مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: في محاكمة الناقد الثقافي - رؤية جديدة

الكاتبة: د. رائدة العامري

الناشر: مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع - العراق

يقدم كتاب "في محاكمة الناقد الثقافي - رؤية جديدة" للكاتبة العراقية الدكتورة رائدة العامري مراجعة مفهومية وإبستيمولوجية لطبيعة الدور الذي يلعبه الناقد الثقافي، ويتخذ من الخطاب النقدي للناقد السعودي عبد الله الغذامي، بوصفه الرائد الذي أدخل تيار أو منهج "النقد الثقافي" إلى الساحة العربية، مادة أساسية للدراسة والمناقشة التطبيقية.

ينطلق الكتاب من فكرة "المحاكمة" بوصفها مطرحا تحليليا يتيح مراجعة منجز النقد الثقافي في المشهد المعاصر مراجعة متكاملة، حيث تضع الباحثة أدوات هذا المنهج تحت مجهر المساءلة لاختبار مدى كفايته وتماسكه. تتتبع العامري المسار التاريخي والفكري للتحول من "النقد الأدبي" الكلاسيكي المتركز حول النص وحساباته الجمالية واللغوية، إلى "النقد الثقافي" الذي يتجاوز الحدود النصية نحو دراسة الأنساق المضمرة، وعلاقات السلطة، والأيديولوجيات المتوارية خلف النص الإبداعي.

تتوزع الدراسة على محاور منهجية وتطبيقية متعددة، إذ تقف المؤلفة عند التداخل المعرفي الذي يكتنف عمل الناقد الثقافي أثناء استعارته لأدوات من علوم إنسانية مجاورة كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والسياسة، مع تقييم مدى نجاح الناقد في الحفاظ على/ وعدم تخطي حدوده المنهجية لضمان الموضوعية والضبط العلمي.

ترصد الكاتبة طبيعة الاستجابات النقدية والسجالات الأكاديمية التي دارت حول "النقد الثقافي" في الأوساط العربية

كما يفرد الكتاب مساحة واسعة لبحث واقع النقد الثقافي في الخطاب العربي، ويستعرض كيفية إدخال المفهوم الغربي وتطبيقاته على البيئة الثقافية العربية والتراث العربي. وتناقش العامري الجرأة المنهجية والآليات التي اعتمدها الغذامي في تفكيك منظومة الخطاب العربي، مع التركيز على قياس مدى تطابق الممارسات التطبيقية مع المفاهيم النظرية التي أسس عليها مشروعه.

في محاكمة الناقد الثقافي - رؤية جديدة

ترصد الكاتبة أيضا طبيعة الاستجابات النقدية والسجالات الأكاديمية التي دارت حول "النقد الثقافي" في الأوساط العربية. حيث تتناول العوائق التي واجهت المفهوم أثناء انتقاله: ما بين رفض التيارات البلاغية والجمالية الكلاسيكية التي رأت فيه تهديدا للقيم الإبداعية للنص، وبين الحماس الشديد الذي أبداه باحثون، خاصة الشباب، لتطبيق الأدوات الثقافية المنبثقة عن النقد الثقافي. وتوضح الباحثة كيف أسهمت هذه المواجهة في ترتيب الأسئلة النقدية المعاصرة من جديد، مع الوقوف عند محاولات لتبيئة المفهوم النقدي الجديد وتجاوز الصدمة نحو استقرار مصطلحي ومفهومي أكثر نضجا.

تخلص الدراسة إلى أن "محاكمة الناقد" لا تعني بحال من الأحوال إلغاءه أو مصادرته، إنما هي نوع من المراجعة النقدية التقويمية الضرورية لمرحلة زمنية أثارت جدلا واسعا في الأوساط الأكاديمية والثقافية العامة، بهدف فحص النتائج التي استقر عليها الخطاب النقدي العربي، وتبين الحدود الفاصلة بين القيمة الجمالية والوظيفة الاجتماعية للأدب.

