من بابك إلى الحوثي... حركات تمزج الثأر السياسي بالعقيدة الدينية

قرون من حرب الجبال على الدولة

Al Majalla
Al Majalla

من بابك إلى الحوثي... حركات تمزج الثأر السياسي بالعقيدة الدينية

تعرف الدول كيف تواجه الجيش الذي يأتيها من وراء الحدود، فهو عدو ظاهر، له قيادة وجبهة وخطوط إمداد. أما الخطر الأعقد فهو الجماعة التي تنشأ داخل الدولة، وتتخذ العقيدة راية لها، والجبل حصنا، والزمن سلاحا. جماعة لا تحتاج إلى نصر حاسم، فمجرد بقائها يستنزف الدولة، ويقيم إلى جوار سلطتها سلطة أخرى تنازعها الأرض، والناس، والشرعية.

ثورات لا تنطفئ

ليست هذه الظاهرة وليدة عصرنا، فقد عرفتها الدولة العباسية منذ سنواتها الأولى، فما كادت الخلافة تستقر حتى توالت عليها في الأقاليم الإيرانية حركات تمزج الثأر السياسي بالمعتقد الديني، فخرج سنباذ سنة 137هـ "يطالب بدم أبي مسلم الخراساني" وغلب على نيسابور وقومس والري، وخرج أستاذسيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان سنة 150هـ، ثم ظهر المقنع في نواحي مرو سنة 161هـ يقول بتناسخ الأرواح ويعود بها إلى نفسه.

وقد بلغ من تتابع هذه الثورات الفارسية أنها أصبحت جزءا من ذاكرة الدولة العباسية، ففي سنة 193هـ، حين اضطرب أمر المأمون في خراسان، أراد الفضل بن سهل أن يطمئنه، فذكره بأن الدولة "لم تكن قط أعز منها أيام أبي جعفر المنصور"، ومع ذلك خرج عليها المقنع مدعيا الربوبية، ويوسف البرم، وأستاذسيس داعيا إلى الكفر، وفي كل مرة "كفى الله المؤنة". كان الوزير يستحضر هذه الثورات دليلا على قدرة الدولة على تجاوز الفتن، وأن هذه الجماعات العقائدية طال الزمن أو قصر هي آيلة الى السقوط والزوال.

عشرون عاما في الجبل

غير أن تلك الحركات على كثرتها كانت قصيرة الأعمار في الغالب، فبين خروج سنباذ ومقتله سبعون ليلة كما يذكر الطبري، وهزم أستاذسيس في العام التالي لخروجه، ولم يلبث المقنع أن هلك محاصرا في قلعته بكش سنة 163هـ. أما بابك الخرمي الذي خرج في أذربيجان سنة 201هـ، فقد ظل عشرين عاما يحارب جيوش الدولة، ويقيم سلطته في وجه الخلافة، فكانت حركته من أخطر الحركات المتمردة التي واجهت الدولة العباسية، وفيها انتقل التمرد العقائدي من انتفاضة عابرة إلى حرب استنزاف طويلة.

كان الوزير يستحضر هذه الثورات دليلا على قدرة الدولة على تجاوز الفتن، وأن هذه الجماعات العقائدية طال الزمن أو قصر هي آيلة الى السقوط والزوال

وسر خطورتها تجلى في ثلاثة عناصر اجتمعت لبابك ولم تجتمع لمن سبقه، أولها الدعاية العقائدية. فقد ادعى، كما يروي الطبري، أن روح جاويدان الإيراني دخلت فيه، فصار وارثا لزعامة روحية قبل أن يكون قائدا عسكريا. والطاعة التي تصنعها هذه الدعاية تصنع ولاء يعلو على الوطن، فتنقلب بأتباعها على دولتهم ومجتمعهم.

