احتجاجات أوروبا... نهاية حقبة امتدت لـ500 عام؟

تبدو فرنسا الحالة الأكثر تعبيراً عن عمق هذه الأزمة

Sara Padovan
Sara Padovan

احتجاجات أوروبا... نهاية حقبة امتدت لـ500 عام؟

تكشف موجة الاحتجاجات التي تجتاح عدداً من الدول الأوروبية منذ أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، بدءا بالاحتجاجات الطلابية في فرنسا، عن أزمة تطاول النموذج الاقتصادي-السياسي الذي حكم الغرب خلال العقود الماضية، في ظل تراكم اختلالات نجمت، إلى حد بعيد، عن أولويات السياسات النيوليبرالية التي اعتمدتها الحكومات الغربية. فمن فرنسا إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان، تتعدد أشكال التعبئة وخصوصياتها الوطنية، لكن المطالب تتقاطع عند ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والطاقة، وتراجع الخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل، ولا سيما في ظل الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي بشأن مستقبل سوق العمل، وشعور "جيل زد" بالغموض وانعدام الضمانات إزاء مستقبله في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.

وتكشف مطالب الشارع عن حصيلة نموذج اقتصادي أعطى تحرير الأسواق وتعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات وضبط الإنفاق العام أولوية على إعادة توزيع الثروة وحماية التوازنات الاجتماعية، وأسهم في تركيز المكاسب الاقتصادية بيد أقلية من السكان، فيما أفقرت شرائح واسعة من المجتمع، وتحملت كلفة هذا المسار من خلال تراجع قدرتها الشرائية وتآكل ضماناتها الاجتماعية واتساع شعورها بالتهميش، في ظل عجز الحكومات عن إنتاج التسويات الاجتماعية بالأدوات نفسها التي أثبتت فشلها وأدت إلى تفاقم الأزمة.

في هذا السياق، تبدو فرنسا الحالة الأكثر تعبيراً عن عمق هذه الأزمة، بالنظر إلى اتساع الاحتجاجات وتنوع الفئات المشاركة فيها، وبالنظر أيضاً إلى طبيعة المواجهة بين السلطة والشارع. وتكتسب الأزمة الفرنسية أهمية إضافية لكون فرنسا تمثل تقليداً سياسياً واجتماعياً ارتبط تاريخياً بدور الدولة في ضمان الخدمات العامة وإعادة توزيع الموارد، كما أن الاحتجاج الجماهيري في فرنسا لطالما كان أداة لتعديل سياسات الحكومة وانتزاع التنازلات منها. وما تكشفه التطورات الفرنسية الأخيرة هو أن هذا التقليد يواجه اختباراً مزدوجاً لناحية قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب اجتماعية متزايدة، وقدرتها على الحفاظ على شرعيتها كـ"دولة اجتماعية" حين تتعامل مع التعبئة الشعبية بواسطة "استراتيجية أمنية".

أزمة الوسط و"انتهاء" التسوية الاجتماعية

في مقال بعنوان "احتضار أوروبا الليبرالية"، ربطت مجلة "ذي إيكونوميست" الاحتجاجات الفرنسية بإخفاق الحكومات الوسطية في أوروبا في التعامل مع تراجع الأجور وارتفاع الأسعار والاختلالات الاقتصادية، وباستنفاد قدرتها على تقديم حلول سياسية واقتصادية مقنعة. وذهبت إلى أن الوسط الأوروبي يدفع ثمن إخفاقاته، وأن الحيوية السياسية تنتقل بصورة متزايدة إلى أطراف الطيف الحزبي، أي اليمين المتطرف واليسار.

