عن عبلة كامل... خالتنا العادية المدهشة

الممثلة التي ازداد حضورها بعد اعتزالها

Abla kamel- facebook
Abla kamel- facebook

عن عبلة كامل... خالتنا العادية المدهشة

أم مضحية، عاشقة ولهانة مطاردة، جارة مشاكسة محبوبة، صديقة سيئة الحظ، امرأة حمولة صبورة، خالة لا يحتمل غيابها... هي عبلة كامل، الفنانة المدهشة، والعادية جدا، موهبة بلا ضفاف، كما وصفها الفنان يحيى الفخراني.

منذ مسلسل "سلسال الدم" الجزء الخامس، آخر أعمالها في 2018، غابت عن الشاشة، لكن حضورها لم ينقص، بل زاد. تردد اسمها تارة في شائعات من بعض المواقع الصحافية رغبة في جذب الانتباه، وتارة بحفاوة من جمهورها على مواقع التواصل الاجتماعي.

أحب الجمهور عبلة، لتقديمها شخصيات درامية مألوفة بشكل أوضح مما عايشوه في حياتهم اليومية. يقول أرسطو في "فن الشعر" إن لذة الفن في التعرف، نرى فنقول "هذه هي"، وهو ما بدا في أدوارها: الأم الصبورة (لن أعيش في جلباب أبي)، والعاشقة الولهانة (هستيريا)، والأخت المضحية (عفاريت السيالة)، والصوفية الدرويشة (حديث الصباح والمساء)، والمرأة الصعيدية (سلسال الدم)، والشعبوية المحبوبة (اللمبي). هذه الشخصيات لم تبق أدوارا على الشاشة، بل أكسبتها ألفة في بيوت جمهورها.

يرى الفرنسي غاستون باشلار في كتابه "شعرية المكان" أن البيت ليس جدرانا، بل مكان للألفة والذكرى والحلم، لذا بقيت عبلة ركنا من هذا البيت المتخيل.

بوابة المسرح

بدأت عبلة كامل، مصادفة، مسيرتها على خشبة المسرح في السنة الأولى بكلية الآداب جامعة القاهرة، إذ طلبت منها زميلاتها المشاركة بجملة "يا للمسيح" في عرض مسرحي أخرجه حسن عبد الحميد. قالت في آخر حوارتها المتلفزة مع عماد الدين أديب: "كلهم كانوا متعاليين على الجملة، قلت، ما المشكلة؟، وقتها لم يخطر في بالي أبدا أن أكون ممثلة".

كنت محظوظة في بداية احترافي، بأن أكون مع يوسف شاهين في فيلم "الوداع يا بونابرت"، وأنا طالبة في الجامعة، وبعدها قررت أن يكون التمثيل مهنتي

في السنة الثانية بالجامعة قدمت مع حسن عبد الحميد "ساحرات سالم" لآرثر ميلر، ثم "تاجر البندقية" لشكسبير مع فهمي الخولي وحصلت على المركز الأول في مسابقة على مستوى الجامعات.

 أسس المخرج المسرحي حسن الجريتلي بعد عودته من فرنسا فرقة "الورشة" كأول فرقة مسرحية مستقلة، وكان ضمن أعضائها عبلة كامل. قالت في حوار لمجلة "صباح الخير" في 1990: "بدأنا خمسة أفراد، ثم أصبحنا خمسة وأربعين شخصا، وقدمنا عرض 'داير ما يدور'  في مهرجان أفينيون بباريس، فالورشة مكان لا يفرض علينا فيه أي شيء، حتى اختيارنا لأنفسنا ليس فيه قيد، ونقوم باختبارات إعداد ممثل، وذلك لا يوجد في أي مكان".

شاركت مع "الورشة" في مونودراما "نوبة صحيان"، إخراج حسن الجريتلي بـ"مسرح الطليعة"، لتلفت نظر المخرج يوسف شاهين، قالت: "كنت محظوظة في بداية احترافي، بأن أكون معه في فيلم 'الوداع يا بونابرت' (1985)، وأنا طالبة في الجامعة، وبعدها قررت أن يكون التمثيل مهنتي".

ملصق "الوداع يا بونابرت"

 مثلت نصيحة شاهين نقطة تحول في أدائها التمثيلي، تخففت من الأداء المسرحي، قالت: "طلب مني ألا أمثل، بل أن أعيش الشخصية بتلقائية أمام الكاميرا، وهو ما تبعته بعدها، ثم تعلمت من المخرج إسماعيل عبد الحافظ الوقوف أمام كاميرا الفيديو وكسر رهبتي منها، وصبر علي، واستوعب موهبتي".

