في ذكراه العشرين... فؤاد المهندس الذي لم يخرج من بيوت المصريين

ترك بصمة في الإذاعة والسينما وظل المسرح عشقه الأول

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons

في ذكراه العشرين... فؤاد المهندس الذي لم يخرج من بيوت المصريين

لا تكتمل فرحة العيد في مصر إلا بالفرجة على مسرحية "سك على بناتك" أو "إنها حقا عائلة محترمة" أو "سيدتي الجميلة"، وينقص شهر رمضان دون فوازير "عمو فؤاد" ويكون الصباح أجمل بذكريات الاستماع إلى"كلمتين وبس". فما قدمه الفنان الراحل فؤاد المهندس (1924 – 2006) تغلغل في وجدان الجمهور، ليكون ذاكرة طفولتهم وضحكتهم، وطقسا ممتدا في حياتهم. كما يعتبر المهندس مدرسة قائمة بذاتها في الكوميديا المصرية، وقد تتلمذ على يديه العديد من الممثلين الكوميديين، منهم الضيف أحمد وسناء يونس، ووصفه "الزعيم" عادل إمام بـ"أستاذي العظيم".

مع نجيب الريحاني

نشأ فؤاد المهندس في حي العباسية، بالقاهرة. والده زكي المهندس كان عميدا لكلية دار العلوم، وعضوا بمجمع اللغة العربية. رغب في أن يسلك ابنه حياة تقليدية، وأن يصبح موظفا مثلا، وكذلك رفضت والدته رفضا قاطعا عمله بالفن، فأثناء مشاركة فؤاد في مسرحية بمدرسة فاروق الأول الثانوية، فوجئ بوالدته بين الجمهور، تصرخ فيه "انزل يا ولد"، فنزل عن خشبة المسرح، واضطر في ما بعد للتمثيل سرا إلى أن مالت رغبة والده إليه، وشجعه على الفن.

تبع المهندس وصية والده، الذي علمه إتقان اللغة العربية ونطقها، بالابتعاد عن السياسة إذ كان يخشى عليه من الاشتراك في تظاهرات الجامعة التي كانت تخرج للمنادة بالاستقلال أيام الاحتلال الإنكليزي.

في فترة دراسته بكلية التجارة، جامعة القاهرة، رغب فؤاد المهندس في الالتحاق بمعهد التمثيل، لكنه لم يلق التشجيع الكافي من زملائه. فتوجه إلى مسرح نجيب الريحاني، والتقى مديره فلاديمير، وعرفه بنفسه: "أنا طالب في كلية التجارة، أرغب في لقاء الأستاذ لأنني أحب التمثيل"، لحظتها لمحه الريحاني وطلب منه الانتظار حتى انتهاء البروفة.

ورث المهندس عن الريحاني أسلوب عمله، في الالتزام والانضباط، وأن يكون النص الجيد أساس العمل

في لقائهما طلب المهندس من الريحاني أن يعلمه كيف يؤلف مسرحية، ويقف على خشبة المسرح، فضحك الريحاني، وطلب منه مقابلته في اليوم التالي. ذهب في موعده، وبعد مقابلته الأولى، توالت مقابلاته مع الريحاني طوال عامين، في المسرح وفي منزله بعمارة الإيموبيليا أحيانا، وقد روى المهندس في حواره مع جريدة "الأحرار" عام 1999: "كلما سافر كنت أودعه، وفي عودته استقبله، وتوطدت علاقتنا، فأخرج لي مسرحية، حكاية كل يوم، بالجامعة في السنة النهائية".

ورث المهندس عن الريحاني أسلوب عمله، في الالتزام والانضباط، وأن يكون النص الجيد أساس العمل.

Wikimedia Commons
نجيب الريحاني في شبابه

الصباح يبدأ بـ"كلمتين وبس"

قبل البرنامج الإذاعي الشهير، "كلمتين وبس"، حقق فؤاد شهرة في الإذاعة بأعمال متنوعة، ففي برنامجه الإذاعي، "ساعة لقلبك"، عام 1953، قدم شخصية محمود، الزوج المغلوب على أمره مع زوجته التي جسدت شخصيتها الفنانة خيرية أحمد، ثم أعماله الدرامية، "العتبة جزاز"، و"إنت اللي قتلت بابايا"، و"شنبو في المصيدة"، وغيرها.

وفي عام 1968، كان "كلمتين وبس"، فكرة المخرج يوسف حجازي، إذ طلب من أحمد بهجت كتابة حلقات برنامج إذاعي بعنوان "كلمة ورد غطاها"، لكنه غيره إلى "كلمتين وبس" واقترح أن يقدمه فؤاد المهندس ليكون طابعه كوميديا، خاصة أنه سيخاطب الجمهور بأسلوب توعوي بسيط وسلس عن سلبيات الحكومة والمشكلات والأزمات التي يواجهها المجتمع المصري.