فالمشكلة البنيوية التي تواجهها الحكومات الغربية تتمثل في أن تيارات الوسط السياسي التي تولت إدارة التحولات الاقتصادية منذ نهاية الحرب الباردة، وتسارع العولمة وتراجع الصناعات التقليدية وتحرير الأسواق، بنت شرعيتها على وعد ضمني باستمرار النمو وتحسين مستويات المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية، حتى عندما تتراجع قدرة الدولة على التحكم في مسارات الاقتصاد. لكن الاتجاه العام تمثل في تصاعد الضغوط على الخدمات العامة، وتراجع الأمان الاقتصادي لدى فئات من الطبقة الوسطى والعمال والشباب، وفي الوقت نفسه، كرست الحكومات سياسات التقشف وخفض العجز، بينما تواجه مجتمعاتها ارتفاعاً في تكاليف الاحتياجات الأساسية.

وتظهر فرنسا هذه المعضلة بوضوح، فقد بدأت التعبئة الأخيرة من المدارس والجامعات، على خلفية نقص المدرسين وتدهور بعض الأبنية التعليمية ومشكلات التوجيه والقبول الجامعي، ثم اتسعت لتشمل القدرة الشرائية والأجور وأسعار الوقود والخدمات العامة. وتداخلت معها تحركات نقابية وعودة مجموعات مرتبطة بحركة "السترات الصفراء"، بما يعيد إلى الواجهة قضايا العدالة الاجتماعية وتوزيع الأعباء الاقتصادية التي طبعت المواجهة بين إيمانويل ماكرون والشارع الفرنسي منذ عام 2018.

مع فارق أنه كان بإمكان ماكرون، وقتذاك تخصيص مليارات اليوروهات لتهدئة المحتجين. أما الآن، فلم يعد ذلك ممكناً. إذ تنفق فرنسا أكثر مما ينبغي، فيما ينمو اقتصادها ببطء شديد، بمعدل يزيد قليلاً على واحد في المئة سنوياً في عهد ماكرون، بحسب "ذي إيكونوميست". لكن عدم تلبية مطلب الطلاب المحتجين بإنفاق 10 مليارات على القطاع التعليمي، لا يرجع وحسب إلى عدم قدرة الحكومة على الصرف الاجتماعي، بل إلى رغبتها في عدم التراجع عن نموذج التقشف وتقليص "الدولة الاجتماعية"، وهذا خط سياسي- اقتصادي يلتقي عليه الوسط الذي تمثله الحكومة الحالية واليمين المتطرف، مع كل الحمولات الديموغرافية الذي تعطى له.

تواجه الحكومة الفرنسية معادلة يصعب حلها أمنياً، فالتشدد إزاء الاحتجاجات لا يعالج أسباب الغضب، فيما يتطلب احتواء الحراك الاجتماعي موارد مالية وتوافقات سياسية يصعب تأمينها

