منذ ظهور أولى المجلات العلمية في أوروبا عام 1665، مع صدور "جورنال دو سافان" الفرنسية و"المعاملات الفلسفية" البريطانية، أصبح النشر العلمي أحد أهم الأدوات التي تحدد مسار المعرفة البشرية. وعلى مدار أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، تطورت المجلات من وسيلة لتبادل الاكتشافات والمراسلات بين العلماء إلى مؤسسات تمتلك سلطة واسعة في تقييم الأبحاث وتحديد مكانتها وتأثيرها الدولي. ومع صعود دوريات مرموقة مثل "نيتشر" و"ساينس" في القرن التاسع عشر، تركز جانب كبير من النفوذ العلمي داخل مؤسسات نشر غربية، لم تكتف بنقل المعرفة، بل أسهمت في رسم خريطة الاعتراف بالإنجازات العلمية، وهي الهيمنة التي تسعى الصين اليوم إلى منافستها.
والآن، تدخل الصين مرحلة جديدة من المنافسة العلمية العالمية، بإطلاق مجلة "فيتا" المتخصصة في علوم الحياة والطب الحيوي، لا تستهدف فيها زيادة عدد الأبحاث المنشورة فحسب، بل بناء منظومة متكاملة لنشر المعرفة وتقييمها وتحديد الأبحاث التي تستحق الاعتراف الدولي. وتراهن بكين على التمويل الحكومي والمجلات المملوكة محليا والنشر المجاني المفتوح لمنافسة مؤسسات غربية رسخت نفوذها عبر عقود.
لم تعد المنافسة العلمية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا مقتصرة على عدد الأبحاث المنشورة، أو حجم الإنفاق على المختبرات، أو القدرة على تطوير تقنيات جديدة. فقد بدأت بكين تتحرك نحو مجال آخر لا يقل أهمية عن إنتاج المعرفة نفسها، وهو امتلاك المؤسسات والمنصات التي تتولى نشر هذه المعرفة وتقييم جودتها ومنحها الاعتراف داخل المجتمع العلمي العالمي.
ويعكس إطلاق مجلة "فيتا" المتخصصة في علوم الحياة والطب الحيوي، هذا التحول في الطموحات الصينية. فالمجلة الجديدة، التي صدر عددها المطبوع الأول في يوليو/تموز 2026، تسعى إلى منافسة أبرز الدوريات العلمية العالمية، لكنها تمثل أيضا جزءا من مشروع أوسع لبناء صناعة نشر أكاديمي صينية تمتلك القدرة على استقطاب الأبحاث المهمة من مختلف أنحاء العالم.