قدم المهندس البرنامج الإذاعي طوال أربعين عاما، ليبدأ به المصريون يومهم في الثامنة إلا خمس دقائق صباحا.

ملصق "كلمتين وبس"

المسرح شغف والسينما مجاملة

رغم نجاحه وشهرته في الإذاعة، لم يحد فؤاد المهندس عن المسرح، إذ اعتبره أساسه في الفن وعشقه وشغفه، فتمسك به أكثر من السينما، إلى درجة أنه، كما يروي، غامر بحياته أثناء بروفات مسرحية "إنها حقا عائلة محترمة"، إذ كان يعالج في مستشفى القلب بإمبابة للعلاج من جلطة، ونصحه الأطباء بالتوقف عن البروفات، لكنه رفض تماما نصيحة وزير الصحة إبراهيم بدران.

اضطر أطباء القلب إلى متابعة حالته الصحية أثناء البروفات، ووضعوا له جهازا بجوار القلب لمدة 24 ساعة لمراقبة حالته وبعد 4 أيام أبلغوه أن الجلطة اختفت، قال لصحيفة "الأحرار": "تأكدوا تماما أن شغفي بالمسرح هو سبب ما حدث وقد تعودت في حياتي على بعض الأمراض اليومية مثل البرد والسعال وغيرها، وبمجرد أن أبدأ مسرحية جديدة يختفي كل شيء، وأذكر أنني كنت أعاني من شرخ في البواسير وتسبب لي بآلام بشعة وكنت أنزف في كواليس المسرح وكان معي قطن وميكروكروم ومطهرات وبمجرد صعودي إلى خشبة المسرح يتوقف كل شيء".

لم يكن لدى فؤاد المهندس الشغف نفسه في السينما، فهو على سبيل المثل لم يجامل في المسرح، إلا أنه قبل المشاركة في أفلام سينمائية مجاملة لأصدقائه من أمثال محمود ذو الفقار ونيازي مصطفى وفطين عبد الوهاب، كما قبلها أحيانا للانفاق على المسرح أو بسبب حاجته إلى المال.

لم يجامل في المسرح، إلا أنه قبل المشاركة في أفلام سينمائية مجاملة لأصدقائه أو بسبب حاجته إلى المال

بداية من منتصف الستينات تقريبا، شارك فؤاد المهندس مع المخرج نجدي حافظ في أفلام سينمائية، هي: "حياة عازب" و"شباب وحب ومرح" و"وإجازة بالعافية" و"مطاردة غرامية" و"ربع دستة أشرار".

كان نجدي حافظ يدخل البلاتوه ويقول أكشن، وما أن يبدأ الممثلون في الحركة يقهقه ويخرج من البلاتوه، تذكره "المهندس"، بأنه كان شديد الطيب والخجل ويحمر وجهه من أي كلمة.

تحمس الفنان الراحل لتجربة فيلم "أخطر رجل في العالم" وأنتجه، بعدما عرضه عليه المؤلف أنور عبد الله، لكن السيناريو الذي شارك في كتابته عبد الحي أديب ونيازي مصطفى وكتب حواره بهجت قمر، لم يكن كما تمنى، ولم يحقق الفيلم أي أرباح مادية، قال: "لم أفكر في تكرار التجربة بعدها، لأنها كانت شاقة، لأني لم أكن أعلم لمن أدفع المال، المستفيدون كانوا حوالي في كل مكان، والمغامرة كانت تحتاج إدارة ووعيا وتفرغا".

كما تورط المهندس في المشاركة في فيلم "نحن الرجال طيبون" عام 1971، الذي وصفه بـ"تجربة غريبة"، لأنه التقى مخرج الفيلم إبراهيم لطفي الذي ادعى أنه عائد من هوليوود وسأل عنه وشويكار، لرغبته في إخراج فيلم لهما، وأعطاه السيناريو، قال المهندس: "لم أفهم منه شيئا، لكن دخلنا التصوير".

بعد مشاكل عديدة وتوقف التصوير وشكوى المهندس للمخرج في مؤسسة السينما، عرض الفيلم ولم يستمر سوى يوم واحد في دور العرض.

أحب من أفلامه السينمائية "عائلة زيزي" و"أرض النفاق" و"صاحب الجلالة" و"جناب السفير"، حكى: "لم تكن لدي أي تطلعات للسينما، المسرح هو البيت الذي عوضني عن كل ذلك".

