"حرب الزيتون" في الضفة الغربية... من سرقة المحصول إلى الاستيلاء على الأرض

الزيتون الفلسطيني تحت تهديد الاستيطان

أ.ف.ب
أ.ف.ب
يحاول مزارعون فلسطينيون محليون إخماد حرائق اندلعت في أراضيهم بقرية عصيرة القبلية وذلك بعد أن أطلق جنود من جيش الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع تجاههم أثناء قطفهم الزيتون، في 3 أكتوبر 2026

"حرب الزيتون" في الضفة الغربية... من سرقة المحصول إلى الاستيلاء على الأرض

لم يعد السؤال الذي يواجه المزارع الفلسطيني في موسم قطف الزيتون هذا العام هو مقدار ما ستنتجه أشجاره من الثمار، أو ما إذا كانت أسعار الزيت ستعوض تكاليف الإنتاج، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل يستطيع الوصول إلى أرضه أصلا، وهل سيعود إليها في الموسم المقبل؟ ففي الضفة الغربية، حيث تشكل شجرة الزيتون جزءا من الاقتصاد الزراعي والذاكرة الاجتماعية والهوية الوطنية، يدخل موسم القطاف لعام 2026 مرحلة أكثر خطورة من مجرد الاعتداء على المزارعين أو سرقة المحاصيل، فمع اتساع البؤر الاستيطانية وتصاعد القيود على الحركة، بات الوصول إلى الأراضي الزراعية نفسها موضع نزاع يومي، في مشهد يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الاعتداءات الموسمية تتحول تدريجيا إلى وسيلة لفرض واقع جغرافي جديد.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تناولت "المجلة" كيف تحوّل موسم الزيتون إلى معركة بقاء اقتصادية وإنسانية للفلسطينيين، في ظل أزمة معيشية متفاقمة واعتداءات المستوطنين والقيود العسكرية. لكن تطورات الموسم الحالي تشير إلى أن القضية تجاوزت حماية مصدر رزق سنوي، لتطرح سؤالا أعمق يتعلق بمستقبل السيطرة على الأراضي الزراعية الواقعة قرب المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً مع العملية العسكرية الواسعة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية مساء الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، عقب هجوم قرب الخليل أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين. فقد شملت العملية، التي يقول الجيش إنها تستمر أياماً وتستهدف "بؤر المسلحين"، اقتحام الخليل ونابلس وطوباس وقلقيلية، وإخراج سكان حي في الخليل عبر منافذ محددة بعد تفتيشهم واستجوابهم.

ووصفها نتنياهو بأنها قد تكون الأوسع منذ حرب 1967، فيما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن "نموذج مخيم جنين" في طريقه إلى الخليل، في إشارة إلى العمليات التي أدت منذ يناير/كانون الثاني 2025 إلى نزوح عشرات الآلاف من مخيمات شمال الضفة. وتأتي العملية في ذروة موسم القطاف، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من التهجير القسري والعقاب الجماعي، ما يجعل الوصول إلى الأرض نفسها، لا محصولها فقط، رهينة للتطورات الأمنية.

موسم يبدأ بأرقام مقلقة

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، سُجِّل نحو 200 اعتداء مرتبط بموسم قطف الزيتون منذ مطلع سبتمبر/أيلول وحتى 12 أكتوبر/تشرين الأول، أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، بينها ما لا يقل عن 160 اعتداءً في الأسبوعين الأولين من أكتوبر وحدهما. ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة نهائية للموسم، الذي يستمر عادة خلال أكتوبر ونوفمبر، لكنها تجاوزت بالفعل حصيلة موسم 2025 بأكمله، البالغة 185 اعتداءً. وعلى نطاق أوسع، أفادت تقارير حقوقية بمقتل مزارع واحد على الأقل وإصابة أكثر من 240 آخرين على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال أسبوعين، ما يجعل موسم القطاف أحد أبرز مواسم الاحتكاك والعنف في الضفة الغربية.

