مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: غنيلي شوي شوي - في الغناء والسياسة والمجتمع

الكاتب: عمر قدور

تقديم: فادي العبدالله

الناشر: رياض الريس للكتب والنشر – لبنان

في كتابه النقدي والتوثيقي "غنيلي شوي شوي - في الغناء والسياسة والمجتمع"، يستعيد الروائي والكاتب السوري عمر قدور الذاكرة الموسيقية والغنائية العربية، وعبر ذلك يستعيد زمنا ينظر إليه بوصفه عصرا ذهبيا للفن، بل أكثر من ذلك، يفتتح حقلا رحبا لمراجعة تاريخ الطرب الحديث، والتساؤل إزاء آليات تشكل رموزه الكبرى في تفاعلها مع التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن خلال قراءة تتجاوز الحنين الاستهلاكي النوستالجي وتمجيد الأساطير الشائعة، يتخذ قدور من المسار الفني لأم كلثوم مدخلا رئيسيا لاستكشاف ستة عقود من التغيرات التي أعادت تشكيل الذائقة العربية، وغيرت علاقة الأغنية بالجمهور والإعلام والسلطة، لتصبح الموسيقى موشورا لرؤية تحولات المجتمع من جوانبه كافة، ومطرحا واسعا للصراع المحتدم بين المحافظة والتجديد.

يبدأ قدور رحلته النقدية من ثنائية دالة ولافتة: "الآنسة أم كلثوم" مقابل "الست أم كلثوم". يجادل الكتاب بأن "الآنسة"، في العشرينات والثلاثينات، كانت تشكل مطرحا مفتوحا على التجريب والجرأة والبحث عن الذات بين القوالب التراثية كالـ "دور" و"القصيدة"، وأخرى أكثر حداثة كـ "المونولوغ" و"الطقطوقة متعددة الأغصان". كانت "الآنسة" تبحث عن موضع قدم في بازار الفن بالقاهرة، متأثرة بأساتذة كبار كالشيخ أبو العلا محمد ومحمد القصبجي وزكريا أحمد.

أما "الست"، منذ أواخر الأربعينات وصولا إلى الستينات والسبعينات، فقد تحولت إلى "أيقونة مؤسساتية" وتعبير رمزي عن سلطة المركز ودولة "جمهورية أم كلثوم العربية" بالتقاطع مع الحقبة الناصرية. وبينما منح هذا التحول لأم كلثوم هيمنة استثنائية وجماهيرية عابرة للحدود، فإنه فرض عليها - بحسب قدور- رقابة ذاتية صارمة، وحصرها في نمط الأغنية الطويلة المطولة، مما أدى تدريجيا إلى تهميش قوالب غنائية حية كالدور، وإقصاء ملحنين تجريبيين راديكاليين كالقصبجي، العبقري الذي جرى "إجلاسه في الصف الخلفي لعازفي العود" في فرقة أم كلثوم في نهاية المطاف .

يفرد الكتاب حيزا تحليليا عميقا لصناع الأنغام الذين شكلوا صوت أم كلثوم وشكلتهم بدورها. عمر قدور لا يقدم ملحني أم كلثوم بوصفهم مجرد صناع ألحان يدورون في فلك صوتها، بل يكشف اختلاف مشاريعهم وتوتر العلاقة بين طموحاتهم الفنية ومتطلبات النجومية، الأمر الذي كان يخفي صراعا على الهيمنة في "المختبر الكلثومي".

يصحح الكتاب المفهوم الشائع عن زكريا أحمد (أبو الأصالة المتجددة) بوصفه مجرد محافظ تقليدي، إذ يظهر كيف زاوج بين الروح الشعبية المترعة بثورة 1919 وروايات "أهل الهوى"، مستحدثا "النمط الكلثومي الهجين" الذي جمع بين المونولوغ والدور والطقطوقة، كما في "حبيبي يسعد أوقاته" و"أنا في انتظارك".

ويتوقف مطولا عند تراجيديا محمد القصبجي (المفكر التحديثي)، هذا العبقري المجدد الذي جلب الأشكال الغربية وقدم صياغات مقامية معقدة. يرى الكتاب أن ابتعاد أم كلثوم عن ألحانه بعد ذروة "رق الحبيب" (1944) لم يكن بسبب "جفاف قريحته" أو "غرام بائس"، بل لأن بوصلتها الفنية في طور "الست المحافظة" لم تعد تحتمل مغامراته الراديكالية ومطالبه الموسيقية الصارمة.

