معضلة أنقرة مع واشنطن

معضلة أنقرة مع واشنطن

استمع إلى المقال دقيقة

تشكل استطلاعات الرأي العام في تركيا مؤشراً ذا دلالة على البُعد "التراجيدي" في علاقة تركيا بالولايات المتحدة الأميركية. ففي وقت يجزم أغلب المستطلَعين، في استطلاع تلو الآخر، بأن "أشد المخاطر الاستراتيجية" على بلادهم تأتي من الولايات المُتحدة، أو بتوجيه وتغطية منها، فإنهم يُشددون أيضاً على ضرورة بقاء بلادهم ضمن مظلة النفوذ الأميركي ودائرة التحالف مع واشنطن، وعلى مختلف المستويات.

اضطربت علاقة الطرفين منذ نهاية الحرب الباردة. إذ فقدت تركيا جانباً من أهميتها المتأتية من استثنائية موقعها الجيوسياسي، بالنسبة إلى الولايات المتحدة ومنظومة حلف "الناتو" كلها، التي كانت تخوض مواجهة مفتوحة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي. فيما صارت التوجهات الأميركية المؤسسة على تدخلها الميداني في منطقة الشرق الأوسط أمراً مقلقاً بالنسبة إلى تركيا.

فمنذ أوائل التسعينات، كانت الحماية الأميركية للمشروع الكردي في العراق، ودعمها للثورات الديمقراطية في شرق أوروبا، وتفكيك منظومة البلقان على أساس "الحق في تقرير المصير" لمختلف شعوبه، وصولاً إلى ملف محاربة الإرهاب عن طريق احتلال الدول، وعقدها تحالفات مع جماعات أهلية ضمن الدول الإقليمية، مثل حالة أكراد سوريا، كانت كلها استراتيجيات أميركية مضادة للمصالح العليا لتركيا وما تعتبره "أسس الأمن القومي".

لكن تركيا، ومع كل ذلك، لم تفكر أبداً في الخروج من المناخ الجيوسياسي الأميركي، وإن حاولت ممارسة بعض أنواع الابتزاز السياسي، عبر تعزيز العلاقات مع روسيا أو الصين.

يكفي استعراض الاستراتيجية الأميركية الراهنة تجاه عدد من الملفات الثنائية والإقليمية للتأكد من مدى التناقض الجوهري في مصالح الطرفين، على الرغم من العلاقة الإيجابية التي تجمع الرئيس ترمب بنظيره التركي أردوغان


وفي مراحل مختلفة من هذا التاريخ الطويل، استفادت تركيا من تبدل خيارات الرؤساء واستراتيجيات الإدارات الأميركية. فقد كان كبح الرئيس بيل كلينتون لنزعة التدخل العسكري التي استخدمتها إدارة الرئيس بوش الأب مع العراق، ونزوع الرئيس أوباما لخيار الانسحاب الاستراتيجي من ملفات المنطقة، وتأمينه رعاية ودعماً خاصاً لتجارب الإسلام السياسي "المعتدلة"، واعتماد الرئيس ترمب على الروابط الشخصية في علاقات بلاده، آلياتٍ تصب في مصلحة تركيا تماماً. لكن التناقضات الأساسية في علاقة البلدين بقيت ثابتة على الدوام.

يكفي استعراض الاستراتيجية الأميركية الراهنة تجاه عدد من الملفات الثنائية والإقليمية للتأكد من مدى التناقض الجوهري في مصالح الطرفين، على الرغم من العلاقة الإيجابية التي تجمع الرئيس ترمب بنظيره التركي أردوغان.

