لولا دا سيلفا وحدود التجديد السياسي

قدرة على الصمود في المعارك الانتخابية

المجلة
المجلة

لولا دا سيلفا وحدود التجديد السياسي

يمثل فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بالرئاسة للمرة الرابعة تجديدا لمشروع سياسي يقوم على الإدماج الاجتماعي والإصلاح عبر التفاوض والتوافق. وستكون ولايته المقبلة اختبارا لقدرة هذا المشروع على تحقيق أهدافه في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وبرلمان تعزز فيه نفوذ اليمين.

حين فاز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أضاف فصلا جديدا إلى مسيرة سياسية أُعلن مرارا أنها بلغت نهايتها. فقد تغلب على السيناتور فلافيو بولسونارو بحصوله على 51.79 في المئة من الأصوات الصحيحة، وانتزع ولاية رئاسية رابعة بعدما كان متأخرا في الجولة الأولى. وأكد فوزه مجددا قدرته على الصمود في المعارك الانتخابية، في بلد لا يزال اليمين يتمتع فيه بنفوذ مؤسسي كبير. ويتمثل التحدي الآن في تحويل أغلبيته الانتخابية إلى دعم تشريعي، في ظل وجود خصوم يتمتعون بنفوذ واسع على عمل الحكومة.

وقد أتم لولا عامه الحادي والثمانين بعد يومين من الانتخابات، وهو يحمل إلى ولايته الجديدة خبرة ثلاث ولايات رئاسية سابقة. وتقوم علاقته بالفئات البرازيلية الأكثر فقرا على الثقة بشخصه والأمل في تحسين الظروف المعيشية. ويجمع بين هذا الارتباط الشعبي والاستعداد للتفاوض مع خصومه عبر الانقسامات الأيديولوجية، انطلاقا من قناعته بأن التوافق شرط عملي لإحداث التغيير. وقد رافقت مكاسب هذا النهج وأثمانه مسيرته الطويلة، منذ انخراطه في العمل النقابي المنظم حتى وصوله إلى رئاسة البلاد.

وُلد لولا في ولاية بيرنامبوكو عام 1945، وانتقل مع أسرته في طفولته إلى ساو باولو، ضمن موجة الهجرة من شمال شرقي البرازيل بحثا عن العمل في الجنوب الصناعي. وقد أسهم الفقر الذي نشأ فيه، ومحدودية تعليمه النظامي، وتدريبه ليصبح عاملا ماهرا في صناعة المعادن، في تشكيل فهمه للارتقاء الاجتماعي من خلال العمل. وأصبحت هذه التجارب لاحقا من الأسس التي استند إليها لإثبات أهليته للقيادة السياسية. كما منحت معرفته المباشرة بأحوال معيشية لم يكن السياسيون التقليديون يعرفونها إلا من بعيد مصداقية خاصة لإصراره على أن مكافحة الجوع وانعدام الأمان والتهميش مسؤولية تستوجب تدخلا من الدولة.

وأتاح له صعوده في الحركة النقابية خلال الحكم العسكري تحويل تجربته الشخصية إلى قضية جماعية يتولى تمثيل أصحابها. فقد ربطت إضرابات أواخر السبعينات وتأسيس "حزب العمال" عام 1980 بين المطالب العمالية والنضال من أجل المشاركة الديمقراطية. وبرز لولا من خلال العلاقات التي نسجها مع العمال والمنظمين والأنصار، واكتسب خلال تلك السنوات مهارات الإصغاء والإقناع، وتعلم كيف يصوغ المظالم المشتركة بلغة سياسية قادرة على جمع الناس حولها. ومنحت الثقة التي بناها في تلك المرحلة قيادته اللاحقة أساسا أعمق من جاذبيته الشخصية.

وسبقت فوزه بالرئاسة عام 2002 ثلاث محاولات انتخابية لم يكتب لها النجاح، وهي تجربة أسهمت في تغيير الحزب الذي قاده. فقد أتاحت له شعبيته الضغط باتجاه اعتدال أكبر في البرنامج السياسي وتوسيع التحالفات، واستقطاب ناخبين من خارج القاعدة التقليدية للحزب. لكن التكيف مع هذه المتطلبات لم يجر على نحو متجانس، إذ ظلت تقاليده التنظيمية والالتزامات التي ورثها من مرحلة التأسيس تؤثر في خياراته. وفي خضم هذه التوترات تبلورت برغماتية لولا، مع ما اقتضاه توسيع قاعدته الانتخابية من تعديلات في نهج حزب بقيت هويته متجذرة في مشروع للتغيير الاجتماعي.