وأما رياض السنباطي (الأخ والأنا البديلة) فيصفه قدور بأنه الملحن الذي لو كانت أم كلثوم ملحنة لكانت إياه، إذ استطاع استيعاب مختلف المدارس وتقديم القصيدة الصوفية والعاطفية المهيبة التي تليق بعصر السيادة والتصنيم.

وكي لا تبدو السيرة حكرا على "البطل الأوحد"، يوازن الكتاب بين المسار الكلثومي والتجارب الغنائية السينمائية الموازية التي قادتها مطربتا الاستثناء: أسمهان وليلى مراد.

أما أسمهان فهي تجسيد لصوت الأنوثة الطاغية والانفتاح الثقافي (الوافد من المدارس الفرنسية والموسيقى العالمية). كان صوت أسمهان، بألحان القصبجي وفريد الأطرش وعبد الوهاب، يشكل المشروع الفني الوحيد القادر على منافسة أم كلثوم لو لم تحسم التراجيديا حياتها مبكرا..

دعوة لمراجعة أذواقنا وتاريخنا السمعي بعيدا عن التسبيح والأساطير، للوصول إلى فهم أعمق للحظات التي يتقاطع فيها الصوت مع الكلمة والسياسة والتحولات الاجتماعية

وأما ليلى مراد فيعتبرها قدور رمز الحداثة المنضبطة وفتاة الأحلام العصرية على الشاشة. يوضح كيف قدمت ليلى مراد عبر السينما الغنائية (مع توغو مزراحي وأنور وجدي) نموذجا مغايرا لأغنية الحفلات الكبرى: أغنية قصيرة، وحيوية، وممتزجة بالحكاية والمكان، وقد حملت مشاريع الملحنين الكبار بعيدا عن صرامة المسرح التقليدي. كما يكشف الكتاب عن الضغوط الاجتماعية والسياسية والدينية التي أحاطت بمسيرة ليلى مراد، كاشفا بذلك كيف تتجاوز سيرة الفنان حدود الإبداع الفردي لتتشابك مع التحولات العامة..

غلاف غنيلي شوي شوي

ثم ينتقل الكتاب إلى ظاهرة عبد الحليم حافظ، مفككا أسطورته على نحو قد يصدم عشاق حليم الكثر، من خلال تحليل "الأداء الميلودرامي". يرى قدور أن عبد الحليم لم ينطلق من القوة الصوتية أو مهارات التطريب الكلاسيكي (العرب والقفلات)، بل من تبسيط الأداء وشحنه بطاقة عاطفية وانفعالية مكثفة، جعلت من "الضعف والهشاشة واليتم" مصدرا للسلطة والسيطرة على المشاعر. لقد حول حليم الغناء إلى "سلطنة عاطفية" خاطبت أجيال الشباب والنساء، وجعلت منه "فتى الناصرية المدلل" وصوت صعودها ونكستها.

وأما سعاد حسني فقد ودعت الناصرية وداعا احتفاليا في أغنية "يا واد يا تقيل"

يفكك الكتاب أيضا ظاهرة فيروز، ويغوص في حلب وقدودها، في مسح بانورامي تحليلي لأصوات وموسيقى بقيت في ذواكر الناس على أنها تمثل حقبة كبيرة وزمنا جميلا قد يتمنون، ربما، أن يعود.

يتميز كتاب عمر قدور بدمج محكم بين المعيار التوثيقي الدقيق، بالاعتماد على الحوارات الإذاعية القديمة، والصحافة الفنية العتيقة، ومذكرات نجيب محفوظ ومصطفى أمين ومحمد التابعي، وبين التحليل الأسلوبي والسوسيولوجي. فلا ينحاز للمبالغات والأساطير الشائعة (مثل أسطورة "المنديل" أو قصص الغرام المبسطة)، بل يحللها لصالح قراءة واقعية تفهم الغناء كصناعة متأثرة بالتحولات الاقتصادية (من الكساد الكبير إلى سوق القطن) والسياسية (من ثورة 1919 إلى ثورة 1952 وما بعدها).

على أهمية أن يكون كتاب "غنيلي شوي شوي" عن الغناء والموسيقى، إلا أنه ليس هكذا فحسب، بل هو قراءة سوسيولوجية وثقافية، وبحث في كيفية تخليق الرموز الثقافية في العالم العربي. إنه دعوة لمراجعة أذواقنا وتاريخنا السمعي بعيدا عن التسبيح والأساطير، للوصول إلى فهم أعمق للحظات التي يتقاطع فيها الصوت مع الكلمة والسياسة والتحولات الاجتماعية .