وقد عكست الإجراءات التي أعلنتها حكومة سيباستيان لوكورنو في 26 أكتوبر/تشرين الأول حدود قدرتها على احتواء التعبئة الطلابية من خلال تنازلات جزئية. فبينما تعهدت بإضافة 15 ألف مقعد إلى التعليم العالي، وتحسين آليات القبول الجامعي، والتراجع عن إلغاء 836 وظيفة في التعليم الثانوي، وإضافة 500 وظيفة تدريسية، اعتبرت منظمات طلابية أن هذه الخطوات لا تتناسب مع حجم المطالب، ولا سيما أن تنفيذ جانب منها مرتبط بموازنات السنوات المقبلة. ويبرز الفارق بين عرض الحكومة ومطالب الطلاب في مسألة المقاعد الجامعية تحديداً، إذ تطالب المنظمات بتوفير نحو 250 ألف مقعد إضافي. ولم تعلن المنظمات موافقتها على إنهاء الاحتجاجات، مؤكدة أن التنازلات المعلنة تمثل بداية تفاوض لا تسوية نهائية. ويكشف ذلك كله  أن تقديم تنازلات محدودة لا يكفي بالضرورة لاحتواء الحركة الاجتماعية التي تشكك أساسا في قدرة الدولة على ضمان المستقبل. 
وتواجه الحكومة الفرنسية، في المقابل، مأزقاً مالياً وبرلمانياً يحد من قدرتها على تقديم تنازلات واسعة للقطاعات الاجتماعية المنتفضة، إذ إن الاستجابة للمطالب الاجتماعية تحتاج إلى موارد إضافية وإلى تسويات سياسية لا يبدو تأمينها سهلاً، بعدما أظهرت مناقشات موازنة 2027 والانقسامات حول تمويل الضمان الاجتماعي مدى صعوبة إنتاج توافق سياسي يتيح البت في أساسيات التسوية الاجتماعية المطلوبة. 
وفي هذا السياق، لا يبدو التحذير من "خريف اجتماعي طويل"، مرتبطا باستمرار المظاهرات وحدها، وإنما بتصلب التقاء التحركات الطلابية والنقابية والاعتراضات على غلاء المعيشة في مواجهة واحدة، بالتزامن مع الصراع على موازنة 2027. وتكتسب التحركات المرتقبة في 31 أكتوبر/تشرين الأول و5 نوفمبر/تشرين الثاني أهمية خاصة في تحديد نسبة وكيفية شمول التعبئة مجمل القطاعات الاجتماعية. وتواجه الحكومة، تبعاً لذلك، معادلة يصعب حلها أمنياً، فالتشدد في تنظيم التظاهر لا يعالج أسباب الغضب، فيما يتطلب احتواء الحراك الاجتماعي موارد مالية وتوافقات سياسية يصعب تأمينها. وإذا كانت الحكومة الفرنسية قد بالغت في تظهير الجانب الأمني لتظاهرة 17 أكتوبر، من خلال التركيز على أعمال التخريب والنهب، على حساب تلبية مطالب المحتجين السلميين، فإن سلمية تظاهرة 24 أكتوبر وضعت السلطة وجها لوجه أمام تلك المطالب بحيث لم يعد ممكنا لها تقديم اعتبار الأمن والنظام العام، وذلك بالرغم من "التشكيك" بالأداء الأمني في تظاهرة 17 أكتوبر.
لكن المعضلة الفرنسية الراهنة لا تنحصر في ضيق الموارد التي تتيح للحكومة احتواء الحركة الاجتماعية، إذ تؤشر إلى تحول ضمن النظم النيوليبرالية، نحو توسيع الأدوات السلطوية والأمنية عندما تصطدم بعواقبها الاجتماعية؛ ذلك على قاعدة أن الدولة التي تضعف قدرتها على تقديم المنافع العامة تجد نفسها أمام احتجاجات يصعب احتواؤها بالتسويات المالية التقليدية، فتستعين بتقييد المجال العام وتشديد الرقابة وفرض شروط أكثر صرامة على التظاهر. وكلما اتسعت الفجوة بين القدرة على "ضبط" الشارع والقدرة على الاستجابة لمطالبه، أصبحت الدولة أكثر اعتماداً على أدوات الإكراه وأقل قدرة على إنتاج التسويات التي تمكنها من الدفاع عن "نموذجها الديمقراطي".

أ.ف.ب
محتجون يواجهون عناصر قوات الأمن الجمهوري الفرنسية خلال مظاهرة للمطالبة بتحسين القدرة الشرائية وتحقيق العدالة الضريبية والاجتماعية، في مرسيليا، فرنسا، 24 أكتوبر 2026

