لم يعد السؤال الذي يواجه المزارع الفلسطيني في موسم قطف الزيتون هذا العام هو مقدار ما ستنتجه أشجاره من الثمار، أو ما إذا كانت أسعار الزيت ستعوض تكاليف الإنتاج، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل يستطيع الوصول إلى أرضه أصلا، وهل سيعود إليها في الموسم المقبل؟ ففي الضفة الغربية، حيث تشكل شجرة الزيتون جزءا من الاقتصاد الزراعي والذاكرة الاجتماعية والهوية الوطنية، يدخل موسم القطاف لعام 2026 مرحلة أكثر خطورة من مجرد الاعتداء على المزارعين أو سرقة المحاصيل، فمع اتساع البؤر الاستيطانية وتصاعد القيود على الحركة، بات الوصول إلى الأراضي الزراعية نفسها موضع نزاع يومي، في مشهد يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الاعتداءات الموسمية تتحول تدريجيا إلى وسيلة لفرض واقع جغرافي جديد.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تناولت "المجلة" كيف تحوّل موسم الزيتون إلى معركة بقاء اقتصادية وإنسانية للفلسطينيين، في ظل أزمة معيشية متفاقمة واعتداءات المستوطنين والقيود العسكرية. لكن تطورات الموسم الحالي تشير إلى أن القضية تجاوزت حماية مصدر رزق سنوي، لتطرح سؤالا أعمق يتعلق بمستقبل السيطرة على الأراضي الزراعية الواقعة قرب المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع العملية العسكرية الواسعة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية مساء الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، عقب هجوم قرب الخليل أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين. فقد شملت العملية، التي يقول الجيش إنها تستمر أياماً وتستهدف "بؤر المسلحين"، اقتحام الخليل ونابلس وطوباس وقلقيلية، وإخراج سكان حي في الخليل عبر منافذ محددة بعد تفتيشهم واستجوابهم.
ووصفها نتنياهو بأنها قد تكون الأوسع منذ حرب 1967، فيما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن "نموذج مخيم جنين" في طريقه إلى الخليل، في إشارة إلى العمليات التي أدت منذ يناير/كانون الثاني 2025 إلى نزوح عشرات الآلاف من مخيمات شمال الضفة. وتأتي العملية في ذروة موسم القطاف، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من التهجير القسري والعقاب الجماعي، ما يجعل الوصول إلى الأرض نفسها، لا محصولها فقط، رهينة للتطورات الأمنية.
موسم يبدأ بأرقام مقلقة
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، سُجِّل نحو 200 اعتداء مرتبط بموسم قطف الزيتون منذ مطلع سبتمبر/أيلول وحتى 12 أكتوبر/تشرين الأول، أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، بينها ما لا يقل عن 160 اعتداءً في الأسبوعين الأولين من أكتوبر وحدهما. ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة نهائية للموسم، الذي يستمر عادة خلال أكتوبر ونوفمبر، لكنها تجاوزت بالفعل حصيلة موسم 2025 بأكمله، البالغة 185 اعتداءً. وعلى نطاق أوسع، أفادت تقارير حقوقية بمقتل مزارع واحد على الأقل وإصابة أكثر من 240 آخرين على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال أسبوعين، ما يجعل موسم القطاف أحد أبرز مواسم الاحتكاك والعنف في الضفة الغربية.