IMDb
شويكار وفؤاد المهندس

مع شويكار

تزوج المهندس من عفت سرور نجيب، بعدما أحبها لأنها تشبه كوكب الشرق أم كلثوم، التي كان يحبها. أخفى عنها المهندس خبر زواجه من شويكار، قال في حوار مع "art"، إنها مرضت بعدما أبلغها، ولشعوره بالذنب، لم يفارقها ورعاها إلى وفاتها. انتقلت عفت إلى الزمالك من مسكنها في العباسية بعد انفصالهما، لتكون بالقرب من أولادها، إذ كان يسكن الفنان الراحل هناك، وأقام حتى وفاته.

التقى فؤاد المهندس شويكار مصادفة، أثناء مشاركته في مسرحية "السكرتير الفني" بترشيح من الفنان عبد المنعم مدبولي مخرج العمل.

وقتها كان لدى شويكار ابنتها منة الجواهرجي من زوجها الأول، ولدى فؤاد أيضا ولدان، أحمد ومحمد. وبعد انتهاء العرض المسرحي، طلبت شويكار من فؤاد المهندس توقيعه على أوتوغراف، لانبهارها بطريقته في التمثيل، وفي اليوم التالي وصلت قبل موعدها، قال المهندس لبرنامج "ساعة صفا": "من هنا بدأت علاقتنا تتوطد رويدا رويدا، ثم أبلغني عبد المنعم مدبولي بضمها إلى فريق عمل مسرحية أنا وهو وهي".

 

 

على خشبة المسرح أثناء عرض "أنا وهو وهي" في 1963، طلب فؤاد شويكار للزواج في مشهد درامي "تتجوزيني يا بسكوتة"، فوافقت. استمر الثنائي 20 عاما، قدما خلالها أكثر من 26 فيلما، منها: "شنبو في المصيدة" و"إنت اللي قتلت بابايا"، و"أرض النفاق"، و"مطار الحب"، وعدد من المسرحيات المهمة مثل "أنا فين وإنتي فين"، و"سيدتي الجميلة"، و"حواء الساعة 12"، و"حالة حسب"، و"إنها حقا عائلة محترمة".

كانت بدايتهما في وقت يتوق الجمهور فيه للكوميديا، ولحسن الحظ توفر وقتها الكتب والروايات التي ساعدتهما على نجاحهما رغم وجود فرق مسرحية عديدة، قالت شويكار في حوار لصحيفة "روز اليوسف" في 1990: "كنا موضة جديدة، ذكرنا الجمهور بليلى مراد وأنور وجدي، حققنا نجاحا على المسرح، مسرحية مكتملة العدد كل 3 شهور، ثم انتقلنا إلى السينما".

جاء انفصال فؤاد وشويكار عام 1983، دون إبداء أسباب، اكتفى بعدها بسنوات، بالقول: "كان لازم ننفصل، ربنا قال ستوب"

كون فؤاد وشويكار، فريقا مع بهجت قمر وسمير خفاجي، كان فؤاد وخفاجي يختاران الأعمال غالبا، وبهجت يقرأ الرويات ويكتب، وشويكار تترجم أحيانا، روت: "كنا أربعة في روح واحدة، بنشتري علبة سكائر واحدة نقسمها علينا، كيلو كباب وكل واحد يأخذ منه قطعة، لم نعرف سوى عشق المسرح".

Wikimedia Commons
الممثلة المصرية شويكار مع زوجها الفنان الكوميدي فؤاد المهندس عام 1963

استمر زواجهما 20 عاما، وكانت "إنها حقا عائلة محترمة" سنة 1976، آخر مسرحية تجمعهما، قبل العودة لاحقا، إذ شاركت شويكار بصوتها فقط في مسرحية "سك على بناتك".

جاء انفصال فؤاد وشويكار عام 1983، تم دون إبداء أي أسباب من أحدهما،  اكتفى بعدها بسنوات، بتعليق لبرنامج "ساعة صفا": "كان لازم ننفصل، ربنا قال ستوب"، لكن صداقتهما لم تنقطع، ولم يقدم سوى مسرحيتين من دونها، "هالة حبيبتي" في 1985، و"علشان خاطر عيونك" في 1987.

لم يحس المهندس باكتماله الفني إلا مع شويكار، إذ كان تفهمه ويفهما على خشبة المسرح، واعترف بذلك في حوار مع جريدة "الجمهورية" في 1990 :"لا يمكن أن أجد فنانة مثلها تفهمني على خشبة المسرح"، وهو ما قالته شويكار أيضا في حوار مع "روز اليوسف" في العام نفسه: "كنت أفهمه دون أن يتكلم لأنني طوال الوقت أنظر إليه وأنا متيمة به، أدرسه وأحفظه لأدرك كيف يمثل ولماذا يحبه الناس".