وتظهر المواجهة بين الحكومة، وأحزاب الوسط، واليمين المتطرف من جهة، وبين حزب "فرنسا الأبية"، بقيادة جان لوك ميلانشون، جانباً سياسياً من هذا التحول، إذ اتهم الأخير بتأجيج التوتر والتحريض على العنف في تظاهرة 17 أكتوبر، بينما رفضت المدعية العامة في باريس، لور بيكو، تأكيد الاتهامات التي حمّلت "فرنسا الأبية" مسؤولية تلك الأحداث. وفي تحقيق نشره موقع "ميديابارت" في 19 أكتوبر، وردت اتهامات بمحاولة توجيه عمل أجهزة الاستخبارات نحو تحميل "فرنسا الأبية" المسؤولية عن أعمال العنف، وهذا كله يطرح أسئلة عن مخاطر توسيع المقاربة الأمنية- التي يستثمر فيها حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف والذي أطلق معركته الأحد الماضي لإيصال رئيسته السابقة مارين لوبان إلى قصر الإيليزيه- للحكومة لتشمل المنافسة الحزبية و"تحييد" الخصوم السياسيين.
في هذا المناخ، أعادت جريمة القتل العنصرية التي شهدتها ضاحيتين غرب باريس، في 23 أكتوبر، طرح مسألة العلاقة بين الخطاب السياسي والإعلامي والعنف ضد الأقليات العرقية والدينية. فقد قتل رجل يميني متطرف يبلغ 39 عاماً شاباً فرنسياً من أصول كونغولية وأصاب خمسة أشخاص آخرين، بعدما أفاد بأنه أراد الانتقام لأعمال النهب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، مستهدفاً أشخاصاً من ذوي البشرة السوداء والعرب. وقد أتت الجريمة في سياق خطاب إعلامي وسياسي يربط أعمال التخريب والنهب باليسار والمهاجرين.

معضلة الإنفاق الدفاعي

من جانب آخر، يتصل مأزق الحكومات الأوروبية مباشرة بالنقاش حول الإنفاق الدفاعي الأوروبي، فالضغوط الأميركية المتواصلة لزيادة الدول الأوروبية مساهماتها في "الناتو"، في ظل محاولة دونالد ترمب تعديل العقد الأمني مع أوروبا، ولاسيما في لحظة تقاطع المصالح بينه وبين فلاديمير بوتين، تأتي في لحظة تواجه فيها هذه الدول مطالب اجتماعية متزايدة وسط أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة. وتصبح المسألة أكثر تعقيداً حين يُطرح رفع الإنفاق العسكري باعتباره التزاماً استراتيجياً عاجلاً في مواجهة روسيا، في مقابل مطالب المواطنين بزيادة الإنفاق على التعليم والصحة والسكن وتحسين الأجور.

يقدم فوز لولا دا سيلفا في البرازيل على "اليمين البولسوناري"، إلى جانب فوز اللائحة الطلابية في انتخابات صربيا، مؤشرات إلى إمكان تشكّل ديناميات سياسية حول العالم تتحدى صعود اليمين القومي المتطرف

وقد ظهرت هذه المفارقة في الاحتجاجات الإيطالية، حيث تداخلت المطالب النقابية بزيادة الأجور والإنفاق على الصحة والتعليم مع الاعتراض على توجيه مزيد من الموارد إلى التسلح. وهي دلالة على أن النقاش بشأن الأمن أصبح جزءاً من الصراع على النموذج الاجتماعي الأوروبي، أي ما الذي ينبغي للدولة أن تموله أولاً، وأي فئات تتحمل تكلفة الخيارات التي تتخذها؟

ترمب وبوتين واليمين الأوروبي

تضيف إدارة دونالد ترمب بُعداً آخر إلى الأزمة الأوروبية، من خلال توظيف الاحتجاجات والاضطرابات الفرنسية لتقديم النموذج الأوروبي باعتباره نتيجة لخيارات سياسية خاطئة، تتقدمها سياسات الهجرة والتساهل الأمني والابتعاد عن "القيم القومية". من ذلك قول ترمب فرنسا إن المهاجرين "استولوا على فرنسا"، محذراً من أن باريس قد تصبح "مدينة مسلمة" قريباً. ولم يقتصر خطابه على فرنسا، بل امتد إلى بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، في محاولة لتقديم الاضطرابات باعتبارها دليلاً على أزمة أوروبية أوسع، سببها، وفق تفسيره، الهجرة وفشل السياسات الليبرالية واليسارية.

