الأردن في مواجهة التطرف... ما الذي بقي خارج المعركة الأمنية؟

وجود المبادرات والبرامج لا يكفي للحكم على نتائجها

رويترز
رويترز
نافذة محطمة في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، حيث فتح مسلحون النار خلال جنازة في اليوم السابق، في قرية حمود، الكرك، الأردن، 24 أكتوبر 2026

الأردن في مواجهة التطرف... ما الذي بقي خارج المعركة الأمنية؟

لم يكن شهود العيان من الناجين، والذين حضروا جنازة سيدة في كنيسة القديس جورجيوس بقرية حمود في محافظة الكرك الأردنية، يتوقعون أن تتحول أصوات اعتقدوا في البداية أنها ناجمة عن انفجار جهاز تكييف إلى رصاص يستهدف المشيعين، لكن إطلاق النار استمر، ووجد الحاضرون أنفسهم أمام مسلحين يطلقون النار على تجمع جنائزي، في هجوم أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين، وفق الحصيلة التي أعلنت يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول.

ومعظم الشهود أفادوا بأنهم شاهدوا أحد المسلحين بعد توقف إطلاق النار، فيما نقلت "وكالة أسوشييتد برس" عن ناجين آخرين مشاهد لمشيعين يحاولون الاحتماء بالسيارات والجدران، وسط ذهول من استهداف أشخاص تجمعوا لوداع متوفاة.

وقعت الجريمة في محافظة عرفت تاريخيا بعلاقات اجتماعية ممتدة بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما جعل وقعها يتجاوز عدد الضحايا وطبيعة الهجوم، ليطال صورة المجتمع المحلي عن نفسه، ويعيد إلى الأردن أسئلة تتصل بجذور التطرف الديني وحدود قدرة الدولة والمجتمع على مواجهته.

وحتى 25 أكتوبر، لم تكن التحقيقات قد كشفت بصورة مكتملة عن هوية المهاجمين ودوافعهم التفصيلية أو ارتباطاتهم التنظيمية، رغم وصف السلطات الأردنية الاعتداء بأنه عملية إرهابية نفذها متطرفون، وعدم إعلان أي تنظيم مسؤوليته عنه، وهو ما يجعل الربط المباشر بين الجريمة وتنظيم بعينه سابقا لنتائج التحقيق.

لكن الحدث يفتح ملفا أقدم من الجريمة نفسها، فهو يتعلق بتاريخ طويل من انتشار الأفكار الجهادية والتكفيرية في المنطقة، وبالتحولات التي شهدها المجتمع الأردني خلال العقود الماضية، وبالسؤال عما إذا كانت النجاحات الأمنية في مواجهة التنظيمات المسلحة قد رافقتها نتائج مماثلة على مستوى الوقاية الفكرية والاجتماعية.

جذور أقدم من "داعش"

يعود تشكل التيار السلفي الجهادي الأردني بصورته الحديثة إلى الثمانينات والتسعينات، حين ساهمت الحرب الأفغانية وعودة المقاتلين العرب في بناء شبكات عابرة للحدود، وأتاحت التحولات الإقليمية انتقال الأفكار الجهادية إلى مجتمعات عربية متعددة.

برز الأردن لاحقا بوصفه إحدى الساحات التي خرج منها منظّرون وقياديون مؤثرون في تاريخ الجهادية المعاصرة، وفي مقدمتهم أبو محمد المقدسي، الذي أصبح مرجعا فكريا لتيارات جهادية، وأبو مصعب الزرقاوي الذي قاد تنظيم "القاعدة" في العراق، قبل مقتله عام 2006.

وتكشف العلاقة بين الرجلين، بما شهدته من خلافات حول حدود التكفير واستهداف المدنيين، أن التيار الجهادي لم يكن كتلة فكرية متجانسة، كما تكشف الحاجة إلى التمييز بين السلفية الجهادية المسلحة والتيارات السلفية غير العنيفة، التي تختلف معها في الموقف من استخدام القوة والخروج على السلطات.