الكتاب: كائن غير سوي

الكاتب: طاهر النور

الناشر: دار عرب للنشر والترجمة - المملكة المتحدة

يمكن القول إن رواية "كائن غير سوي"، للروائي والصحافي التشادي طاهر النور، رواية الإنسان المنسي. يطل الكاتب من نافذة خاصة على عوالم هذا الإنسان، حيث تتداخل على نحو مخيف القسوة الاجتماعية مع الأسئلة الوجودية، ويتحول الاختلاف بين بني البشر من سمة إنسانية باذخة إلى تهمة تستدعي الإقصاء. ومن خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، يبني الكاتب سردا متقاطعا بين السخرية والألم، والغرابة والواقع، ليتساءل إزاء من يملك حق تحديد من هو الإنسان السوي، ومن الذي يوصف بأنه "غير سوي"".

تدور الرواية حول "سعيد النايم"، وهو عسكري متقاعد يجد في الكتابة ملاذا من عالم لم يمنحه ما يكفي من القبول. يكتب القصص ليلا، ثم يعود إليها في الصباح، فلا ترضيه، فيلقي بأوراقها بعيدا ويرميها. غير أن "أصيل الطري"، الذي يلتقط هذه الأوراق ويقرأها بشغف، يرى فيها قيمة لا يستطيع صاحبها إدراكها. ومن هذه العلاقة غير المألوفة، تتشكل حكاية عن الكتابة وعن الاعتراف، وعن المسافة الفاصلة، والتي قد تكون خطرة، بين نظرة الإنسان إلى ذاته ونظرة الآخرين إليه.

تأتي الرواية ضمن سياق التعريف بالتجربة المحلية التشادية وربطها بأفق إنساني يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية

لا تقف الحكاية عند حدود شخصية مأزومة أو تجربة فردية، بل تعود إلى بدء المعاناة منذ الطفولة، وتستمر داخل الأسرة والمجتمع، قبل أن تمتد إلى المؤسسة العسكرية. فالجسد الذي لا يطابق معايير الجمال السائدة ينبذ، فيما تتحول الكتابة إلى مطرح رحب لاستعادة الذات، ومحاولة لمقاومة أحكام الآخرين..

يمزج طاهر النور بين الحشرات والحيوانات والآفات والساسة الفاسدين، في بناء ساخر يتيح له تحليل التناقضات الأخلاقية والاجتماعية، ومساءلة عالم قد يتسامح مع فساد الروح، لكنه يضيق ذرعا باختلاف المظهر. وهنا يكتشف القارئ الدلالة المراوغة لعنوان الرواية، حيث لم يعد "غير سوي" وصفا لشخص بعينه، بل ربما وصفا لمجتمع بذاته، وتساؤلا إزاء المعايير التي يصنعها لفرز البشر وتصنيفهم.

غلاف كائن غير سوي

تأتي الرواية ضمن سياق التعريف بالتجربة المحلية التشادية وربطها بأفق إنساني يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. قالت عنها جائزة "بيت الغشام - دار عرب الدولية للترجمة" لعام 2026 إنها منحتها تقديرا لبنائها السردي المتماسك ومعالجتها للهشاشة الإنسانية بوصفها حالة وجودية، بعيدا عن الأحكام الجاهزة.

"كائن غير سوي" بالإضافة إلى أنها حكاية عن شخص مختلف، هي أيضا مراجعة للطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين، وإلى اكتشاف أن القبح الأكثر رسوخا قد لا نراه في الوجوه، بل يتخفى في الأحكام المسبقة، وفي العجز عن الاعتراف بإنسانية من لا يشبهوننا.

الكتاب: متاهات التأويل - قراءات في العلمنة والتدين والهوية

الكاتب: غسان الكشوري

تقديم: عبد الله الترابي

الناشر: دار أكورا للنشر والتوزيع - المملكة المغربية

يأتي كتاب "متاهات التأويل - قراءات في العلمنة والتدين والهوية" للصحافي والكاتب المغربي غسان الكشوري، بوصفه محاولة للبحث في واحدة من أكثر القضايا حضورا في النقاش الثقافي الراهن، ليس المغربي فقط، بل في العالم العربي أيضا، وهي العلاقة بين الدين والعلمانية، وفيما لو كان الاختلاف في تأويل النصوص والتصورات الفكرية سببا للصراع، أو يمكن أن يكون سببا لإغناء الحوار وتوسيع المعارف.

