وزير الطاقة التركي يكتب لـ"المجلة": شراكتنا مع السعودية ركيزة لأمن الطاقة في عالم مضطرب

تركيا تدعم الاستقرار والرفاه في المنطقة، وأمن شركائها، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية

أكسيل رانجيل غارسيا
أكسيل رانجيل غارسيا

وزير الطاقة التركي يكتب لـ"المجلة": شراكتنا مع السعودية ركيزة لأمن الطاقة في عالم مضطرب

تعيد حالة عدم اليقين الجيوسياسي المتزايدة، وارتفاع الطلب على الطاقة بفعل محركات جديدة وغير تقليدية، من بينها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التحول التكنولوجي وضرورة التصدي لتغير المناخ، رسم ملامح مشهد الطاقة العالمي. وفي ظل هذه المتغيرات، يتجاوز مفهوم أمن الطاقة ضمان توافر الإمدادات الكافية، ليشمل بناء منظومات قادرة على مواجهة الاضطرابات، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الشراكات الإقليمية، وصون دور الطاقة ركيزة للنمو الاقتصادي والازدهار.

ترتبط هذه الأولويات ارتباطا وثيقا بالنسبة إلى تركيا وشركائها. فمنطقتنا تقع عند ملتقى الدول الكبرى المنتجة للطاقة، والأسواق الاستهلاكية المتنامية، وطرق التجارة الاستراتيجية. وتذكرنا التطورات في الخليج، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية الأوسع نطاقا، بأن أسواق الطاقة عالمية في طبيعتها، وأن الاضطراب في أي جزء منها قد تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من نطاقه الجغرافي المباشر.

ولهذا تزداد أهمية التضامن والحوار والتعاون. فتركيا تدعم الاستقرار والرفاه في المنطقة، وأمن شركائها، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية. ويغدو التعاون البناء بين الدول، المستند إلى إرادة سياسية راسخة، ضرورة للتعامل مع حالة عدم اليقين وصون مقومات الازدهار المشترك.

مفهوم جديد لأمن الطاقة في صدارة الأجندة العالمية

منذ عام 2020، واجه العالم سلسلة من التحديات الجسيمة، شملت جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والضغوط التضخمية، والتقلبات الحادة في أسعار الطاقة. وفي الآونة الأخيرة، أعادت التوترات في الخليج وسائر أنحاء الشرق الأوسط إبراز هشاشة أسواق الطاقة أمام الصدمات الجيوسياسية.

وقد رسخت هذه التطورات درسا أساسيا.

فالطاقة عصب الإنتاج الصناعي والتجارة والنقل، وعنصر لا غنى عنه في الحياة اليومية لمواطنينا. وحين تفقد إمداداتها موثوقيتها، أو ترتفع تكلفتها إلى مستويات يصعب تحملها، تمتد آثار ذلك إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.

الطاقة عصب الإنتاج الصناعي والتجارة والنقل، وعنصر لا غنى عنه في الحياة اليومية لمواطنينا. وحين تفقد إمداداتها موثوقيتها، أو ترتفع تكلفتها إلى مستويات يصعب تحملها، تمتد آثار ذلك إلى مختلف قطاعات الاقتصاد

ومن الضروري ألا ننظر إلى أمن الطاقة والتحول نحو مستقبل أقل انبعاثا للكربون باعتبارهما هدفين متعارضين. فالمهمة المطروحة أمامنا هي صوغ سياسات متماسكة تعزز أمن الإمدادات، وتدفع في الوقت نفسه جهود خفض الانبعاثات الكربونية. ويتطلب ذلك نهجا عمليا ومتوازنا يراعي دور مصادر الطاقة المختلفة، واحتياجات الاقتصادات الوطنية، وأهمية الاستثمار الطويل الأجل.

أ.ف.ب
وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، ووزير الاقتصاد في جمهورية أذربيجان ميكائيل جباروف، ووزير الطاقة السوري محمد البشير، والمدير العام لصندوق قطر للتنمية فهد حمد حسن، السليطي، خلال افتتاح خط أنابيب الغاز الطبيعي بين تركيا وسوريا

وفي السعودية، يتيح هذا التحدي أيضا فرصة واعدة. فالتعاون الإقليمي قادر على تعزيز قدرة الإمدادات على الصمود أمام الاضطرابات، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، وتوسيع البنية التحتية، وربط الدول المنتجة للطاقة بالأسواق السريعة النمو. ومن خلال العمل المشترك، تستطيع الدول تحويل التحديات التي تتقاسمها، على اختلاف طبيعتها وحجمها، إلى فرص لتعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي.

