كارولين ليفيت التي جعلت منصب "المتحدث" صعبا على من يليها

لديها من القدرات الشخصية ما يؤهلها للانطلاق في سماء السياسة دون معوقات

رويترز
رويترز
كارولين ليفيت، الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحفيين في ممر الجناح الغربي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 24 أبريل 2026

كارولين ليفيت التي جعلت منصب "المتحدث" صعبا على من يليها

"كانت شفتاها تتحرك كالبندقية الآلية"، هكذا وصف الرئيس دونالد ترمب المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، التي غادرت منصبها نهاية أغسطس/آب الماضي، من أجل رعاية طفليها الصغيرين، لتترك بصمة فريدة طبعتها بأسلوبها الصارم والجريء، بل والعنيف أحيانا، في مواجهة أساطين السلطة الرابعة، والكاميرات التي لا تغفل صغيرة أو كبيرة من تحركاتها وردود أفعالها، ودفاعها المستميت عن رئيسها، في كل أحواله.

ليفيت، التي حلت رقم 36 بين متحدثي البيت الأبيض، وأصغرهم سنا على الإطلاق، 27 عاما عند توليها، لم تكن تقوم بعمل روتيني اعتاده رواد غرفة الصحافة بالبيت الأبيض، كمجرد ناقلة لرسائل الإدارة الأميركية إلى الجمهور، بل غدت هي، في كثير من الأحيان، جزءا من القصة، ومن المعركة اليومية بين الصحافة والبيت والأبيض.

كانت ليفيت المولودة في 24 أغسطس، في نيو هامبشير عام 1997، أصغر الأبناء الثلاثة، للأبوين بوب وإرين ليفيت. وكانت عائلتها تمتلك محلا لتجارة الشاحنات المستعملة، وكشكا لبيع الآيس كريم في نيو هامبشير، بينما التحقت هي بمدرسة كاثوليكية خاصة بماساتشوسيتس في المرحلة الثانوية، وهي المرحلة التي قالت إنها غرست فيها قيما وأعرافا من بينها الإيمان والانضباط وحب العائلة، وإعلاء قيمة الخدمة العامة، إلى جانب مناهضة الإجهاض.

وحصلت ليفيت على منحة لدراسة بكالوريوس الاتصال والعلوم السياسية بكلية سانت أنسيلم، حيث أسست أول "نادٍ للإذاعيين" بها وتمكنت من خلاله من التعبير عن بعض من توجهاتها، واستهلال دفاعاتها الحماسية عن سياسات الرئيس ترمب في ولايته الأولى آنذاك. وحينها صرحت من خلال منصة هذا النادي بأن "ما يسمى بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة ليس منعا، بل حظر على سبع دول شرق أوسطية مزقتها الحروب بالفعل".

وتلقت ليفيت تدريبها في أروقة الكونغرس، قبل أن تنتقل للتدريب محررةً بمكتب البيت الأبيض لمندوبي الرئاسة الصحافيين، لتحرر خطابات ومذكرات نيابة عن الرئيس. وكثيرا ما عكست مقالاتها التي أسهمت بها في صحف أنسيلم المحلية بنيو هامبشير وجهات نظر محافظة، وهاجمت فيها الصحافة التقليدية. وتخرجت ليفيت عام 2019، لتصبح أول فرد بالعائلة يحصل على مؤهل دراسي جامعي.

وسرعان ما التحقت ليفيت بمكتب المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض، حيث عملت مساعدا للمتحدث في الفترة من 2019 إلى 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، ثم مديرا للاتصالات في الكونغرس، لنائب نيويورك الجمهوري إليس ستيفانيك، بعد هزيمة ترمب أمام جو بايدن، من 2021 إلى 2022.

وخلال هذا الفاصل تقدمت ليفيت للترشح لمجلس النواب عن الدائرة الأولى لنيو هامبشير. ورغم صغر سنها، فإنها فازت بترشيح الحزب الجمهوري، لخوض الانتخابات، أمام النائب الديمقراطي كريس باباس عام 2022، لكنها ما لبثت أن فشلت.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب ، والمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت خلال العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 25 أبريل 2026

وبدأت ليفيت العمل بعد ذلك مع مؤسسة "ماغا" (MAGA)، وهي مجموعة سياسية مستقلة تجمع تبرعات بمئات الملايين من الدولارات، لدعم أجندة ترمب والمرشحين الجمهوريين، الذين يحظون بالرضا منه، لكنها مستقلة عن اللجان السياسية للحزب الجمهوري.

ولمع نجم ليفيت خلال عملها بحملة الرئيس ترمب الرئاسية الأخيرة، حيث أبدت حماسا وتفانيا في الدفاع عن توجهاته وسياساته وتصريحاته، وهو ما لفت نظر الرئيس، الذي وجد فيها صفة الولاء التام الذي ينشده فيمن يعملون معه. فعينها ترمب متحدثة باسم حملته الرئاسية للولاية الثانية. في هذه الأثناء تمت خطبة ليفيت إلى زوجها الحالي، مقاول العقارات نيكولاس ريسيو، الذي يكبرها بنحو 32 عاما. وأنجبت منه طفلها الأول في يوليو/تموز 2024.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن ترمب تعيينها متحدثة باسم البيت الأبيض، لتبدأ مسيرة دامت 18 شهرا من المواجهة الساخنة والصدام والسجالات مع الصحافة الأميركية.