تحتل شجرة الزيتون موقعا استثنائيا في المجتمع الفلسطيني. فهي مصدر دخل ومؤونة منزلية، لكنها أيضا تعبير عن علاقة عائلية بالأرض تنتقل بين الأجيال

من أبو فلاح إلى بيتا: الأرض تتحول إلى ساحة مواجهة

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، سُجِّل نحو 200 اعتداء مرتبط بموسم قطف الزيتون منذ مطلع سبتمبر/أيلول وحتى 12 أكتوبر/تشرين الأول، أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، بينها ما لا يقل عن 160 اعتداءً في الأسبوعين الأولين من أكتوبر وحدهما. ولا تمثل هذه الأرقام حصيلة نهائية للموسم، الذي يستمر عادة خلال أكتوبر ونوفمبر، لكنها تجاوزت بالفعل حصيلة موسم 2025 بأكمله، البالغة 185 اعتداءً. وعلى نطاق أوسع، أفادت الأمم المتحدة بمقتل خمسة فلسطينيين وإصابة أكثر من 240 آخرين على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال أسبوعين، ما يجعل موسم القطاف أحد أبرز مواسم الاحتكاك والعنف في الضفة الغربية.

أ.ف.ب
المصورة الصحفية الأميركية هايدي ليفين، على محفة من مستشفى حكومي في مدينة رام الله بعد تعرضها لاعتداء من قبل مستوطنين أثناء قيامها بتصوير مزارعين فلسطينيين يقطفون الزيتون في قرية أبو فلاح الفلسطينية، 16 أكتوبر 2026

وأضاف حمايل لـ"المجلة" أن أهالي القرية قطفوا حتى الآن ما نسبته 8 في المئة من مجموع محصول الزيتون، أي إنهم لم يتمكنوا من قطاف أكثر من 2000 دونم من أصل 14000 دونم مزروعة بالزيتون.

وبيّن حمايل أن هذا الموسم يُعدّ الأصعب والأخطر في العقود الأخيرة، نظرا لاستغلال الجيش والمستوطنين أنظمةَ الحرب في تنفيذ اعتداءاتهم، مدعومين بالكثير من السياسات والتشريعات التي تعزّز حالات الاعتداء والإرهاب والتضييق، لا سيما إغلاق المدن والقرى وتسليم الأسلحة لميليشيات المستوطنين. والأخطر من ذلك إعفاؤهم من المساءلة والمحاكمة. وأضاف أن هذا الموسم شهد إمعانا في فرض المناطق العسكرية المغلقة على الأراضي الزراعية، مشيرا إلى أن هذه الممارسات تسعى إلى تفريغ الريف الفلسطيني من سكانه تدريجيا عبر خلق مناخ خوف دائم يجعل الوصول إلى الأرض مغامرة مكلفة.

وقال أحد أصحاب الأراضي في بيتا إن المزارعين فوجئوا بوجود مستوطنين وقوات إسرائيلية في المنطقة، وإنهم اكتشفوا إقامة منشآت وبؤر استيطانية في أراضٍ كانوا يستطيعون الوصول إليها خلال سنوات سابقة، في واقعة تكشف أن المزارع الذي يغيب عن أرضه موسما أو أكثر قد يعود ليجد أن البيئة المحيطة بها تغيرت، وأن الوصول إليها أصبح أكثر صعوبة، وأن وجوده الزراعي المتواصل لم يعد أمرا مضمونا، حيث إن اعتداء المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين قد يستمر ساعات، لكن نتائجه على استخدام الأرض قد تمتد سنوات.

هل أصبحت شجرة الزيتون هدفا سياسيا؟

تحتل شجرة الزيتون موقعا استثنائيا في المجتمع الفلسطيني. فهي مصدر دخل ومؤونة منزلية، لكنها أيضا تعبير عن علاقة عائلية بالأرض تنتقل بين الأجيال. ولذلك، فإن خسارة موسم الزيتون لا تُقاس فقط بقيمة الثمار التي لم تُقطف أو الزيت الذي لم يُنتج؛ فهناك خسائر أخرى أقل ظهورا، تشمل تعطل العناية بالأشجار، وصعوبة حراثة الأرض وتقليمها، وتراجع قدرة المزارع على متابعة ممتلكاته بصورة منتظمة. كما تزداد خطورة هذه الخسائر عندما تصبح زيارة الأرض مرتبطة بموافقات أمنية أو بمواعيد محدودة، أو عندما يضطر أصحابها إلى الاختيار بين المجازفة بالتعرض للعنف والتخلي عن محصولهم.