وُلد لولا في ولاية بيرنامبوكو عام 1945، وانتقل مع أسرته في طفولته إلى ساو باولو، ضمن موجة الهجرة من شمال شرقي البرازيل بحثا عن العمل في الجنوب الصناعي

إعادة التوزيع عبر التوافق

سعى لولا، خلال ولايتيه الرئاسيتين الأوليين بين عامي 2003 و2010، إلى الموازنة بين الاستقرار الاقتصادي والطموحات الاجتماعية التي حملها "حزب العمال" إلى السلطة. فعزز المساعدات التي يقدمها برنامج "بولسا فاميليا"، ووسع نطاقه ليشمل مزيدا من الأسر منخفضة الدخل، مقابل استيفاء شروط من بينها انتظام الأطفال في المدارس وتلقيهم اللقاحات. وأسهم رفع الحد الأدنى للأجور وتحسن القدرة الشرائية في ترسيخ ارتباط رئاسته بتحسن الأوضاع المعيشية. وأتاح ذلك لفئات طالما حُرمت من الفرص أن ترى احتياجاتها معترفا بها، وأن تجد في تلبيتها مسؤولية أصيلة من مسؤوليات الدولة.

واتضحت الأهمية الانتخابية لهذه المكاسب بصورة أكبر عام 2006، حين اتسع تأييد لولا بين الناخبين الأقل دخلا، فيما ابتعدت عنه قطاعات من الطبقة الوسطى. فقد وجدت الأسر الأكثر هشاشة اقتصاديا في سياسات حكومته قدرا أكبر من الأمان، من دون الاضطرابات التي كانت تخشى أن تصاحب التغيير.

رويترز
لولا دا سيلفا، يحيي أنصاره خارج أحد مراكز الاقتراع عقب الإدلاء بصوته في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، في ساو برناردو دو كامبو بالبرازيل، 25 أكتوبر 2026

وعلى هذه العلاقة قامت ظاهرة "اللولية" (Lulism)، وهي مشروع سياسي يجمع بين الحد من الفقر والحفاظ على الاستقرار ومراعاة مصالح القوى الراسخة. وقد أبطأ طابعه التدريجي وتيرة التغيير البنيوي، لكنه أبقى احتمال المطالبة بإصلاحات أعمق قائما، كلما ازداد شعور الفئات الفقيرة بالأمان الاقتصادي.

ومنذ عودته إلى الرئاسة عام 2023، أعاد لولا برنامج "بولسا فاميليا" إلى العمل، ودعم زيادات في الحد الأدنى للأجور تتجاوز معدل التضخم، إلى جانب إحياء السياسة الصناعية. وتوجه مبادرة "الصناعة البرازيلية الجديدة" التمويل العام نحو التصنيع والابتكار وتعزيز القدرات الإنتاجية، انسجاما مع قناعته بأن للدولة دورا في تحديد مسار التنمية الاقتصادية.

ويعزو البنك الدولي التراجع الأخير في معدلات الفقر إلى تحسن سوق العمل وارتفاع الدخل وزيادة التحويلات الاجتماعية. لكن استمرار التفاوت يكشف حجم المهمة التي لم تكتمل بعد، وهي تحويل التحسن المالي الذي شهدته الأسر إلى فرص دائمة للحصول على التعليم والخدمات الفعالة والعمل المستقر.

سعى لولا، خلال ولايتيه الرئاسيتين الأوليين بين عامي 2003 و2010، إلى الموازنة بين الاستقرار الاقتصادي والطموحات الاجتماعية التي حملها "حزب العمال" إلى السلطة

جاءت استعادة لولا قدرته على مواصلة مشروعه لإعادة توزيع الدخل بعد محاكمات هددت بإنهاء حياته السياسية. فقد سُجن إثر إدانته بالفساد وغسل الأموال في قضايا انبثقت عن تحقيقات "لافا جاتو"، المتعلقة برشى ارتبطت بشركة النفط الحكومية "بتروبراس". ونفى ارتكاب أي مخالفات، مؤكدا أن الملاحقات القضائية كانت مدفوعة باعتبارات سياسية.

وحرمته تلك الإدانات من خوض الانتخابات الرئاسية عام 2018، قبل أن تبطل المحكمة العليا الأحكام عام 2021 لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي، وتعيد إليه حقوقه السياسية. وفي مسار قضائي منفصل، أيدت المحكمة حكما خلص إلى أن القاضي سيرجيو مورو، الذي أدان لولا في قضية تتعلق بشقة ساحلية، تصرف بتحيز.

عززت هذه التجارب صورة لولا في الرأي العام باعتباره سياسيا قادرا على الصمود أمام المحن. غير أن بقاءه في الحياة السياسية اعتمد أيضا على شبكات تنظيمية حافظت على تماسكها رغم الهزائم. فقد أبقت الجذور المؤسسية لـ"حزب العمال" روابطه السياسية والاجتماعية قائمة خلال السنوات التي تعذر فيها على لولا تولي منصب عام أو الترشح للرئاسة. وكان تعافيه السياسي ثمرة حركة استطاعت مواصلة التعبئة في غيابه، مؤكدة أن المؤسسات التي أسهم في بنائها ظلت ركيزة أساسية لمكانته السياسية.