يكشف هذا الخطاب عن توظيف سياسي للأزمة، إذ يستخدم ترمب الاحتجاجات الفرنسية لمهاجمة النموذج الاجتماعي الأوروبي، والتشكيك في إمكان الجمع بين دولة الرعاية والازدهار الاقتصادي. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تصبح فرنسا مثالاً تحذيرياً في معركته ضد الديمقراطيين، فيما يتيح له التركيز على الأمن والحدود والإنفاق الاجتماعي تقديم سياساته "المحافظة" بوصفها بديلاً عن نموذج "ليبرالي" فقد قدرته على حماية مجتمعاته.

ويتجاوز هذا التوظيف حدود الصراع الأميركي الداخلي، ليتقاطع مع صعود اليمين القومي الأوروبي، الذي وجد في خطاب ترمب دعماً سياسياً لمواقفه من الهجرة والسيادة الوطنية. وقد عبّر نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن هذا الاتجاه في انتقاداته للسياسات الأوروبية، فيما أبدى ترمب تعاطفاً مع مارين لوبان، معتبراً أنها تعرضت لمعاملة غير عادلة وتمثل الصوت المحافظ، وإن لم يعلن تأييدا رسميا لترشيحها. ويعكس ذلك انتقال العلاقة بين واشنطن وأحزاب اليمين الأوروبي من التقارب الفكري إلى تقاطع سياسي علني، في مواجهة المؤسسات الأوروبية والأفكار المعولمة التي يحمّلها اليمين القومي مسؤولية تراجع السيادة الوطنية.

هنا يبرز عنوان التقاطع بين ترمب وفلاديمير بوتين في السعي إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي، وإن اختلفت دوافعهما وأدواتهما؛ فكلاهما يستفيد سياسياً من تصاعد النزعات القومية ومن تراجع الثقة بالأحزاب الوسطية التي حملت المشروع الأوروبي. ومع تزامن الاستحقاقات الانتخابية في أوروبا والولايات المتحدة، تتداخل قضايا الهجرة والأمن والإنفاق الاجتماعي والسيادة الوطنية في معركة تتجاوز حدود كل دولة. وقد تتحول الاحتجاجات، التي تعكس أزمة اجتماعية وثقة متآكلة بالمؤسسات، إلى مادة تستثمرها القوى القومية ضد الوسط واليسار، بما يضع الاتحاد الأوروبي أمام ضغط مزدوج، غضب داخلي يصعب احتواؤه، ودعم خارجي لقوى تسعى إلى تقليص صلاحيات مؤسساته.

أ.ف.ب
أنصار الحركة الطلابية في صربيا في تجمع لحملة القائمة الانتخابية المدعومة من الطلاب، وسط بلغراد، صربيا، في 22 أكتوبر 2026

صربيا: سؤال التغيير والتموضع الجيوسياسي

تقدم صربيا صورة مختلفة للأزمة في بلدان أوروبا الغربية، لكنها تلتقي معها عند مسألة الثقة بالدولة ومساءلة السلطة. فمساء الأحد 25 أكتوبر دخلت صربيا مرحلة سياسية جديدة بعد إقرار الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية أمام القائمة المدعومة من الحركة الطلابية. وتكمن أهمية هذا التطور في أن الاحتجاجات التي بدأت عقب كارثة في محطة للسكك الحديدية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تحولت، خلال نحو عامين، إلى حركة وطنية واسعة تمكنت من تحدي الحزب الذي هيمن على السلطة منذ عام 2012.
وتكشف التجربة الصربية عن مسار يستحق المتابعة في أوروبا، وهو كيف يمكن لحركة احتجاجية يقودها طلاب، من دون زعيم سياسي واحد أو برنامج أيديولوجي متكامل، أن تجمع فئات اجتماعية مختلفة حول قضية مشتركة، ثم تنتقل من الشارع إلى إنتاج السلطة.
وتكتسب الاحتجاجات الطلابية في صربيا دلالة سياسية إضافية في مواجهة ألكسندر فوتشيتش، الذي أبدى إعجاباً بترمب وسعى إلى توثيق العلاقات مع دائرته، معتمداً في الوقت نفسه سياسة موازنة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. ولذلك يضع أي تحول سياسي داخلي بلغراد أمام أسئلة لا تتعلق وحسب باستقلال القضاء والإعلام ومكافحة الفساد، لكنها تمتد أيضاً إلى السياسة الخارجية والعلاقة ببروكسل.
وفي سياق أوسع، يقدم فوز لولا دا سيلفا في البرازيل على "اليمين البولسوناري"، إلى جانب فوز اللائحة الطلابية في انتخابات صربيا، مؤشرات إلى إمكان تشكّل ديناميات سياسية حول العالم تتحدى صعود اليمين القومي المتطرف وتمنح الحركات الاجتماعية واليسار الأوروبي مساحة أوسع للتحرك والتشبيك.

