لم يكن شهود العيان من الناجين، والذين حضروا جنازة سيدة في كنيسة القديس جورجيوس بقرية حمود في محافظة الكرك الأردنية، يتوقعون أن تتحول أصوات اعتقدوا في البداية أنها ناجمة عن انفجار جهاز تكييف إلى رصاص يستهدف المشيعين، لكن إطلاق النار استمر، ووجد الحاضرون أنفسهم أمام مسلحين يطلقون النار على تجمع جنائزي، في هجوم أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين، وفق الحصيلة التي أعلنت يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول.
ومعظم الشهود أفادوا بأنهم شاهدوا أحد المسلحين بعد توقف إطلاق النار، فيما نقلت "وكالة أسوشييتد برس" عن ناجين آخرين مشاهد لمشيعين يحاولون الاحتماء بالسيارات والجدران، وسط ذهول من استهداف أشخاص تجمعوا لوداع متوفاة.
وقعت الجريمة في محافظة عرفت تاريخيا بعلاقات اجتماعية ممتدة بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما جعل وقعها يتجاوز عدد الضحايا وطبيعة الهجوم، ليطال صورة المجتمع المحلي عن نفسه، ويعيد إلى الأردن أسئلة تتصل بجذور التطرف الديني وحدود قدرة الدولة والمجتمع على مواجهته.
وحتى 25 أكتوبر، لم تكن التحقيقات قد كشفت بصورة مكتملة عن هوية المهاجمين ودوافعهم التفصيلية أو ارتباطاتهم التنظيمية، رغم وصف السلطات الأردنية الاعتداء بأنه عملية إرهابية نفذها متطرفون، وعدم إعلان أي تنظيم مسؤوليته عنه، وهو ما يجعل الربط المباشر بين الجريمة وتنظيم بعينه سابقا لنتائج التحقيق.
لكن الحدث يفتح ملفا أقدم من الجريمة نفسها، فهو يتعلق بتاريخ طويل من انتشار الأفكار الجهادية والتكفيرية في المنطقة، وبالتحولات التي شهدها المجتمع الأردني خلال العقود الماضية، وبالسؤال عما إذا كانت النجاحات الأمنية في مواجهة التنظيمات المسلحة قد رافقتها نتائج مماثلة على مستوى الوقاية الفكرية والاجتماعية.
جذور أقدم من "داعش"
يعود تشكل التيار السلفي الجهادي الأردني بصورته الحديثة إلى الثمانينات والتسعينات، حين ساهمت الحرب الأفغانية وعودة المقاتلين العرب في بناء شبكات عابرة للحدود، وأتاحت التحولات الإقليمية انتقال الأفكار الجهادية إلى مجتمعات عربية متعددة.
برز الأردن لاحقا بوصفه إحدى الساحات التي خرج منها منظّرون وقياديون مؤثرون في تاريخ الجهادية المعاصرة، وفي مقدمتهم أبو محمد المقدسي، الذي أصبح مرجعا فكريا لتيارات جهادية، وأبو مصعب الزرقاوي الذي قاد تنظيم "القاعدة" في العراق، قبل مقتله عام 2006.
وتكشف العلاقة بين الرجلين، بما شهدته من خلافات حول حدود التكفير واستهداف المدنيين، أن التيار الجهادي لم يكن كتلة فكرية متجانسة، كما تكشف الحاجة إلى التمييز بين السلفية الجهادية المسلحة والتيارات السلفية غير العنيفة، التي تختلف معها في الموقف من استخدام القوة والخروج على السلطات.