لا تقدم الدراسات المتعلقة بالتطرف في الأردن تفسيرا واحدا لتحول الأفراد نحو العنف، بل تشير إلى تداخل عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية تختلف أهميتها بحسب الأشخاص والبيئات المحلية

ومع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم الحرب السورية بعد عام 2011، اكتسبت شبكات التجنيد والتعبئة بعدا إضافيا، بعدما تحولت ساحات القتال المجاورة إلى مراكز جذب لمقاتلين من دول المنطقة، ومن بينهم أردنيون التحقوا بتنظيمات جهادية مختلفة.

لكن أهمية هذه المرحلة لا تتعلق فقط بانتقال المقاتلين، وإنما بانتقال الأفكار والخبرات والعلاقات، خصوصا مع اتساع استخدام المنصات الرقمية، التي أتاحت للجماعات المتطرفة الوصول إلى أفراد لا تجمعهم بالضرورة علاقات تنظيمية مباشرة.

وهنا تظهر واحدة من أبرز صعوبات مواجهة التطرف، فالتنظيمات قابلة للتفكيك بالملاحقة الأمنية، بينما يمكن للأفكار أن تستمر خارج البنية التنظيمية، وأن يعاد توظيفها في سياقات وأزمات مختلفة.

ثلاثة عقود من الإنذارات

في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، استهدفت تفجيرات انتحارية ثلاثة فنادق في العاصمة عمان، وأوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى، في عملية ارتبطت بتنظيم "القاعدة" في العراق، وشكلت منعطفا حاسما في تعامل الدولة الأردنية مع الإرهاب.

ثم جاءت سنوات صعود "داعش" والحرب السورية، لتشهد المملكة سلسلة من الاعتداءات والمواجهات، كان أبرزها أحداث إربد وهجوم البقعة والاعتداءات المسلحة في الكرك عام 2016، قبل تفجيرات الفحيص ومواجهات السلط عام 2018.

أ.ف.ب
الملك الأردني عبد الله الثاني أثناء وصوله مستشفى الأمير علي العسكري في الكرك، للاطمئنان على المصابين في الهجوم الذي استهدف الكنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، في 23 أكتوبر 2026

وخلال هذه المراحل، بنت المؤسسات الأمنية الأردنية خبرة متراكمة في تفكيك الخلايا ومراقبة شبكات التجنيد وضبط الحدود، مستفيدة من التعاون الاستخباري الإقليمي والدولي، ومن موقع المملكة ضمن التحالفات الدولية لمكافحة الإرهاب.

لكن تكرار ظهور مجموعات مسلحة، رغم اختلاف تكوينها وارتباطاتها، يشير إلى أن النجاح في مواجهة التنظيمات لا يلغي بالضرورة إمكانية ظهور أفراد يتبنون الأفكار نفسها أو يعيدون إنتاج تفسيرات جديدة تبرر العنف.

وبين هذه المحطات، شهد الأردن في سبتمبر/أيلول 2016 اغتيال الكاتب ناهض حتر أمام قصر العدل في عمان، بعد جدل وتهديدات على خلفية رسم كاريكاتيري نشره، في حادثة كشفت مسارا مختلفا للعنف، ينتقل فيه الخلاف الفكري والديني من الاتهام والإدانة إلى استباحة حياة المختلف.

وأثارت الجريمة حينها انتقادات حقوقية للطريقة التي عولجت بها قضية حتر قبل اغتياله، خصوصا أن ملاحقته قضائيا بسبب نشر الرسم ترافقت مع تصاعد حملة ضده، وهو ما أعاد طرح مسؤولية المؤسسات عن حماية الأفراد من التحريض والتهديدات.

ولا توجد أدلة تتيح اعتبار هذه الحوادث سلسلة تنظيمية واحدة، لكن جمعها في سياق تاريخي يكشف تنوع الأشكال التي يمكن أن يتخذها العنف المؤسس على تفسيرات دينية متطرفة.

التطرف خارج التنظيمات

لا تقدم الدراسات المتعلقة بالتطرف في الأردن تفسيرا واحدا لتحول الأفراد نحو العنف، بل تشير إلى تداخل عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية تختلف أهميتها بحسب الأشخاص والبيئات المحلية.