حتى عندما لا يكون الإنتاج الزراعي المصدر الأساسي للدخل، فإن خسارة المحصول تعني أعباء إضافية على عائلات تعاني أصلا من تراجع قدرتها الشرائية

وتكمن المخاطر المحدقة بمزارع الزيتون الفلسطيني في تعرّضه للاعتداء عليه وعلى محاصيله، وتقييد وصوله إلى أراضيه، وتغيّر أنماط سيطرة المستوطنين الفعلية على المناطق الزراعية، إذ ليس كل اعتداء دليلا بحد ذاته على وجود خطة مركزية موحدة للاستيلاء على الأرض، غير أن تكرار الاعتداءات في المناطق المحاذية للمستوطنات، بالتوازي مع توسع البؤر الاستيطانية والقيود العسكرية، يطرح سؤالا: من يستطيع العودة إلى الأرض بعد انتهاء الاعتداء؟ ومن يحدد شروط الوصول إليها في المستقبل؟

عبد الهادي عطاري من قرية عطارة شمال رام الله قال لـ"المجلة" إنه لم يتمكن حتى الآن من الوصول إلى كروم زيتونه القريبة من البؤرة الاستيطانية المقامة حديثا على أراضي القرية، لقطاف 110 شجرات زيتون هذا الموسم، خشية أن يستهدفه المستوطن الذي يسيطر على مساحة 5000 دونم في المنطقة بإطلاق النار عليه، كما حصل عندما حاول خلال الأشهر الماضية التوجه للاعتناء بأشجار الزيتون وتقليمها وحراثة الأرض وري الأشجار حديثة الزراعة.

وأضاف عطاري أن منعه من قطف الزيتون من دونمين من الأرض المزروعة، أدى إلى نقص في دخل الزيت لهذا العام بنسبة 80 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

الجيش والمستوطنون: معضلة الحماية والمساءلة

يعيش في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، نحو 779 ألف مستوطن، يتوزعون على 151 مستوطنة و350 بؤرة استيطانية، وفق أحدث البيانات المنشورة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وينشط المئات ممن يُعرفون بـ"فتيان التلال" و"فتيات التلال" في تنفيذ اعتداءات عنيفة ضد الفلسطينيين، تشمل إحراق المنازل والمركبات والمساجد والأشجار والمحاصيل الزراعية، وتحطيم المعدات الزراعية وألواح الطاقة الشمسية، وتخريب شبكات المياه، والاعتداء الجسدي على المواطنين، وصولا أحيانا إلى إطلاق النار والقتل.

تشكل العلاقة بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية إحدى أكثر القضايا حساسية في موسم الزيتون؛ فإسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل بموجب القانون الدولي الإنساني التزامات تتعلق بحماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة. وفي الوقت نفسه، تقول السلطات الإسرائيلية إنها تتعامل مع أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون باعتبارها مخالفات للقانون، وقد ظهرت هذه المواقف المتباينة بوضوح بعد اعتداءات منتصف أكتوبر، إذ أعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال عشرة مشتبه بهم على خلفية أحداث عنف شهدتها الضفة الغربية، بينها الاعتداء على المصورة الأميركية ودبلوماسيين أوروبيين.

رويترز
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر، وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل، في الضفة الغربية، 19 أكتوبر 2026

وشاركت الشرطة والجيش وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) في عملية الاعتقال، لكن السؤال الذي يطرحه تكرار هذه الحوادث هو ما إذا كانت الإجراءات الأمنية والقضائية قادرة على توفير حماية مستمرة للمزارعين، أم إنها تظل ردود فعل تأتي بعد وقوع الاعتداءات، ولا سيما عندما تحظى حادثة معينة باهتمام دولي واسع، إذ إن الفارق كبير بين اعتقال مشتبه بهم بعد الاعتداء وتمكين أصحاب الأراضي من الوصول الآمن إليها طوال الموسم.

وتتفاقم تداعيات الاعتداءات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الضفة الغربية؛ فالأسر التي فقدت جزءا من دخلها نتيجة القيود على العمل داخل إسرائيل، أو تراجع النشاط التجاري، أو اضطراب دفع رواتب القطاع العام، أصبحت أكثر اعتمادا على مصادر دخل بديلة، بينها الزراعة الموسمية. وفي هذه الظروف، لا يمثل الزيت مجرد سلعة تُباع في الأسواق، بل يشكل مخزونا غذائيا للأسرة وموردا ماليا يساعدها على مواجهة نفقات السنة.

وحتى عندما لا يكون الإنتاج الزراعي المصدر الأساسي للدخل، فإن خسارة المحصول تعني أعباء إضافية على عائلات تعاني أصلا من تراجع قدرتها الشرائية. كما أن الأضرار لا تقتصر على المزارع؛ فتعطل القطاف يؤثر في العمال الموسميين وأصحاب المعاصر ووسائل النقل والتجار، ويقلص النشاط الاقتصادي الذي يرتبط تقليديا بموسم الزيتون في القرى الفلسطينية.