الكتاب: سقف تحت الأرض

الكاتب: نوار الماغوط

الناشر: منشورات راميتا ـ بريطانيا

يرصد الكاتب السوري نوار الماغوط في مجموعته القصصية "سقف تحت الأرض" تحولات الفرد والمجتمع في سوريا عبر زمن يمتد من منتصف القرن الماضي وصولا إلى المرحلة الراهنة، حيث ينقل القارئ في رحلة سردية مؤثرة بين أزقة مدينة سلمية الحميمة وشوارع مدينتي الثورة والرقة المتغيرة وأحياء حلب القديمة العريقة، ليرسم ملامح عالم كامل تبدو فيه علاقة الهامش الاجتماعي مع السلطة الغاشمة، التي هي سلطة نظام الأسد، متوترة للغاية، وذلك عبر خمس عشرة قصة قصيرة تضم عناوين تحمل في طياتها حمولة رمزية ودلالية مثل "العيد الأخير كما رواه لي أبي"، و"الصفعة"، و"غطاء الطاولة"، و"ليلى والذئاب"، و"شهرزاد"، و"نصف نعل"، وقصة العنوان الرئيسة "سقف تحت الأرض"، وغيرها... تتحرك نصوص هذه المجموعة في مساحة درامية محتدمة تتجاوز الوصف السطحي للأحداث لتركز على التقاط اللحظات الفاصلة والحاسمة التي تغير مجرى حياة الشخصيات وتكشف عن دواخلها النفسية والانفعالية، وبذلك فإنها تتناول "ثيمات" محورية ومعقدة كالتحولات الطبقية الصارخة والعدالة الغائبة التي تتجلى بوضوح وجلاء في قصة "نصف نعل" عبر التأمل العميق في الفجوة المتسعة بين طموح العلم والتحصيل الأكاديمي وبين الواقع المعيشي المعقد والمرير للموظف البسيط، وتظهر بوضوح مظاهر الظلم المدرسي والطبقي وسلطة المتنفذين والنفوذ المحسوب على أصحاب المال والجاه في قصة "غطاء الطاولة"، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الصراع الأبدي مع السلطة والتهميش الممنهج كما في قصة "سقف تحت الأرض" التي نتابع من خلالها الحكاية المأساوية للمواطن والحقوقي سعيد الصباغ، الموظف النزيه الذي أمضى حياته بالالتزام الشديد وبالشرف الصامت وسط منظومة فاسدة. وبعد عقود من العمل الشاق وفقدان ابنته، جمع شقاء عمره ليشتري بيتا هو عبارة عن قبو في حي "المريديان" الراقي بمدينة حلب، يبحث فيه عن السكينة لشيخوخته مع زوجته وابنه.

ولكي يستكمل بقية ثمن القبو، اضطر لـتأجيره لمدة سنة طمعا في استيفاء المبلغ، ليجد أن القبو سلب منه واستولى عليه "شبيح" نافذ يدعى جعفر الأسد.

تكشف المجموعة كيف تسدد الحياة ديونها القاسية وكيف تخلف جراحا غائرة لا تندمل في نفوس البسطاء والمهمشين

تتجلى الخيبة الكبرى حين يكتشف سعيد أن القبو مبني على قسطل صرف صحي مكسور تتجمع فيه القذارة والجرذان، في مرآة تعكس واقع البنية الفاسدة التي يعيش بها. وعندما يترك جعفر البيت بسبب الرائحة والجرذان، يعود سعيد إليه ليجد نفسه محاصرا بديون وشكاوى تركها الغاصب ورجاله. وفي النهاية يدرك سعيد عبثية حلمه، فيبيع القبو بثمن زهيد، ويعود إلى بيته القديم، متخليا عن أمله الأخير في بلد لا مكان فيه للشرفاء.

