"يونابومبر"... نبوءة عبقري رياضيات تلاحق عصر الذكاء الاصطناعي

حذر من مخاطر التكنولوجيا وقضى منتحرا

ملصق فيلم يونابومبر

"يونابومبر"... نبوءة عبقري رياضيات تلاحق عصر الذكاء الاصطناعي

لم ينجح المخرج الدنماركي يانوس ميتز بيدرسن في استثمار الزخم الدرامي الذي تنطوي عليه قصة الطالب الأميركي تيد كاتشينسكي، بمختلف تحولاتها، كي يقدم شريطا سينمائيا جذابا، عبر فيلمه "يونابومبر". لكن ما يسجل له هو أنه فتح واحدة من أكثر الملفات إشكالية وتعقيدا في التاريخ الأميركي، من الناحية الجنائية، وقبل ذلك أثار سؤالا أصبح أكثر راهنية مما كان عليه حين كتب الطالب في جامعة هارفرد، المثير للجدل، مانيفستو "المجتمع الصناعي ومستقبله"، في أواخر القرن الفائت، محذرا من قيود التكنولوجيا.

فبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على ذلك البيان الشهير، لم تعد الإشكالية تتمحور حول كيف أن التكنولوجيا تفقد الانسان استقلاليته، إذ تعمق النقاش، في عصر الذكاء الاصطناعي، نحو مساحة أكثر خطورة: ماذا يحدث للإنسان عندما تخرج التكنولوجيا عن السيطرة وتهدد بفناء البشرية، كما حذر باحثون ومختصون، أخيرا؟

هذه هي المفارقة الأكثر إثارة في الفيلم الذي يستغرق نحو 100 دقيقة نتعرف خلالها على حكاية كاتشينسكي (يؤدي دوره الممثل الكندي جيكوب تريمبلاي) الذي كتب بيانه حين كان الإنترنت يحبو، بينما كان الهاتف المحمول في بداياته كجهاز للاتصال فحسب، قبل أن يتحول، كما هو الحال الآن، إلى بوابة كاملة للعالم، ناهيك عن "الروبوتات القاتلة"، والسيارات ذاتية القيادة، والخوارزميات التي تراقب وتحدد السلوك والأذواق ونمط الحياة.

خطان زمنيان

يعتمد الفيلم على خطين زمنيين يتقاطعان وفق إيقاع مونتاجي متوازن، الأول يعود إلى كاتشينسكي الشاب في هارفرد، في الخمسينات، حيث نلتقي طالبا لامعا في الرياضيات، شديد الانطواء والحساسية، والثاني ينتقل إلى التسعينات، حين يصبح الرجل نفسه هدفا لمطاردة واسعة من جانب مكتب التحقيقات الفديرالي (إف. بي. آي) بعد سلسلة التفجيرات التي نفذها ضد أكاديميين وشركات تكنولوجيا وطيران.

في سنوات هارفرد، يستعرض الفيلم العلاقة المعقدة والخطيرة التي جمعت كاتشينسكي بالبروفسور هنري موراي (الذي يجسده راسل كرو)، حيث أخضع موراي الطالب الشاب لتجارب نفسية قاسية واختبارات ضغط تفتقر إلى المعايير الأخلاقية، في إطار مشروع سري للمخابرات الأميركية خلال الحرب الباردة، وذلك بعد صدمة نجاح المعسكر الشيوعي في غسيل أدمغة الجنود الأميركيين في حرب كوريا وتحويل ولائهم. ولهذا السبب، استغل البروفسور موراي عبقرية الطالب كاتشينسكي ليدرسه كحالة بحثية، مستهدفا تفكيك حصانته الذهنية لمعرفة كيف يمكن حماية العقول من الاختراق الفكري.