في العام 1985 أيضا، شاركت في مسلسل "الشهد والدموع" من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج إسماعيل عبد الحافظ، وأثناء التصوير رشحها الفنان محمود الجندي للسيناريست بشير الديك في "الطوفان" وهو أول فيلم يخرجه، وحصلت عنه على جائزة أحسن ممثلة مساعدة من "جمعية الفيلم"، وتوجت بجائزة من الجمعية المصرية لفن السينما عن دورها في فيلم "للحب قصة أخيرة" (1986)، كتابة وإخراج رأفت الميهي. 

ترحاب نقدي وحفاوة جماهيرية

حالف الحظ عبلة كامل، إذ شاركت في سنواتها الأولى مع مخرجين وكتاب قدموا أعمالا خالدة في ذاكرة الجمهور، في التلفزيون والسينما والمسرح، من شاهين إلى رأفت الميهي وإسماعيل عبد الحافظ ومحمد صبحي وداود عبد السيد ويسري نصر الله وإنعام محمد علي وخيري بشارة. قالت في حوار مع مجلة "المصور" في 1989: "أعتبر نفسي أكثر بنات جيلي حظا".  

ترى عبلة أن الفن يمكنه تغيير المجتمع ويؤثر في الناس مثلما تؤثر وزارة الصحة، قالت: "الاثنان مهمتهما ليس الربح، ومع ذلك السينما يمكن أن تحقق إيرادات بحسن التخطيط، لكنه ليس هدفها الوحيد، فلا نريد أن نسمع نغمة خسارة القطاع العام ملايين، أرفض هذا الكلام، بسببه أصبح لدينا سينما عبقرية، في طفولتي رأيت أفلام القطاع العام المتميزة على التلفزيون، وكان لها هدف خطير وعظيم".

سبق الحفاوة الجماهيرية الواسعة ترحاب نقدي مشجع، اعترفت في حوار مع مجلة "آخر ساعة" في 1999: "النقاد أعطوني أكثر مما كنت أتوقع الى درجة أن الناس عرفوني في وقت قصير".

تعد مشاهدها مع نور الشريف في "لن أعيش في جلباب أبي" بين الأكثر تداولا لها على التواصل الاجتماعي، حتى بين جيل لم يكن قد ولد بعد وقت عرض المسلسل

لم تختر إلا الأدوار القريبة من شخصيتها ومن ذائقة الجمهور، سواء كانت بطولة أو مشهدا، وهو ما أكدته في حوارها مع صحيفة "الأحرار" في 1999: "مستعدة لأي دور، شرط قناعتي به، رفضت بطولات كثيرة مطلقة في أعمال لا تقدم شيئا، المهم عندي ما يصل للناس، حكاية من لحم ودم تخص زمننا وتهمنا وتمسنا".

ملصق "لن أعيش في جلباب أبي"

روت أنها تشبه شخصية "فاطمة" في "لن أعيش في جلباب أبي"، قالت: "بعمل مع بناتي نفس ما كنت أعمله في مشاهدي مع عبد الوهاب في المسلسل، من ناحية الاهتمام بالملابس الثقيلة في البرد والأكل، ولو واحدة فيهم مرضت أبقى مش عاوزة حاجة من حياتي، قلبي يتقطع".

في أعمالها الدرامية قدمت أدوارا نمطية لطبيعة التلفزيون الذي يدخل كل البيوت ويشاهده مختلف الأعمار، أما في السينما فقدمت أدوارا متنوعة بأسلوبها ورؤيتها الخاصين: فتاة ليل في "سارق الفرح"، ومدربة رقص مصابة بشلل أطفال في "مرسيدس"، وزوجة متسلطة في "للحب قصة أخيرة".

في منتصف التسعينات جسدت شخصية "نوال" في "سارق الفرح" إخراج داود عبد السيد، وهو ما كان مغايرا لطبيعة أدوارها آنذاك، قالت في حوارها مع أديب: "خشيت المشاهد الحسية، فاتفقنا أن يكون غير تقليدي، فليس مهما أو ضروريا أن يراها الجمهور وهي تمارس مهنتها، وكنت سأفشل إذا قدمته من هذه الزاوية".

أما مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" (1996)، تأليف مصطفى محرم وأحمد توفيق، فحقق لها طفرة جماهيرية واسعة لا تزال حية، إذ تعد مشاهدها مع نور الشريف بين الأكثر تداولا لها على التواصل الاجتماعي، حتى بين جيل لم يكن قد ولد بعد وقت عرض المسلسل. وبلغت شهرة كامل ذروتها مع أجيال جديدة بداية الألفية مع "اللمبي" بشخصية "خالتي فرنسا"، وفي 2005 برعت في شخصية "ريا" في المسلسل الشهير "ريا وسكينة"، من تأليف مصطفى محرم وإخراج جمال عبد الحميد، لتصبح بهذه الأدوار المتنوعة جزءا من الذاكرة اليومية لدى الجمهور.