سقف تحت الأرض

لا تقف المجموعة عند حدود المظالم السياسية والاجتماعية فحسب، بل تغوص في الإنساني والوجداني، حيث نقرأ في قصة "شهرزاد" ألم الفقد الإنساني الفاجع وانهيار المنظومة الطبية والخدمية التي يفترض بها حماية أرواح البشر، بينما تنقل قصة "ليلى والذئاب" مظالم الإهمال الطبي الجسيم والقاتل وتكشف زيف وهشاشة بعض العلاقات الاجتماعية والروابط التي تتهاوى عند أول اختبار حقيقي، في حين تظهر قصة "العيد الأخير" مشاعر النوستالجيا والحنين الحارق للزمن القديم وتتتبع انحسار مظاهر البراءة والروابط العائلية الأليفة أمام زحف الجفاف البيئي والتمدن الخرساني الجاف الذي يجرف في طريقه الذكريات والهويات المحلية.

تنبني المجموعة بلغة تميل إلى التكثيف وتتبع الرمزية دون التضحية بسلاسة الإيقاع، فثمار اللوز المر في قصة "الشجرة" تتحول من نبتة إلى مرآة كاشفة تعكس مرارة التوقعات والخيبات المتبادلة بين الإنسان وواقع بيئته ومجتمعه، بينما يعبر مفهوم "النصف نعل" رمزيا عن تلك الحلول الوسطية المشروخة والمؤقتة التي يجبر الفرد المقهور على اتخاذها يوميا لمجرد الاستمرار في البقاء على قيد الحياة. الأمر الذي يجعل المجموعة تكشف كيف تسدد الحياة ديونها القاسية وكيف تخلف جراحا غائرة لا تندمل في نفوس البسطاء والمهمشين الذين لا يملكون سوى ذكرياتهم.

الكتاب: موائد الأندلس - فنون المطبخ العربي من الموحدين إلى بني نصر

الكاتبة: نوال نصرالله

ترجمة: د. نسرين قدار

مراجعة: نوال نصرالله

الناشر: المركز الأكاديمي للأبحاث - العراق

يناقش كتاب "موائد الأندلس - فنون المطبخ العربي من الموحدين إلى بني نصر" تاريخ التغذية والطهي في شبه الجزيرة الإيبيرية عبر حقبة تاريخية تمتد من عصر الموحدين وحتى سقوط مملكة غرناطة في عهد بني نصر. تأتي هذه الدراسة للكاتبة نوال نصرالله في سياق توثيق تراث المطبخ العربي والإسلامي عبر دراسة وتحليل المدونات التاريخية والأدبية القديمة.

يركز الكتاب الذي ترجمته دكتورة نسرين قدار على تحول المطبخ الأندلسي إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية ترتبط بالبنية السياسية والاقتصادية للمنطقة. ويستند على الممارسات الغذائية والنصوص الطبية والفقهية التي تناولت تنظيم الأسواق وآداب المائدة في تلك العهود.

يستعرض القسم الأول في الكتاب المكونات الغذائية الأساسية التي اعتمد عليها الأندلسيون، متضمنا قائمة بالتوابل، والأعشاب، والزيوت، وأنواع اللحوم والحبوب المتاحة آنذاك. كما يشرح أساليب التحضير التقنية الشائعة في ذلك العصر، كتقنية الجمع بين الطعمين الحامض والحلو، واستخدام الفخار في الطهي البطيء، والطهي بالبخار.

يبحث الكتاب في تحولات التغذية خلال الفترات الحرجة والأزمات المتأخرة التي سبقت سقوط غرناطة

كما يتناول الكتاب البعد الطبي للمأكولات، إذ يبرز كيف خضعت أساليب تحضير الطعام لفلسفة الطب القديم القائمة على نظرية "الأخلاط الأربعة"، حيث كان ينظر إلى الوجبة الغذائية كأداة لتحقيق التوازن البيولوجي للحفاظ على الصحة أو علاج الأمراض، وإيضاح الدور الذي لعبه الأطباء في وضع حميات محددة لفئات المجتمع المختلفة.

موائد الأندلس - فنون المطبخ العربي من الموحدين إلى بني نصر

تفرد الباحثة مساحة لاستعراض التطور التاريخي لآداب المائدة والتكنيك الاجتماعي المرتبط بالضيافة. وتتتبع التطور التدريجي لنظام تقديم الأطباق تباعا ابتداء من الحساء والمقبلات وصولا إلى الحلوى، مع تحديد أنواع الأدوات وأواني الشرب المستخدمة في المجالس.