يدرك كاتشينسكي أن مواجهة هذا الوحش الطاغي ستنتهي حتما بدماره الشخصي لكنه يختار المضي في هذه المطاردة العدمية حتى النهاية

تنتهي هذه العلاقة بمواجهة مريرة يرفض فيها كاتشينسكي تشخيص موراي له بالفصام، ويغادر تاركا خلفه نسخة من رواية "موبي ديك" لهيرمان ميلفل في إحالة رمزية تختزل التحول المخيف في شخصية كاتشينسكي، فالرواية التي يتردد ذكرها في الفيلم أكثر من مرة هي بمثابة المرآة التي تعكس مسار كاتشينسكي الانتقامي، حيث يتماهى تدريجيا مع شخصية "أهاب" في هوسه لاصطياد الحوت الأبيض. ويتحول "الحوت" في وعيه من مجرد كائن بحري إلى رمز "للمنظومة التقنية الحديثة" التي انتهكت براءته. وإهداء الرواية للبروفسور، في نهاية العلاقة العاصفة، وغير المتكافئة، كان بمثابة إعلان صامت عن ولادة "يونابومبر".

 Netflix
يانوس ميتز وجايكوب تريمبلاي في فيلم «يونابومبر» (2026).

ورغم أن الـ "إف بي آي" اخترع لكاتشينسكي هذا الاسم الدال "يونابومبر" وهو اختصار لـ UNiversity and Airline BOMBER لكن لا يمكن اختزال حكايته في صورة الشرير التقليدي. كاتشينسكي لم يبدأ قاتلا، بل بدأ طالبا في هارفرد، وهي إحدى أعرق الجامعات،  قبل أن ينسحب منها تدريجيا، ويمضى في رحلة تدميرية عاتية، يسعى فيها لإغراق السفينة بمن فيها، مدركا، مثل أهاب، أن مواجهة هذا الوحش الطاغي ستنتهي حتما بدماره الشخصي لكنه يختار المضي في هذه المطاردة العدمية حتى النهاية.

تشويق مختلف

وتكمن إحدى نقاط قوة البناء الدرامي للفيلم في أن المشاهد يعرف منذ البداية المصير الذي ينتظر كاتشينسكي، الذي انتحر عن 81 عاما وهو يقضي عقوبة المؤبد، ولذلك تقوم الإثارة على الإغراق في تفكيك التحول الحاد، والتأمل عميقا في متاهات النفس البشرية، ليتحول الفيلم من مجرد مطاردة بوليسية إلى تشريح سينمائي إلى "اغتيال العقل"، حيث يصبح المشاهد شريكا في مراقبة تلك اللحظات الفاصلة التي صنعت من عبقري الرياضيات "إرهابيا"، لنكون إزاء معنى آخر للتشويق، إذ يغدو مدفوعا بفضول وجودي وفلسفي، لا بمجرد مفاجآت الحبكة.

 Handout / FBI / AFP
تيد كاتشينسكي، المعروف باسم «يونابومبر»، في صورة نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي تعود إلى أبريل 1996. نفذ حملة تفجيرات استمرت نحو عقدين، وتوفي في السجن عام 2023.

عندما نشر كاتشينسكي بيانه كان يتحدث عن التكنولوجيا بوصفها نظاما يتوسع تدريجيا حتى يصبح من الصعب على الإنسان أن يتحكم في اتجاهه، وهي نبوءة تكاد تتحقق اليوم، بشكل يثير الدهشة، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد آلات تحيط بالإنسان من الخارج، بل أصبحت جزءا من عملية اتخاذ القرار نفسها، فهي تقترح ما نشاهده، وما نقرأه، وما نشتريه، وتساعد في فرز طلبات العمل، وتنتج النصوص والصور، وتكتب البرمجيات، وتلخص المعرفة، وتدخل بصورة متزايدة في الطب والحرب والتعليم والاقتصاد والرياضة والفن، وصولا إلى احتمالات أن يتحول إلى تهديد قاتل.

بهذا المعنى، ورغم أن كاتشينسكي أثار إحدى أكثر المشكلات تعقيدا، عبر المانيفستو، لكنه قدم لها واحدة من أكثر الإجابات عنفا و"راديكالية"، وكان يمكن له أن يضع المانيفستو في مواجهة العالم، لا أن يسعى لتطبيق طروحاته بالتفجيرات.

