رغم مرور أربع سنوات على خسارة جايير بولسونارو للرئاسة في البرازيل، وحرمانه من الترشح مجددا مع قضائه حاليا عقوبة بالسجن لـ27 عاما بتهمة تدبير محاولة انقلاب، فإن عائلته باتت على أعتاب العودة مجددا إلى قصر بلانالتو الرئاسي. ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في 4 أكتوبر/تشرين الأول، حصل ابنه الأكبر فلافيو، عضو مجلس الشيوخ عن "الحزب الليبرالي" البالغ من العمر 45 عاما، على 56.1 مليون صوت، أي ما يعادل 47.03 في المئة من إجمالي الأصوات الصحيحة، وفقا للمحكمة الانتخابية البرازيلية. وحصل الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا على 45.16 في المئة، متأخرا بفارق 2.23 مليون صوت، ليخوض جولة إعادة مع فلافيو في 25 أكتوبر، لأن أيا من المرشحين لم يحقق الأغلبية المطلقة. وأثبتت النتيجة أن إقصاء جايير من المشهد السياسي لم يضعف حركته، التي باتت تملك مرشحا بديلا وفرصا واعدة لاستعادة الرئاسة.
استجابت الأسواق المالية بشكل لافت في الخامس من أكتوبر حيث قفز مؤشر إيبوفسبا (Ibovespa)، المؤشر القياسي للأسهم في البرازيل، بنسبة 7.7 في المئة مسجلا مستوى قياسيا بلغ 206,911 نقطة، مدفوعا بمكاسب في قطاعات البنوك، وتجار التجزئة، وشركات البناء، وشركة بتروبراس، وهي مجموعة النفط التي تسيطر عليها الدولة. ويعكس هذا الصعود ميل المستثمرين إلى التوجه الاقتصادي الذي يطرحه فلافيو، لا ثقة محسومة في نجاح برنامجه. كما أن قوته السياسية تقوم على قاعدة واسعة تجمعها أهداف مختلفة: أنصار بولسونارو يريدون تبرئة جايير، والمحافظون المسيحيون يسعون إلى كبح التحولات الثقافية، ودوائر الأعمال تنتظر تخفيف القيود التنظيمية، فيما يصوّت آخرون بدافع الرغبة في إنهاء حكم لولا. وقد نجح فلافيو في جمع هذه المصالح المتباينة داخل إطار حزبي أكثر تماسكا، يحافظ على جوهر "البولسونارية" الأيديولوجي، لكنه يعيد صياغة أسلوبها في المنافسة على السلطة.
الصراع على الخلافة
في البداية، برز أكثر من اسم لخلافة جايير. وكان أبرزهم إدواردو، الشقيق الأصغر لفلافيو وعضو مجلس النواب، الذي يتمتع بحضور أكثر جاذبية. كما طرحت ميشيل بولسونارو، زوجة جايير، بوصفها خيارا يحظى بتأييد واسع بين الإنجيليين، بينما مالت أوساط الأعمال إلى حاكم ساو باولو تارسيسيو دي فريتاس. لكن دائرة الخيارات ضاقت لاحقا. فقد رفض جايير نقل الزعامة إلى خارج العائلة، فيما انتقل إدواردو إلى الولايات المتحدة، حيث أدت محاولاته لحشد إدارة ترمب ضد المحكمة العليا البرازيلية إلى توريطه في دعاوى قضائية في بلاده. ودفعت هذه التطورات فلافيو، الابن الأكبر، إلى صدارة المشهد، بما ينسجم مع موقف رئيس "الحزب الليبرالي" فالديمار كوستانيتو، الذي قال علنا إن مرشح الحزب ينبغي أن يحمل اسم بولسونارو.
فتح اسم بولسونارو أمام فلافيو أبواب السياسة مبكرا، لكنه لم يعتمد على الاسم وحده. فمنذ دخوله الحياة العامة، راكم خبرة انتخابية تمتد لأكثر من عقدين. حيث دخل المجلس التشريعي لولاية ريو دي جانيرو وهو في الحادية والعشرين من عمره، وفاز بأربع دورات متتالية، قبل أن ينتقل إلى مجلس الشيوخ عام 2018 بعدما حصل على 31.3 في المئة من الأصوات الصحيحة. وتركز اهتمامه في بداياته على قضايا الأمن والسجون. كما منحته إدارته لفرع ريو من الحزب الذي كان ينتمي إليه والده خبرة مباشرة في العمل الحزبي والتنظيمي. وهنا يختلف مساره عن مسار جايير، الذي عرفت مسيرته بضعف الارتباط الحزبي وتوتر العلاقة مع الكونغرس. فبينما بنى الأب حضوره الوطني على المواجهة والاستعراض، اكتسب فلافيو خبرة أوسع في عمل اللجان، والتفاوض، والآليات الداخلية التي تتحول من خلالها القوة السياسية إلى قرارات وسياسات حكومية.



