ميناء عصب... مخاطر تحول النزاع بين إثيوبيا وإريتريا إلى حرب إقليمية

إرث الاستقلال وصراع النفوذ على البحر

"ويكيميديا كومنز"
"ويكيميديا كومنز"
صورة بالألوان الاصطناعية للمنطقة المحيطة بمدينة عصب الساحلية وساحل البحر الأحمر، استناداً إلى بيانات صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة في 23 أكتوبر 2019

ميناء عصب... مخاطر تحول النزاع بين إثيوبيا وإريتريا إلى حرب إقليمية

لم يعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا حول ميناء عصب مجرد نزاع بشأن استخدام منشأة بحرية أو تأمين منفذ للتجارة الدولية، بل أصبح تعبيراً عن تناقض بنيوي بين دولتين خرجتا من تجربة تاريخية مشتركة، لكنهما انتهتا إلى تصورين متعارضين لمعنى السيادة، والأمن، والحدود، والدولة.

فبالنسبة لإثيوبيا، يمثل ميناء عصب فقداناً تاريخياً للوصول المباشر إلى البحر، وهو ما تحول مع النمو السكاني والاقتصادي إلى مصدر قلق استراتيجي. وبالنسبة لإريتريا، يمثل الميناء جزءاً من السيادة الوطنية التي تحققت بعد حرب استقلال طويلة، وليس أصلاً اقتصادياً يمكن فصله عن استقلال الدولة نفسها. وتزداد خطورة هذا التناقض، حين تتداخل المصالح الاقتصادية مع صراعات السلطة الداخلية وشبكات التحالفات الإقليمية والتدخلات الخارجية، في منطقة تعاني أصلاً من تآكل مؤسسات الدولة واستمرار النزاعات المسلحة.

تعود الجذور الحديثة لهذه المعضلة إلى التوسع الاستعماري الإيطالي في القرن التاسع عشر. فقد بدأت السيطرة الإيطالية على عصب عام 1869، عبر شركة الملاحة روباتينو التي تحصلت على حق إدارة الميناء من السلطات المحلية، قبل أن تنتقل هذه الإدارة إلى الدولة الإيطالية عام 1882، ويصبح الميناء جزءاً من مستعمرة إريتريا الإيطالية التي أُعلنت عام 1890. وجاء هذا التوسع في سياق افتتاح قناة السويس سنة 1869، وتزايد التنافس الأوروبي على الموانئ، والممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر.

فقدت إيطاليا السيطرة على شرق أفريقيا، وانتقلت إدارة عصب- بل إريتريا كلها- إلى الاحتلال البريطاني في عام 1941، ثم أصبح موضوع إدارتها محلاً للمداولات الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى 2 ديسمبر/كانون الأول 1950، عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 390 الذي أوصى بإقامة اتحاد فيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا، ودخل هذا الترتيب حيز التنفيذ عام 1952.

أ.ف.ب
قوارب وعددٌ من الزوارق في ميناء مصوع الإريتري على البحر الأحمر، في 18 نوفمبر 2007

جمعت هذه الترتيبات بين مبدأين:

الاعتراف بالحاجة المشروعة لإثيوبيا إلى وصول كافٍ إلى البحر.

منح إريتريا حكماً ذاتياً بمؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية في الشؤون الداخلية، ضمن اتحاد فيدرالي تحت سيادة التاج الإثيوبي.

لم يمنح القرار إثيوبيا ملكية أبدية منفصلة لميناء عصب، لكنه لم يكن أيضاً مجرد اتفاق تجاري بين دولتين مستقلتين، بل أنشأ اتحاداً ذا سيادة اتحادية، واختصاصات محددة، وحكم ذاتي إريتري. وهذه الدقة القانونية ضرورية عند تقييم الروايات المتعارضة فيما يخص القضية اليوم.

جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر 2025 ليخلق مزيداً من التعقيدات. ولكن في المحصلة تعثرت محاولة إثيوبيا في الحصول على منفذ سيادي عبر الساحل الصومالي

غير أن الإمبراطور هيلا سيلاسي أخذ تدريجياً في تقويض هذه المؤسسات، حتى ألغى النظام الفيدرالي وضم إريتريا بصورة كاملة عام 1962، وكان الكفاح المسلح الإريتري من أجل الاستقلال قد بدأ بالفعل منذ عام 1961.

سقطت الإمبراطورية الإثيوبية في ثورة 1974، وتولى نظام منغستو هيلا ميريام العسكري إنتاج السيطرة المركزية باستخدام القوة. وفي مواجهة هذا النظام، نشأ تعاون سياسي وعسكري بين "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، التي كانت تخوض حرباً موازية لإسقاطه.