Wikimedia Commons
قلعة بابك

لم تكن هذه الدعاية لتصمد لولا الجبال التي يتحصنون بها، وهذا هو العنصر الثاني. فقد اتخذ بابك من البذ في جبال أذربيجان قاعدة له، فحول التضاريس إلى حليف، وصارت الجيوش العباسية تتقدم في أرض صعبة وعرة. وهكذا حارب جيوش الخلافة، وأهلك الحرث والنسل، ويذكر ابن الجوزي أن بابك قتل في تلك السنين من الناس قرابة مئتين وخمسة وخمسين ألف إنسان.

من جبال فارس إلى جيش الروم

وحين أحكمت الدولة العباسية قبضتها على الخرمي المتمرد، وبدأت الأرض تضيق به، لجأ إلى العنصر الثالث، وهو أخطرها: "الحليف الخارجي"، فحين ضيق عليه الأفشين -قائد جيوش الخليفة المعتصم- وأيقن بالضعف، كتب إلى ملك الروم توفيل (الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس) يخبره أن "ملك العرب" قد وجه عساكره إليه ولم يبق على بابه أحد، يحرضه على الغزو ليخفف الضغط عنه. فخرج توفيل إلى زبطرة سنة 223هـ وأوقع بأهلها.

هنا تنكشف طبيعة هذه الجماعات الخارجة على سلطة الدولة: تبدأ أولا بدعوى عقائدية، ثم تنتهي بأن تصبح ورقة في صراع إقليمي وإمبراطوري كبير، ويصبح التمرد المحلي ثغرة يدخل منها الخصم الخارجي إلى عمق الدولة.

ولأن قوة الحركة كانت في هذه العناصر مجتمعة، لم يكن لها أن تنتهي بمعركة واحدة. فقد خاض الأفشين حروبا طويلة وصبورة معهم، تقضم المواقع واحدا بعد آخر، حتى سقط البذ سنة 222هـ، وفر بابك الخرمي، وتوارى عن الأنظار، ثم أسر بعد فصول طويلة، فسلمه أحد أمراء الأطراف إلى جيش الخليفة. ولما أحضر بابك بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه، وجز رأسه، وشق بطنه.

جنود في جيش العدو

لم يكن بابك وحده من وجد في الروم ملاذا، ففي سنة 218هـ، أول خلافة المعتصم، دخلت جماعة كثيرة من أهل الجبال، من همذان وأصبهان وماسبذان "في دين الخرمية"، وعسكروا في نواحي همذان، فوجه إليهم المعتصم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فقتل منهم ستين ألفا، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم. وهناك استقبلهم ملك الروم توفيل، فأجرى لهم العطاء وزوّجهم، وصيّرهم، كما يقول الطبري، "مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره". ثم عادوا بعد سنوات قليلة في جيشه الذي خرج إلى زبطرة، يقودهم رجل منهم يقال له بارسيس.

هنا تنكشف طبيعة هذه الجماعات الخارجة على سلطة الدولة: تبدأ أولا بدعوى عقائدية، ثم تنتهي بأن تصبح ورقة في صراع إقليمي وإمبراطوري كبير

لقد انتهت رحلتهم من دعوة عقائدية في جبال همذان إلى فرقة في جيش إمبراطورية معادية، تقاتل أهلها تحت راية غيرها. وتلك هي المرحلة الأخيرة في مسار هذه الجماعات حين تهزم في الداخل فإنها تبحث عن راع في الخارج، يجد فيها جندا جاهزين يعرفون الأرض وأهلها، ويقاتلون عنه أهلهم.

REUTERS/Naif Rahma
مقاتلون حوثيون يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة خلال استعراض في مدينة صعدة شمال غرب اليمن، قبل توجههم إلى العاصمة صنعاء، 23 أغسطس 2017

من البذ إلى صعدة

وهذه العناصر الثلاثة نفسها تكاد تجتمع بعد نحو اثني عشر قرنا، في تجربة الحوثيين في اليمن. فقد بدأت الجماعة الحوثية بخطاب ديني تعبوي صاغته محاضرات حسين بدر الدين الحوثي التي عرفت بـ"الملازم"، وجعلت الولاء لقيادة تدعي الاصطفاء والهداية شرطا للانتماء. ثم احتمت بجبال صعدة كما احتمى بابك بجبال البذ، وخاضت ست حروب مع الدولة بين 2004 و2010، حتى دخلت صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وأقامت سلطة موازية تجبي وتجند وتحكم.