وتقدم شراكتنا في مجال الطاقة مع المملكة العربية السعودية مثلا عمليا على الإمكانات التي يتيحها التعاون الإقليمي. فقد شكل الاتفاق المبرم بين حكومتي البلدين في فبراير/شباط 2026، لتطوير مشاريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في تركيا بقدرة تصل إلى خمسة آلاف ميغاواط، خطوة مهمة نحو تعزيز الاستثمارات الثنائية وتحقيق أولوياتنا المشتركة في مجال الطاقة. وإلى جانب توليد الطاقة المتجددة، نرى فرصا واسعة لتعميق التعاون في الربط الكهربائي، وتخزين الطاقة، وتعزيز قدرة شبكات الكهرباء على مواجهة الاضطرابات، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والتقنيات الناشئة، ومنها الهيدروجين النظيف.

تعمل تركيا على إرساء منظومة جديدة للطاقة تتمحور حول التوسع في الاعتماد على الكهرباء، وتستند إلى تنويع المصادر، وتعزيز القدرات المحلية، والتطوير التكنولوجي الواسع النطاق

ومن خلال الجمع بين القدرات الاستثمارية للسعودية والإمكانات الصناعية لتركيا وموقعها الاستراتيجي، نستطيع تحقيق مكاسب مستدامة لكلا البلدين، والإسهام في بناء مستقبل للطاقة أكثر أمنا وتنوعا واستدامة في المنطقة بأسرها.

وتنطلق استراتيجيا تركيا في مجال الطاقة من ثلاث حقائق أساس تقتضي استجابة متكاملة هي: تلبية الطلب المتزايد، والحد من مواطن الضعف الناجمة عن الاعتماد على الخارج، والمضي نحو اقتصاد أقل انبعاثا للكربون.

وتعمل تركيا على إرساء منظومة جديدة للطاقة تتمحور حول التوسع في الاعتماد على الكهرباء، وتستند إلى تنويع المصادر، وتعزيز القدرات المحلية، والتطوير التكنولوجي الواسع النطاق. فلا يستطيع مصدر واحد للطاقة أو تقنية بعينها تلبية جميع الاحتياجات. لذلك، يتطلب بناء منظومة طاقة قادرة على الصمود، الاعتماد على مزيج متوازن من الموارد، مع الحفاظ على المرونة اللازمة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.

وتشكل الطاقة المتجددة ركنا أساسيا في هذا التوجه الجديد. فنحن نواصل زيادة القدرة المركبة لمنشآت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما فيها طاقة الرياح البحرية، والطاقة الحرارية الأرضية. وتتمتع تركيا بإمكانات كبيرة في هذه المجالات، ويساعد تطويرها في تعزيز الإمدادات المحلية، وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد، ودعم أهدافنا في خفض الانبعاثات الكربونية.

رويترز

وتحتل كفاءة استخدام الطاقة موقعا متقدما بين أولوياتنا. فلا تزال هناك إمكانات واسعة لتحسين أساليب إنتاج الطاقة وتوزيعها واستهلاكها في مختلف أنحاء تركيا. وتمتد هذه الفرص إلى قطاعات أخرى، تشمل المباني والنقل والزراعة والصناعة. كما يسهم رفع الكفاءة في خفض التكاليف، وتخفيف الضغوط على البنية التحتية، والحد من الانبعاثات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.

وسيظل الغاز الطبيعي عنصرا مهما في تحقيق أمن الطاقة خلال مرحلة التحول. فنحن نستثمر على امتداد سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، بدءا من الاستكشاف والإنتاج، مرورا بالبنية التحتية للنقل والتخزين تحت الأرض، وصولا إلى مرافق إعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى حالته الغازية. وتسهم أنشطتنا البحرية، داخل تركيا وخارجها، في دعم جهودنا الأوسع لتعزيز أمن الإمدادات وتنويع مصادرها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد المنافسة العالمية على موارد الطاقة، والتحديات المرتبطة بضمان إمدادات موثوق بها، أهمية الحد من الاعتماد المفرط على مورد واحد أو طريق إمداد محدد أو مصدر بعينه للطاقة. فالتنويع ضرورة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية.

وستؤدي الطاقة النووية أيضا دورا مهما في مزيج الطاقة التركي على المدى الطويل. فهي توفر كهرباء موثوقا بها ومنخفضة الانبعاثات الكربونية، وتساند مصادر الطاقة المتجددة التي يتسم توليدها للكهرباء بالتقطع. وتسعى تركيا إلى بلوغ قدرة توليد كهربائي من الطاقة النووية تصل إلى 20 جيغاواط في عام 2050، بما يساعدها في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، ويدعم طموحاتها لتحقيق الحياد الكربوني.

من خلال الجمع بين القدرات الاستثمارية للسعودية والإمكانات الصناعية لتركيا وموقعها الاستراتيجي، نستطيع تحقيق مكاسب مستدامة لكلا البلدين

ويزيد تقادم البنية التحتية للطاقة ومنشآت توليد الكهرباء من إلحاح تحديث منظوماتنا. ويستدعي ذلك رؤية بعيدة المدى تقوم على إحلال القدرات القائمة وتحديثها، والاستثمار في تقنيات أنظف، وضمان قدرة منظومة الطاقة على تلبية احتياجات الأجيال المقبلة.