وقد أسهم النضال المشترك في هزيمة منغستو عام 1991، لكنه أخفى اختلافاً جوهرياً بين المشروعين السياسيين: فالجبهة الإريترية كانت تسعى إلى تأسيس دولة مستقلة، بينما كانت الجبهة التيغراوية تستهدف إسقاط النظام، وإعادة تشكيل السلطة داخل الدولة الإثيوبية. لقد وحدهما العدو المشترك، لكن الانتصار عليه كشف تناقضاً بين مشروعين لبناء الدولة.

وهكذا جاء استقلال إريتريا عام 1993، عبر استفتاء شعبي حظي بموافقة الحكومة الإثيوبية الجديدة حينها، بقيادة ملس زيناوي، واعتراف المجتمع الدولي. لكنه أحدث في الوقت نفسه تحولاً استراتيجياً كبيراً، إذ أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، بعد فقدان وصولها المباشر إلى ساحل البحر الأحمر. ومع ذلك، لم يؤد الاستقلال تلقائياً إلى انقطاع وصولها التجاري إلى البحر، فقد استمرت في استخدام ميناء عصب بموجب تفاهمات مع إريتريا، قبل أن تؤدي الخلافات الاقتصادية والحدودية والسياسية إلى حرب 1998-2000. تلك الحرب التي انتهت باتفاق الجزائر، وقرار لجنة الحدود عام 2002، لكن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة طويلة من العداء، وانتقل الاعتماد التجاري الإثيوبي بصورة شبه كاملة إلى جيبوتي.

أصبحت هذه الجغرافيا أكثر تعقيداً مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية اللاحقة. فإثيوبيا اليوم دولة يتجاوز سكانها 135 مليون نسمة، وتسعى إلى توسيع اقتصادها الصناعي، وزيادة تجارتها الدولية، بينما تعتمد على جيبوتي في مرور أكثر من 90 في المئة من تجارتها الخارجية. ويخلق هذا الاعتماد اختلالاً اقتصادياً حقيقياً، من حيث تكاليف النقل والخدمات المينائية، وهشاشة سلاسل الإمداد، والتعرض للتغيرات السياسية والأمنية في دولة العبور.

ومن الطبيعي أن تسعى دولة بهذا الحجم إلى تنويع منافذها البحرية وتأمين وصول مستقر إلى الأسواق العالمية. لكن الحاجة الاقتصادية، مهما بلغت مشروعيتها، لا تنشئ حقاً سيادياً في أراضي دولة أخرى. فهناك فارق جوهري بين حق الوصول إلى البحر، وحق امتلاك الساحل، وبين تأمين التجارة وإعادة رسم الحدود.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، تقديم الوصول إلى البحر الأحمر، باعتباره ضرورة وجودية ترتبط بمستقبل الدولة الإثيوبية وأمنها. ولم يعد الخطاب مقتصراً على تحسين ترتيبات العبور التجاري، بل امتد إلى المطالبة بمنفذ سيادي، وقدرات بحرية، واستحضار التاريخ لتصوير فقدان الساحل، بوصفه خطأ ينبغي تصحيحه.

وتزامن هذا الخطاب مع أزمات داخلية حادة تواجه الدولة الإثيوبية، خصوصاً في مناطق التيغراي والأمهرا والأرومو، ومع مساعٍ من آبي أحمد لإعادة تركيز السلطة المركزية، وإلغاء نموذج الفيدرالية الإثنية، الذي اعتمدته إثيوبيا منذ عهد ملس زيناوي.

حاولت أديس أبابا تحقيق هذا الهدف عبر مسار بديل، عندما وقعت مذكرة تفاهم مع سلطات أرض الصومال في يناير/كانون الثاني 2024، تضمنت مقترحات للحصول على منفذ ساحلي وإنشاء منشأة بحرية مقابل احتمال الاعتراف باستقلال الإقليم. لكن الاتفاق اصطدم برفض الحكومة الصومالية، التي اعتبرته انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها، وأثار توترات إقليمية واسعة. وأسفرت الوساطة التركية عن إعلان أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2024، الذي أقر إمكان حصول إثيوبيا على وصول تجاري مستدام تحت السيادة الصومالية، دون أن يمنحها منفذاً سيادياً. وجاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر 2025 ليخلق مزيداً من التعقيدات. ولكن في المحصلة تعثرت محاولة إثيوبيا في الحصول على منفذ سيادي عبر الساحل الصومالي.