بركات فلاح، صاحب معصرة زيتون في قرى شمال شرق رام الله، قال لـ"المجلة" إن نسبة الزيتون الذي أُحضر إلى معصرته منذ بداية الموسم حتى الآن لا تزيد على 25 في المئة من المحصول الذي اعتاد استقباله كل عام، مشيرا إلى أن نقص الزيتون أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الزيت.

تثير أحداث الموسم الحالي سؤالا استراتيجيا يتجاوز القطاع الزراعي، هل يمكن أن يؤدي استمرار منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم إلى تغيير السيطرة الفعلية عليها، حتى دون صدور قرارات رسمية بمصادرتها؟

وقال فياض فياض، رئيس مجلس الزيت الفلسطيني، لـ"المجلة" إن وزارة الزراعة توقعت أن يصل محصول الزيت هذا العام إلى 21 ألف طن، في حال تمكّن المزارعون من الوصول إلى أراضيهم. لكن من الواضح أن تبكير المزارعين بقطف ثمار زيتونهم قبل حلول موعد القطاف، خشية اعتداءات المستوطنين، أدى إلى الحصول على نسبة زيت بلغت 11 في المئة بدلا من النسبة الطبيعية، وهي 23 في المئة المستخلصة من الزيتون. وأضاف فياض أن سعر كيلو الزيت في شمال الضفة الغربية بلغ 13 دولارا، وفي وسطها 16 دولارا، وفي جنوبها 26 دولارا، وهي أسعار مرتفعة جدا مقارنة بأسعار السنوات الماضية.

وذكر فياض أن "حجم اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون ومزارعيها تضاعف هذا العام خمسة أضعاف مقارنة بالأعوام السابقة، إذ أُضيفت إلى الممارسات السابقة سرقة المحاصيل بعد قطافها أو قبله، وكذلك سرقة الجرارات الزراعية، وحتى الحيوانات التي يستخدمها المزارعون لنقل الزيتون من الحقل إلى بيوتهم أو إلى المعاصر، مما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج الزيت هذا العام من 21,000 طن إلى 5,000 طن فقط بسبب العراقيل والاعتداءات الإسرائيلية، ليصبح هذا الموسم أسوأ موسم قطاف زيتون منذ ستين عاما".

الانتخابات الإسرائيلية وحسابات الضفة الغربية

يتزامن موسم الزيتون هذا العام مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وهو تزامن يضيف بُعدا سياسيا إلى الأزمة؛ إذ إن مستقبل الضفة الغربية والاستيطان يمثلان جزءا من الخلافات داخل السياسة الإسرائيلية، ولا سيما بين القوى التي تدعو إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وتلك التي تركز على إدارة الصراع أو التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية مختلفة، لكن من الخطأ افتراض أن جميع اعتداءات المستوطنين مرتبطة مباشرة بالحملة الانتخابية، أو أن تغيير الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائيا إلى وقفها.

أ.ب
الفلسطينية أمل أبو عواد، البالغة من العمر 62 عاما، تجمع الزيتون خلال موسم الحصاد في بلدة ترمسعيا بالضفة الغربية، 18 أكتوبر 2026

فالكثير من العوامل التي تحدد حياة المزارعين الفلسطينيين ترتبط بسياسات وإجراءات ومواقع استيطانية قائمة، وقد تستمر آثارها بصرف النظر عن نتائج الانتخابات. ومع ذلك، فإن نتائج الاقتراع ستؤثر في طبيعة القرارات الحكومية المتعلقة بالاستيطان، وتطبيق القانون على المستوطنين، وصلاحيات الأجهزة الأمنية والإدارة المدنية في الضفة الغربية. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة إسرائيلية لن يكون في تصريحاتها بشأن العنف، بل في مدى قدرتها واستعدادها لضمان الوصول الآمن إلى الأراضي الزراعية، ومنع الاعتداءات، ومحاسبة مرتكبيها.