من خلال سلسلة حوارات مع عدد من المفكرين والكتاب من داخل المغرب وخارجه، يتيح الكتاب للقارئ أفقا للتفكير في تعدد وجهات النظر والمقاربات، ويمنح هذا البناء الحواري الكتاب طابعا خاصا، إذ يقع القارئ على وجهات نظر متنوعة حول قضايا العلمنة والتدين والهوية ومتجاورة في الآن نفسه داخل كتاب واحد، بما يعكس ثراء النقاش الفكري وصعوبة اختزال الأسئلة الكبرى في إجابات جاهزة وتبسيطية..

تبدو كلمة "المتاهة" في العنوان دالة على تعقيد الأسئلة الإنسانية والفكرية، وعلى الحاجة إلى مواصلة البحث بدل الاكتفاء بالأحكام المسبقة، أما كلمة "التأويل" فتشير إلى أن المعنى لا ينفصل عن السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية التي يتشكل داخلها، كما أن فهم الظواهر الدينية والفكرية يظل مفتوحا على قراءات متعددة ومتغيرة. .

    في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول الدين والعلمانية والانتماء، يفسح الكتاب أرضية لإمكانية بناء نقاش أكثر انفتاحا، مبني على تعدد التأويلات

في تناوله العلاقة بين العلمنة والتدين، يبتعد الكتاب عن اختزالها في ثنائية الصراع والتناقض، ويتيح المجال لاستكشاف مناطق التقاطع والتلاقي وإمكانات التعايش بين تصورات مختلفة للعالم والمجتمع. وتبرز هنا قضية الهوية في قلب النقاش، وذلك في سياق التحولات التي تعيشها المجتمعات العربية، حيث تتفاعل المرجعيات الدينية مع أسئلة الحرية والتعدد..

غلاف متاهات التأويل-قراءات في العلمنة والتدين والهوية

يحاول الكتاب تقريب النقاش الفكري من القارئ العام، بعيدا عن التعقيد الأكاديمي، ومن دون التخلي عن الأسئلة العميقة التي تثيرها موضوعاته.

"متاهات التأويل - قراءات في العلمنة والتدين والهوية" محاولة لجعل التعامل مع الاختلاف فرصة للفهم لا للإقصاء. وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول الدين والعلمانية والانتماء، يفسح الكتاب أرضية لإمكانية بناء نقاش أكثر انفتاحا، مبني على تعدد التأويلات واحترام حق الإنسان في التفكير والسؤال.

الكتاب: ليبرالية بلا ديمقراطية - القومية والمواطنة في مصر (1922-1936)

الكاتب: عبد السلام المغراوي

ترجمه: باهر سليمان

الناشر: مدارات للأبحاث والنشر – مصر

يتناول كتاب "ليبرالية بلا ديمقراطية - القومية والمواطنة في مصر (1922-1936)" للباحث عبد السلام المغراوي، التجربة الليبرالية المصرية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1922 و1936، وهي مرحلة شهدت تفاعل النخب السياسية والثقافية المصرية مع الفكر الليبرالي الأوروبي، في سياق تاريخي غلب عليه استمرار النفوذ البريطاني وتصاعد أسئلة الاستقلال الوطني وتداخلها مع مشاريع التحديث وبناء الدولة الحديثة. يمكن اعتبار الكتاب نوعا من الإجابة على تساؤل شائع حول كيف يمكن لمجتمع أن يتبنى الأفكار الليبرالية من دون أن ينجح في بناء ديمقراطية حقيقية، وهل الحرية، التي هي حق للبشر كافة، هي مجرد تشبه بنموذج ثقافي أو حضاري مهيمن..

المغراوي في كتابه هذا الذي ترجمه باهر سليمان، يسرد تطور الأفكار والمؤسسات السياسية، ثم ينتقل إلى كشف التناقضات التي صاحبت تلك النقاشات حول بناء الدولة والأفكار الليبرالية المنتشرة آنذاك وارتباطها بالديمقراطية والحرية، ويكشف أيضا كيف ارتبط تبني بعض الإصلاحيين المصريين للمبادئ الليبرالية بمحاولة إعادة تشكيل الهوية الوطنية وفق تصورات مستمدة من الثقافة الأوروبية. وهكذا امتدت قضية التحديث من تنظيم السلطة وتوسيع المشاركة السياسية، إلى اللغة والأدب والعادات والتصورات المتعلقة بالانتماء إلى الجماعة الوطنية..