فالولايات المتحدة ما تزال مُصرة على إنهاء ملف إيران بالقوة العسكرية في حال عدم التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات، وهو ما قد يُفضي إلى تفكك مركزية الدولة الإيرانية، وهذا تهديد استراتيجي للأمن القومي التركي. كذلك ما تزال تركيا خارج برامج التسليح الاستراتيجي الأميركي، كمشروع طائرات "إف-35" وتطوير البنية العسكرية اعتماداً على الذكاء الاصطناعي. وتغطي الولايات المتحدة التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وقبرص واليونان شرق المتوسط، المناهض تماماً لتركيا، ولا تكبح الولايات المتحدة الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سوريا، التي تستهدف الحد من نفوذ تركيا. ومثلها قضايا ومسارات أخرى، كمحاولة تسليح أكراد إيران والسماح لإسرائيل بالاعتراف وخلق علاقات ثنائية مع "دولة أرض الصومال"، التي تناهض النفوذ التركي في الصومال، وتهديدات الرئيس ترمب المتواصلة بشأن الانسحاب من حلف "الناتو"، وغير ذلك كثير.

مع كل ذلك، تبقى تركيا مندفعة نحو التحالف مع الولايات المتحدة، لمعرفتها أهمية ذلك استراتيجياً لأمنها القومي وسلامة أراضيها. ولإدراك نخبتها الحاكمة أن ثمة ما لا يمكن تجاوزه مع الولايات المتحدة، أياً كانت خيارات الأخيرة. لكن التناقضات المتأتية من ثلاثة مكونات تأسيسية باقية على حالها، كما كانت دوماً.

فتركيا ما تزال تعتبر نفسها دولة ذات أهمية استراتيجية، بسبب موقعها وإرثها السياسي المديد وقوتها العسكرية. وقبولها التحالف مع الولايات المتحدة من المفترض أن يُملي على الأخيرة أخذ مصالحها وحساسياتها في الحسبان في أي استراتيجية تتبناها، وأن لا تفعل أي شيء قد يمس أمنها القومي من خلال ما تُقدم عليه في المنطقة المحيطة بها. لا تعتبر الولايات المتحدة ذلك "حقيقة بديهية"، بل تميل لتصنيف تركيا كقوة إقليمية متوسطة الحجم، لا تستطيع تلبية متطلبات الاستراتيجية الأميركية كافة، وإن كانت حليفاً أمنياً وعسكرياً، فإن التناقضات الأيديولوجية والسياسية تمنع دوماً تحولها إلى حليف استراتيجي، على غرار إسرائيل وألمانيا واليابان.

كذلك فإن نوعية المسألة الكردية في تركيا تفرض خيارات استراتيجية إقليمية خاصة عليها. فتركيا طوال أكثر من قرن كامل، وبسبب هذه المسألة، كانت تصر على إبقاء الدول الثلاث المحيطة بها، إيران والعراق وسوريا، كدول ذات أنظمة مركزية مغلقة على مجالها الداخلي، دون أن يطرأ على هويتها الدولتية أي تغيرات جوهرية. لكن الدول الثلاث خاضت أنواعاً من المزاحمات وأشكالاً من المناهضة ضد الولايات المتحدة ونفوذها وخياراتها، ما خلق صراعات بينها وبين الولايات المتحدة، وهو ما كان يتسبب بحساسية شديدة لعلاقة تركيا مع أميركا.

أخيراً، فإن مساحة مشتركة ما جمعت تركيا بإسرائيل ضمن "العباءة الأميركية" في عقود القرن العشرين. فالطرفان كانا يناهضان مشاريع وأنظمة القومية العربية والحركات اليسارية الثورية. لكن صعود الإسلام السياسي بعد تبدد الرياح القومية واليسارية، وعودة تركيا إلى مجالها التاريخي التقليدي في منطقة الشرق الأوسط منذ أوائل الألفية الجديدة، بقيادة "حزب العدالة والتنمية" ذي الجذور الإسلامية، جعلا الطرفين يتزاحمان ويتناقضان في المساحات نفسها، ما خلق تناقضاً بين تركيا والولايات المتحدة، لأن تركيا ترى في استراتيجية الأخيرة التزاماً مستداماً بإسرائيل أكثر من تركيا، وغالباً بما لا يُقارن.

font change