محاكمة أغنى رجل في العالم في فيلم "ماسك"

رحلة انتقاله من التكنولوجيا إلى السلطة

محاكمة أغنى رجل في العالم في فيلم "ماسك"

تكشف مسيرة المخرج الأميركي أليكس غيبني عن انشغال متواصل بتفكيك آليات السلطة ومساءلة أصحاب النفوذ، من فضيحة شركة "إنرون" إلى إمبراطورية إليزابيث هولمز الطبية، مرورا بالانتهاكات التي ارتكبت باسم "الحرب على الإرهاب" في فيلمه "تاكسي إلى الجانب المظلم"، الذي نال عنه الأوسكار في 2008.

ويأتي فيلمه الوثائقي الجديد "ماسك" في سياق هذه التجربة السينمائية الخاصة والمختلفة، إذ يضع الملياردير المعروف أمام محاكمة فنية تمتد إلى نحو أربع ساعات، متتبعا صعوده من رائد أعمال في وادي السيليكون إلى أغنى رجل في العالم يكاد يتحكم بالتكنولوجيا والفضاء والذكاء الاصطناعي في العالم بأسره.

والسؤال الذي يثيره غيبني، في ضوء هذا الأرشيف الناقد والجريء، هو كيف تحولت وعود الابتكار وتغيير العالم لدى ماسك إلى قوة اقتصادية وسياسية بهذا الحجم، وإلى أي مدى يمكن مراقبة ومحاسبة رجل بات يمتلك أدوات باهظة التأثير والسطوة، وهو ما عبر عنه المخرج في تصريحات صحافية قال فيها إنه يأمل أن يشكل الفيلم بداية نقاش عالمي حول كيفية استعادة السلطة من "أقطاب التكنولوجيا" الذين، على حد تعبيره، "يتوقون إلى إدارة العالم بما يخدم مصالحهم الخاصة".

في هذا المعنى، يتجاوز غيبني السيرة الشخصية التقليدية، التي انتهجتها أفلام سابقة عن ماسك، محاولا السير عكس التيار عبر الجهر بـ"المسكوت عنه" في يوميات رجل دائم الحضور في الفضاء العام، ومؤثر في قرارات الحكومات، ومتحكم بتدفق المعلومات، وبالتالي مساهم، إلى حد كبير، في صوغ الرأي العام.

من التكنولوجيا إلى احتكار النفوذ

يعود غيبني إلى البدايات، حين بدا مشروع ماسك طموحا ومحاطا بوعود براقة، من سيارات "تسلا" الكهربائية التي راهنت على تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى مغامرة "سبيس إكس" لارتياد الفضاء، إلى "ستارلينك" التي تسعى إلى توفير الإنترنت الفضائي في مناطق يصعب على الشبكات التقليدية الوصول إليها، ثم الاستحواذ على "تويتر"، التي أعاد تسميتها "إكس"، محولا المنصة إلى ساحة تتقاطع فيها التكنولوجيا والإعلام والنقاش السياسي.

يتتبع الفيلم انتقال ماسك من أحد أباطرة التكنولوجيا إلى شخصية إشكالية تتجمع في يديها أدوات واسعة التأثير في قطاعات تمتد من النقل والفضاء إلى الاتصالات والإعلام

ومن خلال هذه المشاريع العملاقة، يتتبع الفيلم انتقال ماسك من أحد أباطرة التكنولوجيا إلى شخصية إشكالية تتجمع في يديها أدوات واسعة التأثير في قطاعات تمتد من النقل والفضاء إلى الاتصالات والإعلام، وهو ما قد يقود إلى نوع من الغرور الذي يدفع صاحبه الى "صنع القرار" لكن من دون برلمانات ولا تشريعات ولا آليات تصويت، أو بمعنى آخر، غدا الرجل ملكا بلا تاج، أو رئيسا بلا دولة.

لا يمكن، في أي حال، الاستخفاف بالإنجازات التكنولوجية العملاقة المرتبطة بشركات ماسك الذي خاض مغامرات جريئة، وحقق ما يشبه "المعجزة"، لكن غيبني لا يكتفي بهذا الإقرار المتساهل، إذ يسعى إلى وضع هذه التجربة الاستثنائية ضمن سياق أوسع يتناول العلاقة بين الابتكار والسلطة، متسائلا عن اللحظة التي يتحول فيها الإيمان بالتكنولوجيا إلى اعتقاد بأن صاحبها يمتلك الحق في فرض رؤيته على الآخرين، وبأن الغايات الكبرى التي يعلنها تبرر تجاوز الاعتراضات والضوابط البيئية والأمنية والسياسية والاجتماعية.