محاولة لفهم الأسباب التي قد تجعل وعود الحرية قائمة في الخطاب فقط، بينما تبقى الديمقراطية والمواطنة المتكافئة مشروعين غير مكتملين

يستند الكاتب إلى نشاطات فكرية ونقدية تستلهم أعمال جاك لاكان وفرانز فانون وإدوارد سعيد وهومي بابا، ليدقق في العلاقة المعقدة بين الليبرالية والهيمنة الإمبراطورية. وتتمثل إحدى أفكار الكتاب المحورية في أن الخطاب الذي يرفع شعارات الحرية والتقدم قد يعيد، هو نفسه، إنتاج علاقات الإقصاء، حين يجعل الاعتراف بالمواطن مشروطا بمدى اقترابه من نموذج ثقافي بعينه، فإن لم يكن قريبا منه، يقصى.

غلاف ليبرالية بلا ديمقراطية - القومية والمواطنة في مصر (1922-1936)

لذلك يمنح المغراوي الثقافة دورا مركزيا في فهم السياسة، إذ يتتبع ظهور الليبرالية في المقالات الصحافية والأعمال الأدبية والرسوم الكاريكاتورية، ويبين كيف أسهمت النقاشات الثقافية والاجتماعية في رسم معالم المواطنة وفي تحديد ملامح الهوية المصرية الحديثة.

يبحث الكتاب في العلاقة بين الاستقلال السياسي والتحرر الثقافي، وبين تبني المبادئ الليبرالية وتحقيق المساواة الفعلية في المواطنة، انطلاقا من التجربة المصرية، لكنه يتجاوزها إلى أفق أبعد.

يمكن اعتبار كتاب "ليبرالية بلا ديمقراطية - القومية والمواطنة في مصر (1922-1936)" محاولة لفهم الأسباب التي قد تجعل وعود الحرية قائمة في الخطاب فقط، بينما تبقى الديمقراطية والمواطنة المتكافئة مشروعين غير مكتملين..

الكتاب: ملكات النفس - في تفقد الذات والمسؤولية الأخلاقية

الكاتب: لقمان زعيبط

الناشر: دار سامح للنشر – السويد

عند تقاطع الفلسفة والسوسيولوجيا والفكر النقدي، يستكشف الكاتب التونسي لقمان زعيبط الملكات التي تسهم في تشكيل العقل الإنساني، وذلك في كتابه "ملكات النفس - في تفقد الذات والمسؤولية الأخلاقية"، ويثير أسئلة حول الكيفية التي تتكون بها تصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم من حولنا. فالذات ليست معطى مكتملا، إنما هي مشروع مستمر من الاكتشاف والمراجعة وبناء المعنى.

    رحلة في خرائط الوعي، غايتها أن يصبح فهم الذات مدخلا إلى تحمل المسؤولية، وأن تتحول المعرفة من تراكم للمعلومات إلى ممارسة واعية تعيد ربط الإنسان بقيمه

يختار زعيبط الخرائط مدخلا رمزيا إلى هذه الرحلة، فيستحضر خريطة ميركاتور بوصفها استعارة عن الخرائط الذهنية التي تحدد مواقعنا في العالم، وتؤثر في فهمنا لأنفسنا، وليس بوصفها أداة جغرافية فحسب. فمثلما أن الخرائط تقدم تصورا معينا للمكان، كذلك تصوغ الأفكار الموروثة والثقافات السائدة تصوراتنا عن الذات والآخر، الأمر الذي يجعل إخضاعها للمساءلة مسألة في غاية الضرورة.

غلاف متاهات النفس

ومن هذا المدخل، يستحضر المؤلف تجربة الناشطة الكينية ونغاري ماثاي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، بوصفها مثالا على استعادة الهوية، وعلى الصلة بين الوعي بالذات والفعل داخل العالم وفي القلب منه. وهكذا ينتقل الكتاب من التساؤل إزاء المعرفة إلى التساؤل إزاء المسؤولية، ومن التأمل في الهوية إلى التفكير في إمكانية ترجمة الوعي إلى نوع من ممارسة أخلاقية واجتماعية.

من هنا فإن "ملكات النفس - في تفقد الذات والمسؤولية الأخلاقية" يدعو القارئ إلى تفقد الذات قبل إصدار الأحكام على العالم، وإلى إعادة التفكير في وظيفة الثقافة ودور المثقف في زمن التحولات المتسارعة. إنها رحلة في خرائط الوعي، غايتها أن يصبح فهم الذات مدخلا إلى تحمل المسؤولية، وأن تتحول المعرفة من تراكم للمعلومات إلى ممارسة واعية تعيد ربط الإنسان بقيمه ومجتمعه.

font change