جورنال"، تكشف معلومات خطيرة تتعلق بتقديم الشركة الربح المالي وبعض السياسات على حساب سلامة المستخدمين وبياناتهم الشخصية، فيما عُرف بقضية "وثائق فيسبوك" التاريخية، التي نجح المخرج في إحيائها بذكاء انطلاقا من شخصية البطلة تحديدا، فهي ليست منافسا تجاريا لمارك زوكربرغ (جيريمي سترونغ)، أو صحافية جاءت من الخارج لتكشف مؤسسة لا تعرفها، وإنما تحضر قوة شهادتها من كونها عملت داخل النظام المتهم ثم قررت كشف ما رأته، حتى وإن كان ذلك لأسباب غير معلومة.

يتعامل الفيلم مع المنصة باعتبارها قوة اجتماعية وسياسية لا مجرد شركة تجارية، لا سيما وقد أصبح للخوارزميات قدرة سحرية على تحديد ما يراه الملايين، وهو ما يؤثر بقوة على الرأي العام.

لذلك، يتعامل الفيلم مع المنصة باعتبارها قوة اجتماعية وسياسية لا مجرد شركة تجارية، لا سيما وقد أصبح للخوارزميات قدرة سحرية على تحديد ما يراه الملايين، وهو ما يؤثر بقوة على الرأي العام، مثل تضخيم الغضب أو الخوف وحيل المعلومات المتضاربة، ويعيد تشكيل المجال الذي تتكون من خلاله الآراء والمواقف، بما فيها السياسية. ومن هنا ينتقل السيناريو إلى مناطق مختلفة مثل الاستقطاب السياسي، والأخبار المضللة، ومفاهيم ومعايير التطرف، إلى جانب تأثير المنصات على المراهقين والأطفال، وصولا إلى الدور الذي تلعبه شبكات التواصل في تشكيل المناخ العام، مستدعيا في ذلك الأجواء التي سبقت عملية اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021.

ملصق فيلم The Social Reckoning

هكذا ينتقل المخرج من تتبع قصة تأسيس هذه القوة إلى مساءلتها، حيث يعتبر الفيلم امتدادا مغايرا لمشروعه السابق (ككاتب سيناريو) "The Social Network" (2010)، الذي تناول من خلاله رحلة ميلاد "فيسبوك". في ضوء هذا، يمكن قراءة الفيلمين معا من خلال التحول الذي يكشفه العنوان نفسه، ففي الأول اختار سوركين وصفا جمعيا لـ"الشبكة الاجتماعية"، باعتبارها مشروعا يقوم على فكرة التواصل وإمكانية خدمة الجماعة، بينما ينتقل في الفيلم التالي إلى صيغة "الحساب الاجتماعي"، من منظور الفرد، في إشارة إلى الوجه الآخر للوسيط نفسه، وما آلت إليه الشبكة حين تحولت من أداة يفترض أن تجمع الناس إلى قوة قادرة على التأثير في الفرد وتشكيل وعيه وسلوكه وحياته.

Diary of a Chambermaid

سيناريو: أوكتاف ميربو، بمشاركة المخرج

إخراج: رادو جود

بلد الإنتاج: فرنسا، رومانيا

يعود المخرج الروماني رادو جوده في فيلمه الجديد "يوميات خادمة" Diary of a Chambermaid، إلى نص أدبي شهير كتبه أوكتاف ميربو قبل أكثر من 125 عاما تحت العنوان نفسه، وهي الرواية التي استحوذت سابقا على اهتمام عدد كبير من المخرجين عبر تاريخ السينما مثل جان رينوار ولويس بونويل، لكن رادو يمارس هوايته المفضلة في الهدم، البصري والتكنيكي، ليعيد صياغتها بروح معاصرة، منتقلا بحكاية الخادمة إلى فرنسا الحالية، حيث تعمل الشابة الرومانية جيانينا (آنا دوميتراسكو) لدى عائلة برجوازية في بوردو، بينما تعيش ابنتها في رومانيا بعيدا عنها.

ملصق فيلم Diary of a Chambermaid

إلا أن الخادمة تكتشف الوجه الخفي لهذا العالم البراق لساكني القصور، المتمثل في تفشي ما تصفه في مذكراتها بـ"العفن الأخلاقي"، بما يحمله من شبق وسادية ورغبات مكبوتة، تختبئ خلف عباءة الطبقة الراقية. وبذلك يتحول الصراع الطبقي القديم إلى خريطة جديدة للقارة الأوروبية، حيث يستقر المال في الغرب، والأيدي العاملة الرخيصة دائما ما تأتي من الشرق، في ضوء ما تفرضه القوانين والأعراف الهشة على العمال والمهاجرين والعلاقات غير المتكافئة داخل أوروبا الحديثة.

استخدم الفيلم الإسقاط على الواقع الحالي بذكاء لافت، استطاع من خلاله مناقشة الكيفية التي حوّلت المفاهيم القديمة للعبودية إلى أشكال ممنهجة في عالمنا المعاصر.

تزداد الفكرة وضوحا من خلال البناء الشكلي للفيلم، فجيانينا ليست خادمة فقط، إنها تشارك في فرقة مسرحية للهواة تقدم نسخة هي الأخرى من رواية "يوميات خادمة"، بحيث تصبح الخادمة ممثلة لدورها في الواقع والخيال. هذه اللعبة الميتاسردية سمحت للسيناريو بأن يضع الرواية القديمة في مقابل الحاضر، وجعلت الشخصية تعيد تمثيل الاستغلال الذي تعيشه بالفعل، ولكن بشكل ساخر، إذ لا يقدم العمل أصحاب المنزل كبورجوازيين متعجرفين بالطريقة التقليدية، فالعائلة التي تعمل لديها البطلة تعتبر نفسها تقدمية ومتحررة أمام الجميع، لكن هذا لا يمنعها من التعامل معها بوصفها شخصا أقل شأنا، حين تختفي الأعين.

نجح السيناريو، الذي شارك المخرج في كتابته، في الحفاظ على جوهر النص الأصلي، وفي الوقت نفسه استخدم الإسقاط على الواقع الحالي بذكاء لافت، استطاع من خلاله مناقشة الكيفية التي حوّلت المفاهيم القديمة للعبودية إلى أشكال ممنهجة في عالمنا المعاصر، حيث للعملة الواحدة وجهان مختلفان، يمثلان أخلاقيا ثنائية "المقدس/المدنس" التي استخدم فيها المونتاج بأنماط مختلفة وبحرفية عالية بين البطء والسرعة وما بينهما، مما أضفى حركة دائمة لا تنقطع على الشاشة، أما عدسته فقد أسبغت بلقطاتها المتريثة على الأشياء والوجوه واقعية مضاعفة وطابعا رمزيا لا تخطئه العين.

font change