نزع فتيل هذه الحرب لا ينبغي أن يُترك للمفاوضات الثنائية وحدها، ولا للمبادرات المتفرقة التي تقودها القوى الخارجية وفق مصالحها الخاصة

أعاد هذا التعثر التركيز على ميناء عصب، الذي يحتل موقعاً مختلفاً في الذاكرة السياسية الإثيوبية، لكنه جاء أيضاً في سياق تعقيدات انهيار المصالحة الإثيوبية-الإريترية التي بدأت عام 2018. تحول ذلك التقارب بين أديس أبابا وأسمرا، إلى تحالف عسكري ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" خلال حرب 2020-2022، قبل أن يوقع "اتفاق بريتوريا"، الذي أنهى تلك الحرب، دون مشاركة إريتريا، مما أحدث شرخاً عميقاً في العلاقات. وبدلاً من أن تؤسس مصالحة 2018 لمنظومة مستقرة من المصالح الاقتصادية والضمانات الأمنية المتبادلة، بقيت رهينة لتقاطع مصالح القيادتين وحساباتهما تجاه الخصوم الداخليين. ومع تفكك ترتيبات "اتفاق بريتوريا"، برز تقارب جديد بين إريتريا وقطاعات من "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، رغم العداء الدموي الذي جمعهما قبل سنوات قليلة.

دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة مع تجدد القتال الواسع في تيغراي في سبتمبر/أيلول 2026، وتقدم القوات الفيدرالية الإثيوبية، وسيطرتها على مقلي (عاصمة التيغراي)، واقتراب العمليات العسكرية من الحدود الإريترية. وقطعت كل من أديس أبابا وأسمرا علاقاتها الدبلوماسية مع الأخرى، وتبادلتا اتهامات التدخل العسكري ودعم الجماعات المسلحة والعدوان. واستندت إثيوبيا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في تبرير إجراءات قالت إنها تتخذها دفاعاً عن النفس، بينما اتهمت إريتريا أديس أبابا باستخدام هذه الادعاءات غطاءً للتحضير لحرب تستهدف السيطرة على عصب. وقد زادت التحركات العسكرية وتبادل التهديدات من احتمالات المواجهة المباشرة.

أ.ف.ب
بحَار ينقل زواراً على شاطئ بالقرب من ميناء مصوع القديم، على بعد 60 كيلومتراً من العاصمة الإريترية، ومدنيين قادمين من إثيوبيا لزيارة جزر دهلك بإريتريا

ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن شبكة المصالح والتحالفات الخارجية، إذ ترتبط إثيوبيا بعلاقات وثيقة مع الإمارات، التي طورت نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً واسعاً في موانئ القرن الأفريقي، وشبكات الإمداد الإقليمية، بينما جاء الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال بوصفه إشارةً واضحة لدعم التوجهات الإثيوبية في الوصول البحري عبرها.

بالنسبة للسودان تمثل الحرب الإثيوبية-الإريترية المحتملة تهديداً مباشراً لكيانه المنهك بالحرب، إذ تتشابك على حدوده الشرقية وجود ميليشيا "الدعم السريع" وشبكات إمدادها. وأوردت مجموعة الأزمات الدولية تقارير عن تمركز قوات الميليشيا في منطقة بني شنقول-قمز قرب الحدود، وتشن هجماتها من هناك على النيل الأزرق.

وفي حال اندلاع الحرب، ستتفاقم هذه التهديدات بعسكرة الحدود، وتدفق السلاح والمقاتلين، واتساع النزوح، بما يفاقم أعباء السودان لحماية حدوده وإدارة أزمته الإنسانية. وقد يرتبط عندئذ مصير الحرب السودانية بالمواجهة الإثيوبية-الإريترية، فتندمج النزاعات المتداخلة في منظومة إقليمية واحدة ترتهن تسوياتها لمصالح الأطراف المتدخلة.

ولا تقتصر التداعيات على السودان، فالحرب المحتملة تقع في أحد أكثر المجالات الجيوسياسية حساسية في العالم، حيث يتصل القرن الأفريقي بالبحر الأحمر وباب المندب، وتلتقي طرق التجارة الدولية بمصالح القوى الإقليمية والدولية. وأي توسع للقتال نحو الساحل الإريتري، سيزيد من تهديدات أمن الموانئ والملاحة، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويضيف مصدراً جديداً لعدم الاستقرار إلى الممر البحري، الذي يعاني بالفعل من تداعيات الصراع في اليمن.

كما يمكن أن تنتقل الاضطرابات إلى جيبوتي والصومال، وأن تتسع المنافسة العسكرية بين القوى الخارجية على ضفتي البحر الأحمر. وعندئذ لن تكون الحرب مجرد مواجهة حدودية بين دولتين، وإنما أزمة تمس منظومة التجارة والأمن البحري في منطقة تمتد آثارها إلى الاقتصاد الدولي.

لهذه الأسباب، فإن نزع فتيل هذه الحرب لا ينبغي أن يُترك للمفاوضات الثنائية وحدها، ولا للمبادرات المتفرقة التي تقودها القوى الخارجية وفق مصالحها الخاصة. تحتاج دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى موقف إقليمي منظم يستند إلى احترام سيادة الدول وحدودها، ورفض استخدام أراضي أية دولة لتهديد جيرانها، والامتناع عن تمويل الجماعات المسلحة وتسليحها أو توفير الملاذات والقدرات العسكرية لها.