 AMRO MARAGHI / AFP
الممثلان المصريان سامي العدل (يسارا) وعبلة كامل، بملابس شخصيتي عبد العال وريا في مسلسل "ريا وسكينة"

دمعتها عزيزة

رغم حصرها أحيانا في الميلودراما، فإنها تفضل الكوميديا. دمعتها عزيزة، تقول: "مهما حدث لا تسقط دمعة واحدة من عيني، المشكلات إما أكبر أو أتفه من أن تبكيني حتى وإن كان الموت".

رغم ذلك، لم تنس مرة بكت فيها على رحيل جمال عبد الناصر، روت: "جيلي كله كان بيقول بابا جمال، لم تكن مجرد كلمة، كنا نحسها، عندما كنا نجد إحدانا سعيدة، نقول: هو أنت يعني باباكي جمال عبد الناصر؟ وحتى في لحظات التحدي: لو باباكي جمال أعملي كذا، وفي مرة سألتني صديقة: هل من الممكن أن يموت جمال عبد الناصر مثل أي بني آدم عادي؟ رددت: لا طبعا لا يمكن، بعدها بأيام مات".

مهما حدث لا تسقط دمعة واحدة من عيني، المشكلات إما أكبر أو أتفه من أن تبكيني حتى وإن كان الموت

  استيقظت من النوم على الخبر، هربت إلى الشرفة، قالت لعائلتها: "السماء تصرخ، يمكن كان فيه ناس بتصرخ في الطوابق العليا، لكن هذا كان تفسيري، يومها كرهت الراديو جدا، صوته كان فظيعا". ذهبت إلى المدرسة وكانت جميع زميلاتها يرتدين شارات سوداء صغيرة، وهي الوحيدة التي ارتدت فيونكة (ربطة شعر) سوداء كبيرة جدا، تقول: "أمي عبرت عن حزنها بالمبالغة في حجمها".

العادية المدهشة

بعد قرابة 33 عاما من العمل، اختارت عبلة كامل الغياب. في ديسمبر/ كانون الأول 2025 أكدت للميس الحديدي تمسكها بالبعد عن الظهور، ولو من خلال صفحة على مواقع التواصل. وفي فبراير/ شباط 2026 ظهرت في إعلان رمضاني حظي بتفاعل واسع.

تعيش عبلة كامل حياة امرأة عادية، روت في حوار مع مجلة "المصور" في 1989: "أشياء كثيرة في حياتي لا أعرف لها تفسيرا ولا يهمني أن أعرف، الدنيا لن تتوقف لأنني لا أجد تفسيرا لما في داخلي، فهي تجري والتأمل والحوار مع الناس أو الغير انتهى".

لم تحب المقابلات الرسمية، اعتبرتها هما، إذ تتمسك بعفويتها، روت: "يكون فيها كل شيء مرسوما، الإنسان والأشياء، أتكلم بحساب وترتيب، عندما تنتهي المقابلة أقول هم وانزاح".

ملصق "اللمبي — خالتي فرنسا"

هذه العفوية ظهرت في مخاوفها اليومية، إذ تحس برعب شديد من جميع الأجهزة الكهربائية ولا تجازف بالاقتراب منها، وتخشى العيش في أماكن مرتفعة، قالت: "إذا ذهبت لزيارة صديقة تسكن في طابق عال لا بد أن يكون في النهار، كما أنني لا أحب الأبواب المفتوحة، وأكره الغروب، أغلق الشبابيك حتى تمر هذه الفترة دون مشاهدتها، وإن كنت خارج البيت لا بد أن أعود قبلها". وتهرب من الكآبة والحالة النفسية السيئة بالنوم، وتكره قيادة السيارات، حتى عندما تعلمت لم تستطع.

غيابها كثف حضورها، لم يفتقد الجمهور نجمة، بل ركنا من البيت. بقيت عبلة كامل في الذاكرة ببقاء شخصياتها في أعمالها، فتعرفوا فيها الى ما يألفونه

غياب عبلة كامل لم يأت فجأة، كان ممهدا في شخصيتها، لم تحب اللقاءات الرسمية، ولا المناسبات الاجتماعية، ولا السهرات. قال الفنان محمد رياض الذي عرفها منذ "لن أعيش في جلباب أبي"، إنها كانت خجولة للغاية خارج التصوير، "استحالة تلاقيها في برنامج تلفزيوني، هذه طبيعتها، ورفضت حضورها وتكريمها في فعاليات مثل المهرجان القومي للمسرح". كما أكد نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي أنها ترفض التكريم والظهور، وتفضل أن يذكر اسمها من خلال أعمالها فقط.

غيابها كثف حضورها، لم يفتقد الجمهور نجمة، بل ركنا من البيت. بقيت عبلة كامل في الذاكرة ببقاء شخصياتها في أعمالها، فتعرفوا فيها الى ما يألفونه.

font change