فيلم "فلانة" للعراقية زهراء غندور... السيرة الذاتية مدخلا لسرد واقع البلد

تحويل التجربة الفردية إلى مرآة جماعية

Getty Images
Getty Images
المخرجة العراقية زهراء غندور

فيلم "فلانة" للعراقية زهراء غندور... السيرة الذاتية مدخلا لسرد واقع البلد

يندرج الفيلم التسجيلي العراقي "فلانة" لزهراء غندور ضمن تجارب عربية عدة، تختلف في أساليبها لكنها تتقاطع في انشغالها بالتحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة، انطلاقا من الأصوات الفردية ومن رؤى صناعها الشخصية التي تفسر من خلالها الأحداث الكبرى.

تدور أحداث الفيلم، وهو باكورة أعمال المخرجة، حول زهراء التي تعود إلى منزل طفولتها في بغداد، بحثا في قضية اختفاء صديقتها نور قبل عشرين عاما. وخلال هذه الرحلة تواجه ذكريات الماضي، ومعاناتها من آثار العنف الاجتماعي والإقصاء. وسرعان ما يتضح أمام زهراء، وأمام المشاهد، التأثير الكبير للحروب التي شهدها العراق على المجتمع بأسره، بداية من الأحداث الكبرى وصولا إلى مناوشات أسرتها أو أسرة صديقتها.

يبدو جليا أن المخرجة تنتمي إلى جيل عراقي جديد تشكل وعيه السينمائي في ظل التحولات العنيفة التي مرت بها البلاد خلال العقود الأخيرة. فلم تعد السينما بالنسبة إلى هذا الجيل ترفا جماليا بقدر ما هي وسيلة لفهم الواقع ومقاومة النسيان. هذا الجيل، الذي خرج من العراق أو عمل من داخله في ظروف إنتاج شاقة، قدم أفلاما اتسمت بالجرأة والحميمية والالتصاق بالإنسان العادي. وقد لاقى "فلانة" اهتماما نقديا لافتا عند عرضه في مهرجان تورونتو السينمائي، ونال تنويها خاصا من لجنة التحكيم خلال عرضه في الدورة الماضية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. فلم يتعامل الجمهور مع الفيلم كونه يذكرنا بالعراق فحسب، بل لأنه قدم طرحا إنسانيا تجاوز الحدود الجغرافية.

سير محجوبة

يمكن قراءة "فلانة" بوصفه امتدادا لموجة أفلام عراقية أخرى مثل "جنائن معلقة" و"من عبدول إلى ليلى" وغيرهما من أفلام انشغلت بالذاكرة الفردية والجماعية، وبأثر العنف والحروب على الحياة اليومية. السينما العراقية في السنوات الأخيرة لم تعتمد على الإمكانات الضخمة، بل على الصدق والرؤية الشخصية، والاشتغال على تفاصيل صغيرة تختزن معاني كبرى، وعلى منح صوت لمن ظلوا طويلا على هامش الحكاية الرسمية، وهو ما وظفته غندور بنجاح في فيلمها هذا.

لم يتعامل الجمهور مع الفيلم كونه يذكرنا بالعراق فحسب، بل لأنه قدم طرحا إنسانيا تجاوز الحدود الجغرافية

يأتي اختيار عنوان "فلانة"، الكلمة التي تستخدم للإشارة إلى شخص مجهول أو غير مسمى، وغالبا ما يستعاض بها عن اسم حقيقي لغيابه أو لتعميم الحكاية، ليعكس رغبة المخرجة في نقل قصة لا تخص فردا بعينه بقدر ما تمثل حالة إنسانية عامة، فـ"فلانة" هنا يمكن أن تكون أي امرأة، أي سيرة محجوبة لم تجد طريقها إلى الضوء في العراق أو في أي مكان آخر.

AFP Getty Images
زهراء غندور

هذا الغموض المقصود في العنوان يفتح المجال لتأويلات عدة، ويمنح الفيلم بعدا رمزيا، حيث يصبح العنوان مساحة فارغة يملؤها المشاهد بتجاربه وأسئلته الخاصة. في سياق الفيلم تتحول "فلانة" من مجهول لغوي إلى حضور بصري ووجداني، مما يخلق مفارقة بين التسمية المبهمة والبوح الشخصي. في هذا المعنى، يشتغل العنوان كمدخل خطابي للفيلم، ويعكس انشغاله بالهويات المنسية والأصوات التي عادة ما يشار إليها دون أن تسمى وهي هنا تخص المرأة تحديدا ثم المجتمع الأوسع الذي تعيش فيه.