وتقع على الاتحاد الأفريقي مسؤولية مباشرة في تحويل دعواته إلى ضبط النفس إلى مبادرة دبلوماسية عاجلة، تعيد فتح قنوات الاتصال بين أديس أبابا وأسمرا، وتضع ترتيبات قابلة للتحقق لمنع الاحتكاك العسكري على الحدود، وتدعم استئناف المسار السياسي لمعالجة النزاع في التيغراي.

بالنسبة لدول المنطقة، وفي مقدمتها السودان، فإن منع الحرب ليس مجرد تضامن مع طرف أو تخوف من آخر، بل ضرورة لحماية أمنها وسيادتها من اتساع منظومة الحروب والتدخلات الخارجية

كما تقع على دول المنطقة مسؤولية التعامل مع الأزمة باعتبارها تهديداً مشتركاً للاستقرار الإقليمي، لا فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة عبر حرب جديدة. ويمكن للسعودية وتركيا، بحكم علاقاتهما ونفوذهما الإقليمي، أن تسهما في بناء تفاهمات، لخفض التصعيد وضمان أمن البحر الأحمر.

أما القوى الخارجية المنخرطة في شبكات النفوذ والتسليح في المنطقة، فينبغي أن يكون وقف أي دعم عسكري يؤجج المواجهة جزءاً أساسياً من الالتزامات المطلوبة منها. ويجب أن يتجاوز هذا الالتزام البيانات الدبلوماسية إلى إجراءات فعلية، تمنع تدفق الأسلحة والمقاتلين والتمويل إلى أطراف النزاعات، وتخضع للمراقبة الدولية. فلا يمكن بناء أمن إقليمي مستقر، بينما تستمر بعض القوى في الدعوة إلى السلام سياسياً، وتوفير الوسائل التي تطيل الحروب عسكرياً.

أما بالنسبة لحلول جذور المشكلة، فلا يوجد تعارض قانوني ضروري بين حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر وحق إريتريا في السيادة على أراضيها. فالقانون الدولي يعترف بالمصالح المشروعة للدول الحبيسة وحقوق العبور، لكنه لا يمنحها حق الاستيلاء على أراضي الدول الساحلية. كما أن مبدأ احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، يشكل أحد الأسس الرئيسة للنظام الإقليمي الأفريقي، وحظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، يضعان حدوداً واضحة للمطالبات الإقليمية.

أ.ف.ب
سفن الشحن ترسو في ميناء جيبوتي الذي يُعد المركز الاقتصادي الرئيسي للبلاد، جيبوتي، 9 أبريل 2026

ويمكن للتفاهمات التعاقدية والاستثمارات المشتركة والترتيبات الأمنية المتبادلة، أن توفر حلولاً عملية لمشكلة الوصول إلى البحر، دون إعادة فتح النزاع على السيادة.

وتكمن المفارقة التاريخية في أن إثيوبيا وإريتريا سبق أن أثبتتا إمكانية الجمع بين استقلال الأخيرة، واستخدام الأولى لميناء عصب. ولم يكن ما أنهى هذه العلاقة هو الجغرافيا، وإنما انهيار التفاهمات السياسية والأمنية بين الدولتين. واليوم، فإن استعادة القدرة على التعاون تتطلب أكثر من اتفاق مينائي جديد، بل يحتاج إلى معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة، وضمانات دولية له.

إن عصب ليست مجرد ميناء تتنازع عليه دولتان، بل اختبار لمستقبل النظام السياسي والأمني في القرن الأفريقي؛ فحاجة إثيوبيا إلى البحر حقيقة اقتصادية واستراتيجية، لكن تحويل هذه الحاجة إلى مطالبة بالسيادة لا يعالج المشكلة الاقتصادية، بقدر ما يفتح نزاعاً جديداً حول الحدود والشرعية. وبالنسبة لإريتريا، فإن حماية استقلالها وسيادتها لا تتعارض مع إنشاء علاقات اقتصادية طبيعية ومستقرة مع جارتها الكبرى.

أما بالنسبة لدول المنطقة، وفي مقدمتها السودان، فإن منع الحرب ليس مجرد تضامن مع طرف أو تخوف من آخر، بل ضرورة لحماية أمنها وسيادتها من اتساع منظومة الحروب والتدخلات الخارجية. وفي منطقة أنهكتها الصراعات المسلحة وانهيار المؤسسات، فإن الخطر الأكبر ليس بقاء إثيوبيا دولة حبيسة، وإنما أن تؤدي محاولة تغيير هذه الحقيقة الجغرافية بالقوة إلى إشعال حرب إقليمية جديدة، تكون كلفتها على الجميع أكبر بكثير من المصالح التي يُراد تحقيقها من خلالها.

font change

مقالات ذات صلة