وفي دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت" عام 2017، تناول فيها الباحثان شون يوم وكاترينا سمور العلاقة بين تطرف بعض الشباب الأردني والتهميش وضعف الفرص الاقتصادية والتعليمية والمشاركة السياسية، مع لفتة مهمة في الدراسة إلى محدودية المقاربات التي تفصل الظاهرة عن ظروفها الاجتماعية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، نشر مشروع "CONNEKT" البحثي الأوروبي دراسة عن دوافع التطرف في الأردن، تضمنت حالات بحثية في الكرك وشمال المملكة ومعان، وركزت على التفاعل بين سبعة عوامل تشمل الدين والحرمان الاقتصادي والمظالم السياسية والثقافة والمعرفة الرقمية والتفاوت الجغرافي والتأثيرات العابرة للحدود.

لم يقتصر تعامل الأردن مع التطرف على الإجراءات الأمنية، فقد شهدت المملكة مبادرات في مجال الخطاب الديني والتعليم والوقاية

ولا تعني نتائج هذه الدراسات أن الفقر أو البطالة ينتجان الإرهاب، كما لا تثبت أن الظروف التي رصدتها تفسر جريمة حمود، لكنها تشير إلى أن التجنيد المتطرف يحتاج إلى فهم السياقات التي يعيش فيها الأفراد، والكيفية التي يمكن أن تستثمر بها الشبكات المتشددة مشاعر الاغتراب أو التهميش.

وفي المقابل، يبرز دور التنشئة الدينية والاجتماعية بوصفه أحد الملفات الأكثر حساسية، ليس لأن التدين المحافظ يقود بالضرورة إلى التطرف، وإنما لأن صورة المختلف دينيا أو فكريا تتشكل منذ المدرسة والأسرة والمنبر، ثم تتأثر بالمحتوى الذي يتعرض له الأفراد في الفضاء الرقمي.

وهنا يصبح السؤال متعلقا بمدى قدرة مؤسسات التعليم والإرشاد الديني على ترسيخ المواطنة المتساوية وقبول الاختلاف، وبالفرق بين الدعوة إلى التسامح بوصفها قيمة أخلاقية وبين الاعتراف بحقوق الآخرين بوصفه التزاما أصيلا لا يتوقف على الاتفاق معهم.

حين تنتقل الكراهية إلى الفضاء الرقمي

قبل ثمانية أشهر من هجوم كنيسة حمود، نشر "معهد الحوار الاستراتيجي" في فبراير/شباط 2026 دراسة حول التعصب الديني والطائفي في الفضاء الرقمي الأردني، رصدت أنماطا من خطاب الكراهية والإقصاء والإهانة الموجهة إلى جماعات دينية ومذهبية.

أ.ف.ب
القوى الأمنية والأهالي يتجمعون في محيط كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن، في 23 أكتوبر 2026

وشملت الدراسة 3430 منشورا وتعليقا على منصة "إكس" خلال الفترة بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، ووجدت أن الخطاب المتطرف في بعض النقاشات يتأثر أيضا بالتطورات الإقليمية، ومنها الحرب على غزة والتصعيد بين إسرائيل وإيران وأحداث السويداء السورية.

وتكتسب النتائج أهميتها من أنها توثق وجود لغة إقصائية تتجاوز الخلاف العقائدي إلى الانتقاص من جماعات بسبب هويتها، دون أن تقدم دليلا على انتشار هذه المواقف بين الأردنيين عموما، أو على وجود علاقة مباشرة بينها وبين العنف المسلح.

لكنها تطرح سؤالا حول المسافة بين انتشار خطاب ينزع الشرعية عن المختلف وبين ظهور أفراد مستعدين لترجمة بعض هذه الأفكار إلى سلوك عنيف، وهي مسافة لا يمكن قياسها بمجرد رصد المنشورات، وإنما تحتاج إلى دراسات تتبع مسارات التطرف الفردي وشبكات التأثير.

كما تطرح تحديا أمام الدولة، يتعلق بالتمييز بين الاختلاف الديني المشروع، مهما بلغت حدته، وبين التحريض الذي يتضمن التهديد أو الدعوة إلى العنف، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى التضييق على التعبير دون معالجة مصادر التطرف الفعلية.

ما الذي بقي خارج المعركة الأمنية؟

لم يقتصر تعامل الأردن مع التطرف على الإجراءات الأمنية، فقد شهدت المملكة مبادرات في مجال الخطاب الديني والتعليم والوقاية، أبرزها رسالة عمان عام 2004، التي سعت إلى تأكيد الاعتدال ورفض التكفير، إلى جانب سياسات لاحقة تستهدف مكافحة التطرف العنيف وتعزيز دور المؤسسات الدينية والشبابية.