وكما كتب بابك إلى توفيل، وجد الحوثي في طهران راعيا، بل إن الحليف الخارجي هنا أعمق أثرا. فإيران لم تكتف باستثمار التمرد، وإنما أسهمت في بناء قدرات الجماعة بالسلاح والخبرة والصواريخ والطائرات المسيرة، ووضعتها ضمن شبكة أوسع من الميليشيات الحليفة. ولذلك تجاوز أثرها حدود اليمن، فصار تهديد الملاحة في البحر الأحمر خطرا قائما، وورقة ضمن حسابات إقليمية أكبر.

Wikimedia Commons
قلعة ألموت في محافظة قزوين، إيران

من قلعة ألموت إلى المخيمات الصيفية

وإذا كانت الدعاية العقائدية تصنع الأتباع، فإن أخطر ما تصنعه هو الطاعة العمياء، وقد وصف ابن الجوزي طريقة الحسن بن الصباح، زعيم الحشاشين في قلاع الديلم في القرن الخامس الهجري، في اختيار أتباعه، فذكر أنه "لا يدعو إلا غبيا لا يفرق بين شماله من يمينه، ومن لا يعرف أمور الدنيا"، ثم يذكر له "ما تم على أهل بيت المصطفى من الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه"، ثم يقول له: "ما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك؟". وحين أرسل إليه السلطان ملكشاه يتهدده، أومأ ابن الصباح إلى شاب من أتباعه وقال له: "اقتل نفسك"، فضرب حلقه بسكينه، وأمر آخر أن يرمي بنفسه من القلعة ففعل، ثم قال للرسول: "أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا، هذا حد طاعتهم لي".

REUTERS/Khaled Abdullah
أطفال يشاركون في تجمع حاشد، غالبيته من أنصار الحوثيين، احتفالا بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة "حماس" في غزة، يوم دخوله حيز التنفيذ، في صنعاء، اليمن، 10 أكتوبر 2025

فالمعادلة واضحة، عقل لم تكتمل معرفته، ومظلومية تزرع فيه، ثم دعوة إلى بذل النفس في سبيل الإمام. وهي المعادلة نفسها التي تعيد الجماعة الحوثية إنتاجها اليوم مع الأطفال، إذ تتخذ من المخيمات الصيفية والمساجد منابر لنشر عقيدتها وتجنيد الصغار، فيرددون "الصرخة"، ويتعلم الطفل حمل السلاح وهو في السابعة من عمره، وصار شعار "تحرير فلسطين" و"نصرة آل البيت" بابا لتجنيد الأطفال وتسخيرهم في دوامة القتل والدم، وتشير التقديرات الحقوقية والأكاديمية الأخيرة لعام 2026 إلى أن أعداد الأطفال الذين شملتهم حملات التعبئة والتجنيد الأيديولوجي والعسكري من قبل جماعة الحوثي تجاوزت 250 ألف طفل.

هي المعادلة نفسها التي تعيد الجماعة الحوثية إنتاجها اليوم مع الأطفال، إذ تتخذ من المخيمات الصيفية والمساجد منابر لنشر عقيدتها وتجنيد الصغار

تكشف دروس التاريخ أن منطق الجماعة العقائدية المسلحة هو "منطق الاستنزاف"، فوظيفتها أن تحول العقيدة إلى شرعية بديلة، والجغرافيا إلى درع يحميها، والزمن إلى سلاح تراهن عليه، والحليف الخارجي إلى رئة تتنفس منها. وكل عنصر من هذه العناصر يسد ثغرة في التنظيم ويفتح ثغرة في جسد الدولة والمجتمع. ويخبرنا درس بابك أن هذه الجماعات لا تسقط إلا حين تنتزع منها الأرض، والحاضنة، والسند الخارجي في آن واحد.

font change

مقالات ذات صلة