REUTERS/Yves Herman
المخرج أليكس غيبني خلال جلسة تصوير لفيلمه الوثائقي "ماسك"، المشارك خارج المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي، في إيطاليا، 8 سبتمبر 2026

وأشار غيبني إلى هذه الهواجس، إذ وصف الفيلم بأنه يتناول "مدى فساد السلطة المطلقة"، قبل أن يطرح احتمالا أعقد: هل كان ماسك يسير منذ البداية نحو هذا القدر من النفوذ، أم أن السلطة التي راكمها دفعته إلى التحول؟

وينقل هذا السؤال الفيلم من مجرد عرض سيرة شخصية ناجحة، بالمعنى المهني البحت، إلى محاولة فهم مسارها وتعرجاتها. فبدلا من افتراض أن ماسك كان يحمل منذ البداية مشروعا للهيمنة، يترك غيبني المجال أمام احتمال أن يكون النجاح نفسه قد غير علاقته بالآخرين وبالمؤسسات التي تعمل حوله.

من الملاحظ، أن المراجعات النقدية للفيلم ركزت على هذه النقطة. ففي مقال نشر في "فارييتي"، وصف أوين غلايبرمان الفيلم بأنه صورة نقدية حادة تجمع بين البراعة التكنولوجية لدى ماسك وشهيته للسلطة ونزوعه إلى الأوهام الكبرى، ورأى أن قوة غيبني تكمن في ربط محطات حياته بعضها ببعض، بما يكشف تطور طموحاته وتحول صورته العامة.

وكتب بن كرول، من جانبه، في موقع "ذي راب" أن الفيلم يسعى إلى إثارة القلق في شأن مقدار السلطة التي جمعها ماسك والأسباب التي سمحت له بذلك، لكنه أشار إلى أن السرد يستغرق وقتا طويلا قبل أن يبلغ ذروته في تناوله تداعيات نفوذه السياسي.

Venice Biennale
مشهد من الفيلم الوثائقي "ماسك"

حين دخل ترامب على الخط

ثمة تفصيل لا يمكن تجاهله لفهم بنية هذا الفيلم، فقد بدأ غيبني العمل فيه قبل بداية الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، وكانت النسخة الأولى من المشروع تمتد نحو ساعتين. لكن الفيلم اتسع ليقترب من أربع ساعات بعدما أعلن ماسك تأييده ترمب، ثم أصبح أحد أقرب مساعديه وأكثرهم تأثيرا في محيطه السياسي.

كان ترمب، إذن، محفزا لمضاعفة زمن العمل، فما بدأ باعتباره تحقيقا في صعود رجل أعمال ونفوذه المتزايد، تحول إلى عمل أوسع عن التداخل بين الثروة الخاصة والسلطة الحكومية، وقد بات من الضروري، وفق منطق غيبني، النظر إلى ماسك في ضوء امتداد نفوذه إلى المجال السياسي وتقاطع مصالحه مع قرارات البيت الأبيض. مثل هذا التفصيل عمق الدلالة السياسية للفيلم، عبر الاهتمام بطبيعة علاقة الرجلين، وانتقال ماسك الى موقع متقدم داخل المعسكر الجمهوري بعد سنوات ارتبطت فيها صورته العامة بالتكنولوجيا والابتكار والطاقة النظيفة.

تمثل الدعوة إلى استعادة السلطة من أقطاب التكنولوجيا خلاصة سياسية للعمل، بعد التمهيد لذلك ببناء معادلة تربط بين قدرة التكنولوجيا على تغيير العالم وبين تركز سلطة التحكم بها في أيدي أفراد وشركات

ويضع غيبني هذه الانعطافة في إطار العلاقة المتبادلة بين المال والسلطة، فالدعم السياسي يتيح لصاحب الثروة الوصول إلى دوائر القرار، فيما تمنحه مكانته الاقتصادية أدوات للتأثير في قطاعات تعتمد عليها الدولة نفسها، ويصبح السؤال هنا متعلقا بمدى خدمة هذا التقارب للمصلحة العامة.

REUTERS/Nathan Howard
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإيلون ماسك خلال مؤتمر صحافي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، 30 مايو 2025

وهذا التقارب نفسه متأرجح ومحاط بالكثير من الشكوك، ربما لتضارب المصالح بين رجل التكنولوجيا ورجل الصفقات، إذ نشب خلافات بين ترمب وماسك، ليتجه الأخير الى إنشاء حزب سياسي، سرعان ما خمد صوته، ثم تعود المياه الى مجاريها ليظهر الرجلان في صور تعبر عن دفء العلاقة الملتسبة المحكومة بعوامل لا يمكن التكهن بمآلاتها.

يجمع الفيلم هذه الملفات ليطرح افتراضات تستحق الفحص والتدقيق، فماذا يحدث عندما تصبح البنية التحتية التي تحتاج إليها الحكومات والمجتمعات مرتبطة بقرارات شخص لا يخضع للمساءلة او الاستجواب، كما هو الحال بالنسبة لأصحاب المناصب الرسمية؟

REUTERS/Adnan Abidi
ناشط من حركة "سواديشي جاغران مانش"، التابعة لمنظمة "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" القومية الهندوسية، يشارك في احتجاج ضد خدمة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، في نيودلهي بالهند، 23 أكتوبر 2026

وتمثل دعوة غيبني إلى استعادة السلطة من أقطاب التكنولوجيا خلاصة سياسية للعمل، بعد أن يمهد لذلك ببناء معادلة تربط بين قدرة التكنولوجيا على تغيير العالم وبين تركز سلطة التحكم بها في أيدي أفراد وشركات لا تخضع بالضرورة لآليات الرقابة المعروفة، وتتوقف قوة هذه الحجة، بحسب نقاد، على قدرة الفيلم على التمييز بين النقد السياسي الرصين والحكم المسبق والجاهز.