غير أن وجود المبادرات والبرامج لا يكفي للحكم على نتائجها، ما لم تتوافر تقييمات مستقلة تقيس أثرها في اتجاهات الشباب، وفي الحد من التحريض والتجنيد، وفي بناء القدرة المجتمعية على مقاومة الأفكار المتطرفة.

لم يعد التحدي الأردني مقتصرا على اكتشاف الجماعات المسلحة وتعقب أفرادها، وإنما يشمل أيضا قياس مدى نجاح التعليم والثقافة والخطاب الديني والسياسات الاجتماعية في مواجهة الأفكار التي تشرعن إقصاء المختلف

وتتوزع المسؤوليات بين وزارات الأوقاف والتربية والشباب والثقافة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني، فيما يظل التنسيق بين هذه الجهات، وقياس نتائج تدخلاتها، جزءا أساسيا من أي مراجعة جدية لسياسات الوقاية.

وتكشف هذه المعادلة اختلافا بين طبيعة العمل الأمني والعمل الاجتماعي، فالأول يستطيع تقديم نتائج ملموسة تتمثل في إحباط عمليات واعتقال مطلوبين وتفكيك خلايا، بينما تحتاج الوقاية إلى سنوات من العمل المتواصل قبل أن يمكن تقييم أثرها.

لذلك فإن استمرار خطر الإرهاب لا يمثل وحده دليلا على فشل البرامج الوقائية، لكنه يمنح مبررا قويا لإعادة فحصها، ومعرفة ما الذي تحقق فعليا، وما الذي بقي في حدود الخطط والشعارات.

الكرك والسؤال الذي لا ينتهي

تعيدنا جريمة حمود بالأردن إلى محافظة الكرك، التي شهدت في ديسمبر 2016 هجوما إرهابيا آخر، لكنها تعيدنا هذه المرة إلى مشهد مختلف، حيث استهدف مسلحون تجمعا دينيا واجتماعيا في مجتمع يرتبط تاريخيا بعلاقات وثيقة بين المسلمين والمسيحيين.

رويترز
عناصر أمن يقفون خارج كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، حيث أطلق مسلحون النار خلال مراسم جنازة في اليوم السابق، في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن، 24 أكتوبر 2026

ولا تثبت الجغرافيا المشتركة وجود علاقة بين الاعتداءين، كما أن استهداف الكنيسة لا يعني أن البيئة المحلية حاضنة للتطرف، خصوصا أن الجريمة أثارت رفضا واسعا وإدانات رسمية ودينية واجتماعية.

لكن المفارقة تبقى قائمة، إذ يمكن لمجتمع يمتلك تقاليد راسخة من الانسجام المجتمعي أن يواجه عنفا يستند إلى أفكار تناقض هذه التقاليد، وهو ما يكشف أن التماسك الاجتماعي، على أهميته، لا يوفر حصانة تلقائية من ظهور أفراد يتبنون فكرا متطرفا.

وبينما تتواصل التحقيقات وملاحقة المتورطين في الاعتداء، تعيد الجريمة فتح سؤال يتجاوز الكنيسة والكرك، يتعلق بقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من الاستجابة للإرهاب بعد وقوعه إلى فهم المسارات التي يمكن أن تقود إليه قبل حدوثه.

فبعد ثلاثة عقود من المواجهات الأمنية والدينية والفكرية، لم يعد التحدي الأردني مقتصرا على اكتشاف الجماعات المسلحة وتعقب أفرادها، وإنما يشمل أيضا قياس مدى نجاح التعليم والثقافة والخطاب الديني والسياسات الاجتماعية في مواجهة الأفكار التي تشرعن إقصاء المختلف.

وفي كنيسة حمود، حيث تحول وداع امرأة متوفاة إلى مأساة وطنية، بدا أن السؤال الذي تركه المسلحون وراءهم لا يتعلق فقط بكيفية وصولهم إلى المكان، بل أيضا بكيفية نشوء قناعة تجعل استهداف مشيعين أمرا ممكنا، وبما تستطيع الدولة والمجتمع فعله حتى لا تتحول الكراهية، مرة أخرى، إلى رصاص قاتل.

font change

مقالات ذات صلة