وفور اعتلائها مقعد المتحدث باسم البيت الأبيض، وضعت ليفيت قواعد العمل الخاصة بها، والتي كانت بمثابة ثورة في هيكلة غرفة الأخبار الأولى في البلاد، من حيث تحديد الصحافيين والمراسلين المسموح لهم بتغطية مؤتمراتها الصحافية، أو المجموعة المختارة للتغطية نيابة عن جموع الصحافيين، والسفر مع الرئيس، وهو القرار الذي كان من اختصاص جمعية مراسلي البيت الأبيض. وتمشيا مع حملة الرئيس على الصحافة التقليدية، التي أعلن عداءه لأغلب منافذها، خصصت ليفيت مقاعد في الغرفة لطائفة من وسائل الإعلام، المعروفة بانحيازها للجمهوريين والمدونين ومذيعي البودكاست المحافظين، وكثيرا ما منحتهم الأولوية في توجيه الأسئلة.

من خلال التقارب مع وسائل الإعلام الجديدة، استطاعت ليفيت بناء جسر جديد من التواصل مع الجمهور، عوضا عن الإعلام التقليدي، الذي يناصبه الرئيس العداء ويتهمه في كثير من المواجهات بأنه يبث "أخبارا كاذبة"

تفردت ليفيت كمتحدثة مفوهة، وأتاحت لأول مرة موطئ قدم لوسائل إعلامية غير تقليدية، بين مؤسسات إعلامية كبرى، طالما تصدرت المشهد الإعلامي على الساحة الأميركية. وأصبحت ليفيت لسان حال الرئيس، حيث تصيغ إجاباتها بمهارة، لا لإرضاء الجمهور، الذي يفترض أنها الوسيط الرسمي بينه وبين الإدارة، ولكن لإرضاء الرئيس الذي تخدمه. 

ورأى فيها بعض كبار المراسلين أن كونها أصغر متحدثة في تاريخ البيت الأبيض، يعد إنجازا في حد ذاته فضلا عن قربها الدائم من الرئيس، وثقته فيها كمستشارة له في كثير من القضايا. ومن خلال التقارب مع وسائل الإعلام الجديدة، استطاعت ليفيت بناء جسر جديد من التواصل مع الجمهور، عوضا عن الإعلام التقليدي، الذي يناصبه الرئيس العداء ويتهمه في كثير من المواجهات بأنه يبث "أخبارا كاذبة".

رويترز
كارولين ليفيت، المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 16 ديسمبر 2025

ويرى بعض آخر أنه لا يهم من المتحدث، لأن ترمب يريد ولاءً تاما وطاعة عمياء، لترديد كل مزاعمه. وحسب تصريح جين ساكي، المتحدثة باسم البيت الأبيض إبان إدارة باراك أوباما، فإن وظيفة ليفيت لم تكن توصيل المعلومة الحقيقية، أو الإجابة عن الأسئلة الصعبة، ولكن تصوير الأحداث بالصورة التي يرغبها "الكذاب الأشر" الذي يسكن البيت الأبيض. وتضيف: "فبالنسبة لهم، لا يهمهم الصحافيون، ولا المواطن الأميركي الذي يعول على هؤلاء الصحافيين في نقل الحقائق، كما أن ليفيت لم تعتبر نفسها موظفا عاما يخدم الجمهور الأميركي، بل خادمة تعمل من أجل رجل واحد، تضع مصلحته الشخصية فوق مقتضيات المنصب الذي تشغله، وهذا يعني الكذب على الناس قدر استطاعتها".

وساقت ساكي أمثلة على ما وصفته بـ"أكاذيب ليفيت"، حينما اتهمت الأخيرة من وصفتهم بـ"المختلين عقليا من أنصار أوباما، ومن المتبرعين للحزب الديمقراطي، بالعبث بالبحيرة الملحقة بنصب لينكولن التذكاري"، الذي كان ترمب قد أسند بالأمر المباشر دون مناقصات عملية تجديدها وطلاءها إلى إحدى الشركات. وتبين بعد التحقيقات التي أجرتها سلطات الأمن أن الأضرار ناجمة عن سوء المواد المستخدمة في الطلاء، ورداءة الترميم.

كما كذبت ليفيت بشأن تكلفة قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض، والتي قالت إنها لا تزيد على 300 مليون دولار، وأن الجانب الأكبر منها لن يتحمله دافعو الضرائب، بينما نقلت "واشنطن بوست"، عن مقاولين، أن التكلفة لا تقل عن 600 مليون دولار، وأن  أكثر من نصفها يأتي من جيوب دافعي الضرائب.

وكثيرا ما منحت ليفيت الأولوية في توجيه الأسئلة للمراسلين من حركة "ماغا"، والمتعاطفين مع إدارة ترمب، مما كان يتسبب في تضييع الفرصة على الصحافيين المخضرمين في توجه الأسئلة الجدية، التي ينتظر الرأي العام الإجابة عليها.  