محاكاة ماسك

ومن أكثر الخيارات إثارة للاهتمام في الفيلم أن غيبني يستعين بمحاكاة رقمية مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر فيها صورة ماسك، وتعيد إنتاج تصريحات سبق أن أدلى بها علنا وتعيد تركيب مواد أرشيفية موثقة. وجاء هذا الخيار بعدما رفض ماسك طلب المخرج إجراء مقابلة خاصة بالفيلم.

وتحقق هذه الحيلة وظيفة فنية بهدف التغلب على غياب الشخصية الرئيسة، فالرجل الذي جعل التكنولوجيا جزءا من مشروعه الشخصي يتحول بدوره إلى موضوع لمحاكاة رقمية تستخدم صورته وكلامه في سياق جديد يغير طريقة تلقيه، وتمنح المخرج فرصة لبناء مواجهة لم تحدث فعليا أمام الكاميرا.

لكن هذا الخيار يثير مخاطرة أخلاقية وجمالية، فالصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، حتى عندما تستند إلى تصريحات حقيقية، قد تربك الحدود بين الوثيقة والتمثيل. وإذا كان الفيلم يحذر من قدرة التكنولوجيا على تشكيل الواقع، فإنه يستخدم، بدوره، أداة قادرة على تشكيل انطباع المشاهد عن الشخصية. 

ورغم أن الناقد بيتر برادشو اعتبر في مقال لـ"الغارديان"، أن الفيلم "دراسة وثائقية واسعة وجذابة"، إلا أنه تحفظ عن استخدام صورة رقمية تحاكي ماسك، فقد رأى فيها "حيلة إخراجية مفتعلة".

المقابلات التي أجراها المخرج مع أشخاص عرفوا ماسك أو عملوا معه، ومن بينهم والده إيرول ماسك، والرئيس التنفيذي السابق لشركة "تسلا" مارتن إيبرهارد، وآشلي سانت كلير، التي تربطها به علاقة سابقة وهي والدة أحد أبنائه، تمنح الفيلم تعدد الأصوات الذي يحتاج إليه الفيلم الوثائقي، لكنها تطرح أيضا مشكلة تتعلق بمدى دقة المعلومات في الكلام الارتجالي المسترسل، ومواقف أصحابها من الشخصية التي يتحدثون عنها، فالمعلومات التي يقدمونها قد لا تكون دقيقة بقدر ما هي نابعة من السخط على ماسك أو الرضا عنه.

ومن المعروف أن الشهادات الشخصية تظل في حاجة إلى الإثبات والتحقق، وتزداد أهمية مثل هذا الاثبات في فيلم يتبنى موقفا نقديا واضحا، ويجمع بين الوقائع الموثقة والتفسيرات السياسية والاستنتاجات المتعلقة بنيات صاحبه.

وبعد العرض الأول للفيلم في مهرجان البندقية السينمائي الأخير، وصفه ماسك بأنه "كاذب"، مهددا بمقاضاة غيبني الذي رد، بحسب "رويترز"، أن فريق العمل دقق الوقائع بعناية وأجرى مراجعة قانونية صارمة.

ولا تحسم هذه المواجهة صحة الفيلم أو بطلانه، فالتهديد القانوني لا يثبت أن العمل كاذب، كما أن تأكيد المخرج دقة تحقيقه لا يعفي الفيلم من الفحص النقدي، والمعيار الرئيس، في أفلام من هذا النوع، هو الأدلة التي يعرضها، ومدى توثيقها، وما إذا كان يمنح الوقائع سياقا يسمح بفهمها بدلا من الاكتفاء بتجميعها في ملف اتهام.

أصبح الفيلم نفسه موضوعا للنقاش حول قدرة السينما الاستقصائية على مساءلة شخص يمتلك نفوذا اقتصاديا وإعلاميا واسعا، وحول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي

ولم يقتصر الجدل على اتهامات ماسك للمخرج، فقد أثار المقاطع الترويجية والدعائية للفيلم اعتراضا من المنصات المعروفة، كما أصبح الفيلم نفسه موضوعا للنقاش حول قدرة السينما الاستقصائية على مساءلة شخص يمتلك نفوذا اقتصاديا وإعلاميا واسعا، وحول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في إعادة تمثيل الشخصيات الحقيقية. وتسلط هذه المفارقة الضوء على التحديات التي تواجه الأعمال التي تتناول شخصيات نافذة في بيئة تتداخل فيها المصالح الإعلامية والتكنولوجية والسياسية.

كما يطرح طول الفيلم، سؤالا عن الإيقاع والتقشف السردي، فهل يحتاج المشاهد حقا إلى هذا الامتداد لفهم شخصية تشغل الأخبار باستمرار؟ أم أن الفيلم يكرر، على نحو مختلف، فائض المعلومات الذي يميز حضور ماسك نفسه؟

font change

مقالات ذات صلة