أ.ف.ب

وتشكل المعادن الحيوية ركيزة استراتيجية أخرى. فالتحول في قطاع الطاقة يعتمد على تأمين إمدادات موثوق بها ومتنوعة من المعادن والمواد اللازمة لشبكات الكهرباء، وتقنيات الطاقة المتجددة، والبطاريات، وغيرها من المنظومات المتقدمة. وفي غياب استراتيجيات فعالة للموارد المعدنية، وسلاسل إمداد قادرة على مواجهة الاضطرابات، واستثمارات ملائمة، قد تتباطأ وتيرة التحول وتتراجع القدرة على ضمان أمنه. ولهذا تسعى تركيا إلى تنمية مواردها المعدنية وتعزيز التعاون خارج حدودها.

وتجسد هذه الأولويات مجتمعة مبدأ بسيطا: أن أمن الطاقة يستلزم مزيجا واسعا ومرنا من المصادر، تدعمه البنية التحتية والتكنولوجيا وكفاءة استخدام الطاقة والتخطيط الطويل الأجل.

وتملك تركيا وجيرانها أسبابا وجيهة لتعزيز الربط الإقليمي في مجال الطاقة. فموقعنا الجغرافي يتيح فرصا لربط الدول المنتجة للطاقة بالأسواق الإقليمية والدولية، وتوفير خيارات إضافية للمستهلكين، وتنويع مصادر الإمداد.

وتسهم شبكات الربط في تنويع الإمدادات، وتحسين الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتمكين الدول من الاستجابة بفاعلية أكبر للتغيرات في العرض والطلب. وينطبق ذلك على شبكات الكهرباء والبنية التحتية للغاز الطبيعي والنفط على السواء.

وتعمل تركيا على توسيع التعاون الإقليمي في مجال الطاقة وتعميقه، وتعزيز قدرات الربط بين دول المنطقة. فالبنية التحتية العابرة للحدود قادرة على دعم التعافي الاقتصادي، والمساعدة في تحقيق التوازن بين مستويات الطلب الموسمية، وتيسير التجارة، وفتح آفاق استثمارية جديدة. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يحتاج إلى ما يتجاوز الخبرات الهندسية والتمويل، إذ يتوقف على التزام سياسي مستمر، وشراكات بناءة، وإدراك مشترك للمنافع المتبادلة.

ستؤدي الطاقة النووية أيضا دورا مهما في مزيج الطاقة التركي على المدى الطويل. فهي توفر كهرباء موثوقا بها ومنخفضة الانبعاثات الكربونية، وتساند مصادر الطاقة المتجددة التي يتسم توليدها للكهرباء بالتقطع

وتتمتع دول الخليج وجيراننا بإمكانات كبيرة لتعميق التعاون في إنتاج الطاقة ونقلها، وتطوير بنيتها التحتية، والاستفادة من التقنيات الناشئة. وإذا نجحت دول المنطقة في تنسيق أولوياتها الوطنية حيثما أمكن، وتعزيز تعاونها العملي، أمكنها تحسين أمن الإمدادات ودعم التنمية الاقتصادية.

أ.ب
يسير عمال بين الألواح الشمسية في محطة كاليون كارابينار للطاقة الشمسية في كارابينار، بولاية قونية التركية، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وينبغي أن ننظر إلى الربط الإقليمي باعتباره وسيلة لنقل الطاقة وتبادلها تجاريا، ومنطلقا لبناء الثقة، وتعميق الاعتماد المتبادل، وتحقيق منافع مستدامة على المدى الطويل. ففي عالم تسوده حالة من عدم اليقين، تغدو القدرة على التعاون الفعال رصيدا استراتيجيا بحد ذاتها.

من هنا، يتعين أن تكون استجابتنا شاملة، تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز القدرات المحلية، وتطوير بنية تحتية عالية الكفاءة، وتوفير قدرات توليد موثوق بها من المصادر التقليدية والمنخفضة الانبعاثات الكربونية، وتوسيع الترابط الإقليمي.

وبالنسبة إلى تركيا، فإن أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية وخفض الانبعاثات الكربونية أهداف متكاملة ينبغي السعي إلى تحقيقها معا. وتعكس استثماراتنا في الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، والبنية التحتية للنفط والغاز، والطاقة النووية، والمعادن الحيوية، حجم هذه المهمة واتساع نطاقها.

أما شركاؤنا في مختلف أنحاء المنطقة، فتتاح أمامهم فرص لا تقل أهمية. فتعزيز التعاون يزيد القدرة على مواجهة الاضطرابات، ويدعم النمو الاقتصادي، ويساعد المنطقة في مواصلة أداء دور بناء في تلبية احتياجات العالم المتغيرة من الطاقة.

ويتوقف مستقبل أمن الطاقة على ما نمتلكه من موارد، وعلى قدرتنا على العمل معا بفاعلية. وبإرادة سياسية راسخة، واستثمارات طويلة الأجل، وشراكات إقليمية متينة، نستطيع بناء منظومات طاقة أكثر موثوقية وتنوعا، وأشد قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

font change