وثمة جانب تحليلي للفروق الطبقية في نمط الاستهلاك، مع توضيح الفرق بين "المطابخ السلطانية" في بلاط الموحدين وبني نصر وما تحتويه من مكونات نادرة وباهظة الثمن، وبين "المطبخ الشعبي" اليومي في المدن والأرياف. إضافة إلى ذلك يبحث الكتاب في تحولات التغذية خلال الفترات الحرجة والأزمات المتأخرة التي سبقت سقوط غرناطة، وكيف أثرت التغيرات الجغرافية والسياسية على شح بعض الموارد وتغيير مكونات الأطباق.

يتضمن الكتب صورا من منمنمات ومخطوطات قديمة لـ"تقريب الأجواء البصرية للمطبخ الأندلسي" كما تقول الكاتبة.

يرصد الكتاب البعد الأنثروبولوجي للتراث الأندلسي، وينطوي على مادة تجمع بين التاريخ الاجتماعي، والعلوم الطبية القديمة، وتاريخ الأغذية في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.

الكتاب: حلّقي أيتها البجعات البرية - أنا وأمي والصين

الكاتبة: يونغ تشانغ

ترجمة: ريم طويل

الناشر: دار الساقي للطباعة والنشر - لبنان

يعتبر كتاب "حلّقي أيتها البجعات البرية - أنا وأمي والصين" للكاتبة والمؤرخة الصينية-البريطانية يونغ تشانغ التكملة والامتداد التوثيقي المباشر لكتابها الشهير "بجعات برية" الذي حقق انتشارا عالميا واسعا، وكانت رصدت فيه التاريخ الصيني المعاصر عبر ثلاثة أجيال من نساء عائلتها.

يبدأ الكتاب من المحطة التي انتهى عندها الجزء الأول عام 1978، لحظة مغادرة الكاتبة للصين، بلدها الأم نحو المنفى، حيث تصبح الكاتبة هدفا مباشرا للملاحقة الأمنية والترهيب من قبل السلطات الصينية، وتسلط الضوء على كواليس صراعها الطويل مع آليات الرقابة والمراقبة اللصيقة التي لاحقتها حتى خارج حدود وطنها.

الكتاب الذي ترجمته ريم طويل هو نوع من السيرة التي تتوزع على مستويين متوازيين: المستوى الشخصي-الإنساني، والمستوى السياسي العام. على الصعيد الإنساني توثق الكاتبة التجربة القاسية للمنفى والقطيعة التي تتجلى في منعها الصارم من زيارة بلدها الأم أو رؤية والدتها في سنواتها الأخيرة، وصولا إلى حرمانها من وداعها الأخير وهي على فراش الموت. أما على الصعيد السياسي والاجتماعي، فيقدم الكتاب قراءة للتحولات التي شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة، حيث يستعرض صعودها كقوة اقتصادية وعالمية، بالتوازي مع ما تصفه الكاتبة بتزايد التضييق على حرية التعبير واتباع أساليب الهيمنة الفكرية والرقابية.

يظهر الكتاب الثمن الذي تدفعه الكتابة وكذلك الذاكرة في مواجهة الأنظمة الشمولية

تفرد المؤلفة، كمتابعة لعملها التوثيقي، مساحة واسعة لكواليس عملها البحثي والشهادات الشفهية التي جمعتها لتفكيك ما يقال عنه الأسطورة السياسية حول رموز الحكم في الصين. وترصد التحديات الميدانية واللوجستية الشاقة التي واجهتها أثناء جمع الوثائق التاريخية السرية، وإجراء المقابلات المعمقة مع شهود عيان وعائلات أفراد من النخبة الحاكمة السابقة، وتستعرض المخاطر الجسيمة التي أحاطت بأصحاب الشهادات والمصادر الداخلية التي بنت عليها مشروعها الذي يؤرخ للحقب المفصلية في تاريخ بلادها.