بعد 14 عاما من آخر عمل جمع بينهما، رفع الستار مرة أخرى وخلفه شويكار وفؤاد المهندس على خشبة المسرح في مسرحية "روحية اتخطفت" تأليف بسيوني عثمان وإخراج عصام السيد، وصرح فؤاد وقتها للأخبار 1990: "كنت أنا وشويكار ننتظر أن نجتمع من جديد على المسرح بعدما اجتمعنا العام الماضي 1989 في فيلم جريمة إلا ربع". أنتج المسرحية عصام إمام شقيق الفنان عادل إمام، وكان اسمها في البداية "العملية 42"، ثم تغيرت إلى "روحية اتخطفت".

فوازير عمو فؤاد

مثلما كون نوستالجيا جيل الستينات والسبعينات في الإذاعة المسرح والسينما، فقد جمل طفولة جيل الثمانينات بفوازير رمضان.

تعرف فؤاد المهندس على المخرج محمد رجائي في كلية التجارة بجامعة القاهرة، وقتما كان فؤاد مسؤولا ومشرفا على النشاط الفني لكليات جامعة القاهرة، إذ كان يختار المسرحيات والمخرجين الأفضل من المعروض عليه. وروى رجائي أن فوازير عمو فؤاد التي انطلقت في مطلع الثمانينات، كانت فكرة فؤاد المهندس نفسه، وتصادف تولي رجائي مسؤولية برامح الأطفال في التلفزيون، فعرض عليه المهندس الفكرة "أرغب في الحديث عن الطيور وأوصفها وأعرضها أمامهم سواء حية أو محنطة وفي نهاية الحلقة نسأل معلومة عن هذه الطيور وأماكن تواجدها"، وافق رجائي لكن طلب تعديلها لتكون عبارة عن حكايات أو حواديت، لجذب الأطفال.  وافق المهندس وتولى مصطفى الشندويلي كتابة الحلقات، وكانت بداية العمل وكانت أول فوازير "عمو فؤاد رايح يصطاد"، وفقا لكتاب "حكايات الليثي" لعمرو الليثي.

ملصق "عمو فؤاد"

وفي أبريل/ نيسان عام 1987، تعكر صفو العلاقة بين عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس بسبب الفوازير، إذ تقرر أن تسند إلى مدبولي وتخرج باسم "جدو عبده"، وهو ما أغضب المهندس وأدلى بتصريحات لجريدة "الجمهورية" معترضا. بعدما علم بالخبر، هاتف مدبولي الذي نصحه بالتواصل مع المسؤولين في إدارة التلفزيون لحل الأزمة معهما، إذ قال مدبولي للجمهورية وقتها، إنه سمع أن فؤاد تدخل في اختيارات المخرجين، ورفض عودة صديقه القديم محمد رجائي متمسكا بوجود المخرج محمد أباظة.

تعكر صفو العلاقة بين عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس بسبب الفوازير، إذ تقرر أن تسند إلى مدبولي وتخرج باسم "جدو عبده"

وتمسك مدبولي بحقه في تقديم فوازير، هي عبارة عن مسلسل فكاهي داخله اللغز "الفزورة"، وبرر ذلك بأن الأزمة بين فؤاد المهندس والمسؤولين ستنحل ويعود فؤاد إلى شكل وأسلوب ما يقدمه.

وفي العام نفسه 1987، قدم عبد المنعم مدبولي فوازير "جدو عبده زرع أرضه" بفريق العمل الذي بدأ مع المهندس، وهما محمد رجائي ومصطفى الشندويلي، وكان آخر ما قدموه فوازير "جده عبده راح مكتبته" عام 1988، في العام نفسه الذي توقفت فيه فوازير فؤاد المهندس بـ"عمو فؤاد رجل أعمال"، إخراج محمد رجائي، لكن كتابة شامخ وفداء الشندويلي.

لم يفارق فؤاد المهندس برنامجه الإذاعي، "كلمتين وبس"، أكثر من 3 عقود إلى وفاته، وبعد وفاته بـ 10 سنوات أعيد تقديمه بأرشيفه الصوتي في مسلسل بالعنوان نفسه من إخراج أحمد حمدي.

ووفقا لرواية ابنه، تأثر في أيامه الأخيرة بوفاة الفنانة سناء يونس، ورحيل صديقه المقرب عبد المنعم مدبولي، واحتراق جميع مقتنياته وشقته، وهو ما أثر عليه سلبا، ليرحل في يوم 16 سبتمبر/ أيلول 2006، لكنه لم يخرج إلى الآن من أي بيت مصري، إذاعة وسينما ومسرحا وتلفزيونا، وذكريات.

font change

مقالات ذات صلة