يعود بنا الفيلم سنوات إلى الوراء، منطلقا من مشهد بانورامي يتنقل بين أماكن مغلقة ومفتوحة، داخل منزل المخرجة نفسه، حيث شاهدت منه حادثة خطف صديقتها عندما كانتا صغيرتين.

تعيش زهراء مع خالتها التي تبدو أما لكل فتيات الحي نتيجة عجزها عن الإنجاب. وربما كانت الخالة هي نقطة القوة الكبرى في الفيلم، فهي شاهدة أيضا على الحدث المركزي في الفيلم بالتوازي تماما مع كونها شاهدة على التحول الجذري الذي في العراق مع الاجتياح الأميركي الذي غير خريطته منذ بداية الألفية.

مشهد من فيلم "فلانة"

النصف الأول من الفيلم يمر هادئا وديعا بإيقاع مونتاجي بطيء ينقل حالة أشبه بالوجود داخل حلم ضبابي يترك شعورا بالفقد والألم والحميمية المفرطة، داخل أجواء المنزل الدافئ الذي يجعل السواد الظاهر في الحكايات والصور محتملا بعض الشيء، قبل أن يحقق الفيلم انتقالة جذرية في نصفه الثاني.

غياب وحضور

يتحول الفيلم تماما إيقاعيا وشكليا أثناء عملية البحث عن الصديقة القديمة للمخرجة، عندما تجد في طريقها فتاة في بداية العشرين من عمرها تعاني العنف والإقصاء، فتنحرف غندور عن مسار القصة الأولى ربما لما تجده من تشابه بين الماضي والحاضر، فيصبح حضور الفتاة الصغيرة موازيا لغياب الصديقة القديمة. هذا التحول في مسار الخطاب لدى الفيلم، ربما أربكه على مستويات عدة، أهمها تنقله بين حالة شعورية وطريقة تصوير في البداية تختلف نسبيا عن النهاية الى درجة قد تجعل العمل كله بمثابة فيلمين داخل فيلم واحد.

تنتقل الكادرات من الغرفة الضيقة بالمنزل التي نطل منها ببطء على كل أفكار الفيلم، إلى شكل أسرع مونتاجيا وأماكن في الشارع العراقي نرافق فيها الفتاة العشرينية التي عنفها الأهل ثم الأصدقاء وهجروها وحدها. تبدو الصورة هنا صورة بلد يبحث عن هويته أو ذاته بعد حرب شتتت الجميع، داخل المنزل وخارجه.

من فيلم "فلانة"

كما أسلفنا ينتمي "فلانة" إلى تيار الفيلم التسجيلي السيري الذاتي الذي يتقاطع فيه الخاص مع العام، وقد بات هذا الشكل حاضرا بقوة في السينما المعاصرة، خصوصا في العالم العربي، لما يتيحه من حرية تعبير وانخفاض في تكلفة الإنتاج، إضافة إلى قدرته على خلق علاقة حميمة مع المتلقي. وهنا تكمن قوة الفيلم، في قدرته على تجاوز النرجسية المحتملة لهذا النوع من الأحلام، وتحويل التجربة الفردية إلى مرآة جماعية. ورغم تشابه هذا الاتجاه مع أعمال أخرى، فإن نجاحه يظل مرهونا بصدق المقاربة وعمق الأسئلة المطروحة، لا بمجرد الكشف عن الحياة الخاصة.

تبدو الصورة هنا صورة بلد يبحث عن هويته أو ذاته بعد حرب شتتت الجميع، داخل المنزل وخارجه

بعض الارتباك البصري والخطابي في الفيلم يعوضه التساؤل من خلال هذه الأفكار، ومحورية السرد الذاتي ليس في حالة العراق فقط، بل في المنطقة العربية كلها، حتى يمكن القول إن "فلانة" هو سيرة ذاتية جماعية، ينطلق من واقع العراق لإدانة المنطقة كلها، أولا من أجل المرأة التي لا تجد مكانها وحياتها، ثم البلد الذي لا يزال يتحسس خطاه للخروج من أزماته.

font change

مقالات ذات صلة