حلّقي أيتها البجعات البرية - أنا وأمي والصين

يظهر الكتاب الثمن الذي تدفعه الكتابة وكذلك الذاكرة في مواجهة الأنظمة الشمولية، فهو يكشف عن تجربة التحول إلى النقد الفكري وممارسة الكتابة التاريخية تحت تهديد الملاحقة، ويكشف كذلك التكلفة البشرية للتغيرات التاريخية العاصفة في شرق آسيا.

الكتاب: كلنا مرضى نفسيون – كيف حولتنا الثقافة العلاجية إلى ضحايا؟ وكيف نتحرر منها؟

الكاتب: إسماعيل عرفة

الناشر: عصير الكتب للنشر والتوزيع - مصر

يأتي كتاب "كلنا مرضى نفسيون" للكاتب إسماعيل عرفة في سياق النقد الاجتماعي والنفسي للمفاهيم المعاصرة، حيث يقرأ، نقديا، صعود ما يعرف بـ"الثقافة العلاجية" وتغلغلها في التفاصيل اليومية للمجتمعات العربية.

يتناول الكتاب بالدراسة والتحليل ظاهرة خروج المصطلحات النفسية المتخصصة من العيادات والمؤسسات الأكاديمية الهادئة لتتحول إلى نوع من "خطاب شعبوي" سائد على منصات التواصل الاجتماعي وفي أحاديث الناس اليومية. ويستعرض كيف أصبحت مفردات مثل "النرجسية"، و"اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه"  (ADHD)و"الصدمة"، و"الاحتراق النفسي"، مفاهيم شائعة لتفسير تصرفات البشر ومشاعرهم الطبيعية والعابرة كافة.

يتتبع الكتاب كيف تحول التعب النفسي من حالة طبيعية تتطلب الصبر والتكيف إلى "سلعة" تباع من خلال ورش العمل، والتطبيقات الإلكترونية

تظهر في الكتاب خلفية سوسيولوجية ونفسية متعددة الوجوه، إذ يرصد الكاتب كيف أسهم هذا التمدد لمفاهيم "التشخيص الذاتي" في تحويل أفراد المجتمع إلى "ضحايا مفترضين" يتنصلون من المسؤولية الفردية والأخلاقية تحت شعارات النفسية المعتلة. ويناقش دور شبكات التواصل الاجتماعي في تسويق هذه الثقافة، حيث تختزل العلاقات الإنسانية المعقدة والمشاعر الطبيعية كالحزن والغضب والتوتر في كونها اضطرابات تحتاج تشخيصا أو علاجا مستمرا.

كلنا مرضى نفسيون – كيف حولتنا الثقافة العلاجية إلى ضحايا؟ وكيف نتحرر منها؟

يخصص الباحث قسما لبحث تداعيات تراجع الأطر الاجتماعية والدينية التقليدية لصالح الخطاب النفسي التجاري، ويوضح كيف تم استبدال القواعد الأخلاقية والروابط الاجتماعية بقواعد "العافية النفسية" الفردية، وما نتج عن ذلك من هشاشة في مواجهة ضغوط الحياة وتضخم للذات.

يتطرق الكاتب إلى الجانب الاقتصادي والتجاري المحرك لهذه الظاهرة، ويشير إلى كيفية استثمار ما يسمى "صناعة المساعدة الذاتية" وكذلك بعض صناع المحتوى لتخوفات الناس وصنع احتياجات وهمية للعلاج والاستشارات الدائمة. ويتتبع كيف تحول التعب النفسي من حالة طبيعية تتطلب الصبر والتكيف إلى "سلعة" تباع من خلال ورش العمل، والتطبيقات الإلكترونية، والكتب التبسيطية التي تعد بحلول سحرية وسريعة لإشكالات الحياة المركبة.

يستكشف الكاتب سبل التحرر من هذا الاستغراق العلاجي، من خلال إعادة تلك المصطلحات إلى النطاق الطبي التخصصي والدقيق، والموازنة بين الاعتراف بالأمراض النفسية الحقيقية وبين تقبل المشاعر الإنسانية العادية وضغوطها كجزء طبيعي من التجربة البشرية.

font change