وقالت صحيفة "يو إس إس توداي" إن "ليفيت كانت تتقاضى 200 ألف دولار سنويا من أجل الكذب على الصحافيين وإهانتهم". وأردفت: "إنها خلال فترة عملها وصفت فضيحة ملفات إبستين بأنها (هراء)، ومنحت الشرعية لأفاقين يمينيين ينتحلون صفة صحافيين، كي يشاركوا في المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض، واستخفت بحالة الاستياء التي أعرب عنها الحزبان إزاء مقطع فيديو شديد العنصرية، نشره ترمب، يُصوّر فيه عائلة أوباما على هيئة قردة، واصفةً ذلك بأنه (غضب مصطنع)".

وتبريرا لقطع إدارة ترمب المساعدات الخارجية عن الفلسطينيين، ادّعت ليفيت أن غزة تحصل على خمسين مليون دولار لشراء عوازل جنسية.

لا شك أن ليفيت لديها من القدرات الشخصية ما يؤهلها للانطلاق في سماء السياسة دون معوقات، خاصة مع صغر سنها، وما تملكه من طاقة وموارد وشعبية وعلاقات

وفي معرض دفاعها المغلوط عن التعريفات الجمركية التي أعلن عنها ترمب مطلع 2025، صرحت ليفيت بأنها بمثابة تخفيضات ضريبية على الأميركيين، وهو ما أصاب الاقتصاديين بالدوار. فثمة إجماع بين المحللين وخبراء الاقتصاد على أن التعريفات الجمركية تضاهي الزيادات الضريبية، وليس العكس، لأن المستهلك هو الذي يتحملها في شكل ارتفاع في الأسعار. وتقدر الدراسات أن هذه التعريفات التي فرضها ترمب على الحلفاء والشركاء التجاريين، كلفت الأسرة الأميركية الواحدة ما بين ألف إلى ألف وخمسمئة دولار.

وفي خضم أزمة شح البيض في الأسواق الأميركية، وزيادة أسعاره، فور تولي ترمب الرئاسة الثانية، ألقت ليفيت باللوم على إدارة الرئيس بايدن ووزارة الزراعة، مدعية أنهم وجّهوا بالقتل الجماعي لأكثر من 100 مليون دجاجة، مما تسبب في هذه الأزمة. إلا أن الحقيقة كشفت أن الأزمة نجمت عن نفوق نحو 108 ملايين دجاجة،  مع انتشار وباء إنفلونزا الطيور، الذي بدأ عام 2022، وأن الإعدام تم بسبب الفيروس، وأيضا بسبب الزيادة المفرطة في الإنتاج خلال تفشي الوباء، وهي سياسة معروفة في عالم الإنتاج الداجني، وطبّقت حتى خلال ولاية ترمب الأولى.

وتطول قائمة الأكاذيب التي رددتها ليفيت، وفندتها وسائل الإعلام الأميركية، إلا أن طلاقتها وحماسها وصرامتها في مواجهة شراسة الصحافة الأميركية تجعلها علامة فارقة في تاريخ هذا المنصب، الذي ظلت فيه لأطول فترة يشغلها متحدث في إدارة ترمب، بعد سارا هوكابي التي غادرته لتشغل منصب حاكم أركانصو حاليا. 

ومن المتوقع أن تعود ليفيت للعمل مع مؤسسة "ماغا"، وأن تصعد سلم الحزب الجمهوري السياسي سريعا، بعد أن تركت بصمة  بارزة على منصب المتحدث، الذي جعلته صعبا على من يليها.

ويأتي رحيل ليفيت من البيت الأبيض في وقت حرج بالنسبة للرئيس ترمب، الذي يواجه تدنيا غير مسبوق في شعبيته، بالتزامن مع حربه على إيران، وارتفاع أسعار الوقود وتشتت انتباهه عن أغلب القضايا التي انتخب من أجلها، وفي مقدمتها تخفيض تكاليف المعيشة، وحل مشكلة الإسكان، ووضع نظام جديد للرعاية الصحية، والنأي بالبلاد عن أي صراعات عسكرية بالخارج، والنهوض بالاقتصاد الوطني. وفي الوقت ذاته، يسعى الجمهوريون جاهدين لتجنب هزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي، المرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني.

إلا أن كثيرا من كبار مسؤولي الإدارة تناوبوا على المنبر الصحافي أثناء إجازة ليفيت، لوضع طفلتها فيفيان، والتي استمرت 40 يوما، ومن بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية رئيس مجلس الأمن القومي ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، لكنهم وجدوا أن التعامل مع الصحافة أصعب من المهام الموكلة إليهم.

ولا شك أن ليفيت لديها من القدرات الشخصية ما يؤهلها للانطلاق في سماء السياسة دون معوقات، خاصة مع صغر سنها، وما تملكه من طاقة وموارد وشعبية وعلاقات، بعد أن اطلعت على مفاتيح السلطة داخل البيت الأبيض، وأقامت شبكة اتصالات خاصة خارجه.

font change

مقالات ذات صلة