لطالما مثّلت صناعة السيارات الألمانية ركيزة الهوية الصناعية للبلاد ورمزا لكفاءتها الهندسية. ومن خلال مجموعات مثل "فولكسفاغن" و"مرسيدس-بنز" و"بي إم دبليو"، بنت ألمانيا موقعها بوصفها أكبر اقتصاد في أوروبا، مستفيدة من الطلب على السيارات الفاخرة، وقوة شبكات الموردين، وعقود من التفوق في محركات الاحتراق الداخلي.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم ضغوطا متزامنة. فالمنافسة الصينية تتصاعد، والتحول الكهربائي يعيد رسم خريطة القيمة المضافة، وتكاليف الإنتاج المحلية تحدّ من التنافسية، فيما تتراجع الأرباح وتتسع الهيكلة. وتؤكد البيانات المتاحة حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن الأزمة تتجاوز التقلبات الدورية، إذ انخفض إنتاج سيارات الركاب حسب رابطة صناعة السيارات الألمانية (VDA) ليبلغ 3.03 ملايين سيارة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بانخفاض 4 في المئة على أساس سنوي، وبمستوى يقل 15 في المئة عن عام 2019.
كما تراجعت طلبات السيارات الألمانية من الأسواق الخارجية 16 في المئة في سبتمبر/أيلول وحده. وأظهرت دراسة "إرنست آند يونغ" لنتائج أكبر 19 مجموعة سيارات عالمية في النصف الأول من 2026 أن مبيعات الشركات الألمانية في الصين تراجعت 25 في المئة، فيما انخفضت إيراداتها 2.9 في المئة. وتواجه الشركات الألمانية منافسة متزايدة في السيارات الكهربائية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلية. كما انخفضت الأرباح التشغيلية لمجموعات السيارات الألمانية بنسبة 19 في المئة في النصف الأول من 2026، إلى 13 مليار يورو، وفق "إرنست آند يونغ" وتراجعت هوامشها التشغيلية من 5.5 في المئة إلى 4.6 في المئة.
وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، حذر أوليفر بلومه، الرئيس التنفيذي لـ"فولكسفاغن"، من الضغوط الهائلة على الصناعة الأوروبية، داعيا لمرونة تنظيمية وتحسين ظروف الإنتاج. في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتفقت فرنسا وألمانيا على مقاربة مشتركة لمستقبل صناعة السيارات الأوروبية، تربط التحول المناخي بحماية القاعدة الصناعية والوظائف وتعزيز التنافسية. ودعت الدولتان إلى الجمع بين خفض الانبعاثات ومرونة تنظيمية أكبر، مع دعم الاستثمار والبحث والتطوير والإنتاج داخل أوروبا، في مسعى لمواجهة المنافسة العالمية دون التخلي عن الابتكار أو الأهداف المناخية.