فيما تتراجع قدرة النموذج الاقتصادي الغربي على إنتاج الاستقرار الاجتماعي، وتتقدم قوى دولية جديدة للمنافسة على النفوذ، تبدو الاحتجاجات الأوروبية جزءاً من أزمة أوسع تطال الأسس الاقتصادية والسياسية التي استندت إليها الهيمنة الغربية

نهاية حقبة

تكتسب مقولة الاقتصادي الأميركي جيفري ساكس عن "الشهقة الأخيرة لعالم يقوده الغرب" دلالة تتجاوز الأزمة الأوروبية الراهنة، إذ تضعها في سياق أفول حقبة تاريخية امتدت نحو خمسة قرون، منذ صعود الهيمنة الغربية على الاقتصاد والسياسة العالميين، في إحالة إلى ما كتبه آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم" عام 1776 عن اكتشاف أميركا والطريق البحري إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح، وما أحدثه هذان الحدثان من تحولات في موازين الثروة والتجارة العالمية. 
وفيما تتراجع قدرة النموذج الاقتصادي الغربي على إنتاج الاستقرار الاجتماعي، وتتقدم قوى دولية جديدة للمنافسة على النفوذ، تبدو الاحتجاجات الأوروبية جزءاً من أزمة أوسع تطال الأسس الاقتصادية والسياسية التي استندت إليها الهيمنة الغربية، وتطرح سؤالاً عن شكل النظام الذي سيحل محلها.
وتفتح هذه الأزمة المجال أمام مسارين متنافسين. الأول يقوم على إعادة بناء العقد الاجتماعي من خلال مراجعة أولويات الإنفاق، وتحسين الخدمات العامة، وتوزيع أكثر عدالة للأعباء الاقتصادية، وإعادة الاعتبار إلى التفاوض السياسي والنقابي. والثاني يتجه إلى إدارة التوتر الاجتماعي بأدوات أمنية، مع ترك المجال مفتوحاً أمام قوى قومية وشعبوية يمينية متطرفة تقدم الهجرة والسيادة والهوية باعتبارها مفاتيح تفسير الأزمة وحلها.
ولا يضمن اتساع الاحتجاجات انتصار المسار الأول، كما أن تراجع الوسط لا يعني تلقائياً أن اليمين المتطرف سيحتكر البديل. 
وفي المحصلة، إذا كانت الاحتجاجات الفرنسية قد شكّلت نموذجاً ملهماً لإعادة إنتاج الشارع كقوة قادرة على فرض الأزمة الاجتماعية في قلب النقاش السياسي الأوروبي، فإن التجربة الصربية تطرح احتمالاً آخر يتصل بقدرة الحركات الاجتماعية على تجاوز لحظة الاحتجاج والتحول إلى قوة سياسية، قادرة على إعادة تشكيل السلطة. قد تصبح التجربة الصربية، في هذا المعنى، مصدر إلهام لحركات الاحتجاج الأوروبية عشية الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ولا سيما في فرنسا 2027.

font change

مقالات ذات صلة