معصرة لزيتون الفلسطينيين المسروق وفتوى تحرّم شراء زيته

ولم تتوقف الاعتداءات على موسم الزيتون عند سرقة الثمار ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بل امتدت إلى إنشاء معصرة داخل بؤرة استيطانية مقامة على أراضي قرية اللبن الغربي، شمال غربي رام الله. وأفادت تقارير صحافية بأنها تُستخدم لعصر الزيتون المستولى عليه من الأراضي الفلسطينية وتسويق زيته بأسعار منافسة. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي، بينها "تيك توك"، مقاطع تُظهر عمليات جمع الزيتون ونقله، وسط حديث عن أكياس مختلفة الأشكال والألوان يُشتبه في أنها جُمعت من مصادر متعددة، من دون أن يثبت اختلاف الأكياس وحده مصدر الثمار. وفي تطور يعكس انتقال القضية من الاعتداء على المحصول إلى الإتجار به، أصدر المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد أحمد حسين، في 13 أكتوبر 2026، فتوى تحرّم شراء الزيتون المسروق وزيته من المستوطنين، مؤكدا أن شراء المسروق يشجع على الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين ونهب خيراتها. وهكذا، لم يعد الزيتون الفلسطيني مهددا بالسرقة من أشجاره فحسب، بل باتت هناك مخاوف من أن يعود إلى الأسواق في صورة زيت يُباع لتحقيق أرباح لا يحصل أصحاب المحصول الأصليون على شيء منها.

هل يتغير شكل السيطرة على الأرض؟

تثير أحداث الموسم الحالي سؤالا استراتيجيا يتجاوز القطاع الزراعي، هل يمكن أن يؤدي استمرار منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم إلى تغيير السيطرة الفعلية عليها، حتى دون صدور قرارات رسمية بمصادرتها؟ لا يعني تعذر الوصول إلى الأرض أن ملكيتها القانونية قد تغيرت. لكن الاستخدام المنتظم للأرض عنصر أساسي في الحفاظ على نشاطها الزراعي، وفي استمرار حضور أصحابها فيها. وعندما تتكرر الاعتداءات وتتوسع القيود، قد ينشأ واقع تصبح فيه الأرض مملوكة لأصحابها على الورق، بينما تتضاءل قدرتهم على الانتفاع بها فعليا. وتبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحا في المناطق المحاذية للبؤر الاستيطانية والطرق التي يستخدمها المستوطنون، حيث يمكن لأي تغيّر في ترتيبات الحركة والأمن أن ينعكس مباشرة على قدرة المزارعين على الوصول إلى حقولهم.

قد تنتهي عمليات قطف الزيتون خلال أسابيع، لكن الأسئلة التي أثارها موسم 2026 لن تنتهي معه

إن معضلة موسم الزيتون ينبغي أن لا تتوقف عند عدد الاعتداءات، بل يجب أن تشمل خرائط الأراضي التي أصبح الوصول إليها أصعب، والتغيرات التي طرأت على استخدامها خلال السنوات الأخيرة، ومدى ارتباط ذلك بتوسع المنشآت الاستيطانية المجاورة، إذ إن المسألة تتعلق بالجغرافيا السياسية للضفة الغربية بقدر ما تتعلق بالزراعة.

رويترز
رجال الإطفاء يخمدون سيارة محترقة بعد أن هاجم مستوطنون إسرائيليون مسلحون مجموعة من الفلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون قرب ترمس عياء في الضفة الغربية المحتلة، 16 أكتوبر2026

قد تنتهي عمليات قطف الزيتون خلال أسابيع، لكن الأسئلة التي أثارها موسم 2026 لن تنتهي معه؛ فإذا تمكن المزارعون من الوصول إلى أشجارهم في العام المقبل، فإن ذلك لن يضمن بالضرورة قدرتهم على العودة إليها في الربيع لتقليمها أو حراثتها، أو في الموسم التالي لجني محصول جديد. ولعل الفارق الأكثر أهمية بين موسمي 2025 و2026 هو أن الحديث عن "حرب الزيتون" لم يعد كافيا لوصف ما يجري؛ ففي العام الماضي، كان المزارع الفلسطيني يخوض معركة لحماية محصوله ومصدر رزقه، أما هذا العام، فإن الوقائع المتراكمة تطرح سؤالا أشد خطورة: هل سيظل قادرا على الوصول إلى الأرض التي تنتج ذلك المحصول؟ وبينما تُقاس خسائر الموسم عادة بالأطنان والأشجار والأموال، قد تكون الخسارة الأبعد أثرا هي تحوّل الوصول إلى الأرض من ممارسة طبيعية يمارسها أصحابها إلى استثناء يحتاج إلى تنسيق وحماية وموافقة؛ فالمعركة التي تبدأ حول ثمار الزيتون قد تنتهي إلى سؤال أكبر بكثير: من يملك القدرة الفعلية على البقاء في الأرض، ومن يستطيع منع أصحابها من العودة إليها؟

font change

مقالات ذات صلة