اللغة البصرية

ما يسجل للفيلم فنيا، هو أنه ينجح في خلق مناخ بصري بارد ومشحون بالعزلة، مستفيدا من فضاءات هارفرد المغلقة في الخط الدرامي الأول، والغابات التي تحيط بالطالب المتمرد الذي اختاز العزلة والانطواء، في الخط الثاني، حيث تبدو الأمكنة، أحيانا، امتدادا للحالة الداخلية للشخصية، كما أن الإيقاع الهادئ في بعض المقاطع يمنح الفيلم فرصة للتأمل بدلا من تحويل الحكاية إلى شريط آكشن ومطاردة بوليسية صرفة.

 Netflix
راسل كرو وجايكوب تريمبلاي في فيلم «يونابومبر» (2026).

الكاميرا، في "يونابومبر"، لا تبحث عن ابتكارات بصرية، بل تميل إلى تكوينات باردة ومساحات مشبعة بالفراغ، متنقلة بين مشاهد هارفرد، حيث تبدو جمالية العمارة والنظام الأكاديمي الصارم، والإتيكيت المتبع بعناية فائقة، بينما تمنح الطبيعة المحيطة بكاتشينسكي، لاحقا، إحساسا بالبدائية وبكل ما هو بكر، لتتحول المساحات الخضراء والكوخ النائي إلى مرادف بصري للرفض المطلق لكل ما هو مصنع ومدجن.

واللافت في الحوار هو استدعاء أسماء فلاسفة وروائيين كبار مثل سقراط ونيتشه، وميلفل وغيرهم دون أن يتحول الفيلم الى استعراض معرفي فج،  بل هي حيلة إخراجية لتفكيك التركيبة النفسية والفلسفية للشخصية، فهذا الاستحضار الفكري يعكس حالة "الاغتراب الثقافي" لكاتشينسكي، فهو يعيش في فضاء يضج بالأفكار الكبرى التي يلجأ إليها ليشرعن صراعه ضد التقنية ولتبرير انفصاله عن المجتمع.

 Roy Rochlin / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
من اليسار: ديفيد ويبستر، وغاس هالبر، وجايكوب تريمبلاي، ويانوس ميتز، وأنابيل واليس خلال عرض خاص لفيلم «يونابومبر» في سينما متروغراف بنيويورك، 17 سبتمبر 2026.

على مستوى التمثيل، ينجح جاكوب تريمبلاي، في تقديم شخصية مركبة يصعب تجسيدها، بسهولة، فملامحه الجامدة وارتباكه وحركاته المتحفظة تثري الأداء، كما أن غضبه المفاجئ في مشاهد أخرى، يخلق نوعا من الصدمة، فيما يمنح راسل كرو شخصية هنري موراي حضورا "طاغيا" وملتبسا يتخطى الشخصية المرسومة في السيناريو، بينما تتبع المحققة جوان ميلر (شايلين وودلي) باندفاع وشغف خيوط قضية كاتشينسكي متجاوزة بيروقراطية المؤسسة الأمنية حتى تنجح في النهاية في تحديد موقع كوخه النائي في عزلة غابات مونتانا، والقبض عليه، مسدلة الستارة على الحكاية والفيلم معا.

لئن غادر "يونابومبر" زنزانته منتحرا، فإن سوداوية النبوءة غدت أكثر قتامة وهي تلاحق شاشاتنا

في ضوء ما سبق، فإن فيلم "يونابومبر"، على "نتفليكس"، هو أكثر من مجرد سيرة ذاتية، يكاد يكون مرثية بصرية مبكرة لعصرنا الراهن، وتكمن أهميته في إعادة إحياء "مانيفستو التسعينات" كمرآة كاشفة لمخاوف الحاضر، فالبيان الذي صاغه كاتشينسكي يتحول اليوم من تحذير فلسفي إلى سؤال وجودي حارق ومصيري، ولئن غادر "يونابومبر" زنزانته منتحرا، فإن سوداوية النبوءة غدت أكثر قتامة وهي تلاحق شاشاتنا، تاركة الإنسانية أمام المعضلة ذاتها: كيف نحتمي من وحش تكنولوجي صنعناه بأيدينا؟

font change