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، يلوح بيده أثناء مخاطبته أنصاره عقب فوزه في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، في شارع باوليستا بمدينة ساو باولو في البرازيل، 26 أكتوبر 2026

واقتضت العودة إلى الحكم أيضا التعاون مع خصوم سابقين. ففي عام 2022، اختار لولا جيرالدو ألكمين، منافسه في الانتخابات الرئاسية عام 2006، مرشحا لمنصب نائب الرئيس. وقد وسعت هذه الشراكة التحالف المناهض لجايير بولسونارو، وطمأنت الأوساط التي كانت تخشى السياسات الاقتصادية ذات الطابع التدخلي.

وجمعت الشراكة داخل إدارة واحدة أطرافا تختلف توقعاتها وأولوياتها، الأمر الذي فرض على لولا التوفيق بين المطالب الداعية إلى إعادة توزيع الدخل والالتزامات التي تقتضي الاعتدال. وأكد احتفاظه بألكمين مرشحا لمنصب نائب الرئيس في انتخابات 2026 استمرار أهمية هذا التفاهم في مشروعه السياسي.

تفاهمات الحكم تحت الضغط

لم تزل هذه التحالفات العقبة التي يمثلها الكونغرس، بعدما عززت انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 نفوذ اليمين فيه. فعلى لولا أن يتفاوض بشأن التشريعات وأولويات الإنفاق مع سياسيين يسعون إلى زيادة نفوذهم في توزيع الموارد العامة، ويعارضون جوانب مهمة من برنامجه.

وتظل خبرته في إدارة الائتلافات رصيدا سياسيا مهماً، لكن موازين القوى داخل الكونغرس ترفع كلفة التوصل إلى اتفاقات. وقد تتيح التعيينات الحكومية وتعديل بعض السياسات ومفاوضات الموازنة إقرار تدابير محددة، وإن كان ثمن ذلك تخفيف بعض مضامين البرنامج الذي انتخبه الناخبون على أساسه.

وتضيّق الظروف الاقتصادية هامش الخيارات المتاحة أمام لولا. فإجمالي الدين العام يتجاوز 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تحد تكاليف الاقتراض المرتفعة من الاستثمار والاستهلاك. وقد تعهد الرئيس بحماية برامج الرعاية الاجتماعية والحفاظ على مكاسب الأجور، بينما يدافع فريقه الاقتصادي عن قواعد مالية ترمي إلى ضبط الإنفاق.

ويتطلب الوفاء بهذه الالتزامات قرارات صعبة بشأن توزيع أعباء التصحيح المالي. فإذا تركزت إجراءات ضبط الإنفاق على الفئات الأقل قدرة على تحملها، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قاعدته الشعبية. وهكذا يصبح توزيع الأعباء اختبارا لكفاءته في إدارة الاقتصاد ومدى وفائه لهدف إعادة توزيع الدخل الذي يقوم عليه مشروعه السياسي.

على لولا أن يوازن بين التنازلات اللازمة لممارسة الحكم والطموحات التي أوصلته إلى السلطة

ويفرض الأمن العام تحديا آخر، يتمثل في التصدي للجريمة المنظمة بفاعلية من دون تكريس الممارسات الشرطية التعسفية. ففي مايو/أيار 2026، أُطلقت مبادرة "البرازيل ضد الجريمة المنظمة"، التي تستهدف الأموال غير المشروعة، وتعزيز أمن السجون، والتحقيق في جرائم القتل، ومكافحة تهريب الأسلحة.

وتنطلق المبادرة من إدراك أن المنظمات الإجرامية تستمد قوتها من شبكاتها المالية وسيطرتها على مناطق جغرافية، الأمر الذي يستلزم تنسيقا بين السلطات الاتحادية وسلطات الولايات والبلديات، في ظل توزع المسؤوليات بينها وما يفرضه ذلك من صعوبات على التنفيذ. وبالنسبة إلى السكان، يبقى أثر الإدماج الاجتماعي محدودا في المناطق التي تقيد فيها الجماعات المسلحة حرية التنقل والوصول إلى العمل والمشاركة في الحياة العامة.

أ.ف.ب
لولا دا سيلفا وهو يعرض يديه الملطختين بالنفط، وذلك خلال زيارة لمنصة الحفر "إن إس-42" التي تجري عمليات حفر استكشافية في بئر "مورفو" في المياه العميقة قبالة ولاية أمابا، البرازيل في 17 أغسطس 2026

وتكشف السياسة البيئية عن تعارض آخر بين أولويات التنمية. فجهود لولا للحد من إزالة غابات الأمازون تتزامن مع دعمه التنقيب عن النفط قبالة الساحل بالقرب من مصب نهر الأمازون، باعتباره مصدرا محتملا للازدهار الوطني. ويتطلب التوفيق بين حماية البيئة وتطلعات توفير فرص العمل وزيادة الإيرادات تحديد المصالح التي تستحق الأولوية وحدود المخاطر المقبولة.

وفي مواجهة هذه التحديات الداخلية، سيكون على لولا أن يوازن بين التنازلات اللازمة لممارسة الحكم والطموحات التي أوصلته إلى السلطة. وسيتوقف إرثه السياسي على قدرته على تحويل الدعم السياسي الذي تستند إليه إدارته إلى تراجع ملموس في أوجه التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، التي يستمد منها مشروعه مبررات وجوده.

font change