العراق... إقالات الزيدي بين الاستجابة لـ"الضغوط" وإعادة التوازن

جاءت متممة لإنهاء عقود قرابة 70 مستشاراً وخبيراً وموظفاً خاصاً في مكتب رئيس الوزراء

رويترز
رويترز
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يحضر جلسة برلمانية للمصادقة على بقية أعضاء حكومته، في بغداد، العراق، 15 أكتوبر 2026

العراق... إقالات الزيدي بين الاستجابة لـ"الضغوط" وإعادة التوازن

أثارت حزمة قرارات العزل التي أصدرها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والتي طالت رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري ومدير مكتب رئيس الوزراء إحسان العوادي، مجموعة من التساؤلات بشأن أبعاد هذه القرارات، بالذات لأنها تتزامن مع توترات إقليمية حادة تحيط بالعراق، ومع تفاقم مستويات الاستقطاب الداخلي، بسبب الخلافات الشديدة بشأن نزع أسلحة الفصائل "الشيعية" المقربة من إيران.

في السياق نفسه، كشف مصدر سياسي عراقي رفيع مقرب من "الإطار التنسيقي" مناخات اتخاذ هذه القرارات. وقال المصدر الذي كان يشغل منصباً حكومياً بارزاً في حكومة محمد شياع السوداني في حديث مع "المجلة" إن إقالة رئيس جهاز المخابرات تتعلق من جانب، بضرورة إعادة التوازن في توزيع المناصب الأمنية العليا بين المكونات السياسية لـ"الإطار التنسيقي"، خصوصاً بعد تولي ياسر المالكي التابع لتيار "دولة القانون" منصب وزير الداخلية، ومن غير المستبعد، وفقه، أن يكون قرار الإقالة قد جاء عقب فشل جهاز المخابرات في ضبط ومنع إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة من العراق تجاه دول الجوار. كما ربط إقالة مدير مكتب رئيس الوزراء بتوصيات وضغوط إقليمية وأميركية تُمارس ضد الزيدي، كانت ترى في العوادي مقرباً وناقلاً لكل مضامين الاجتماعات الثنائية إلى دولة إقليمية متدخلة في شؤون العراق.

تغيرات أمنية جذرية

الإجراءات الحالية لرئيس الوزراء، وإن جاءت جذرية وشاملة، فإنها متممة لما بدأه في أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بإنهاء عقود قرابة 70 مستشاراً وخبيراً وموظفاً خاصاً في مكتب رئيس الوزراء، كانوا يديرون مؤسسات رئاسة الوزراء وأدوات متابعتها للاختصاصات الأكثر حساسية في البلاد، في قطاعات الأمن والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية والسياسات الاقتصادية وعلاقة رئاسة الوزراء بإقليم كردستان والمحافظات. الزيدي استبدل هؤلاء بتعيين أربعة نواب له، يمثلون الحساسيات الأهلية والسياسية الرئيسة في البلاد، وأسند إلى كل واحد منهم متابعة ملف إداري رئيس في البلاد.

العرف الساري بين قوى "الإطار" منذ سنوات كثيرة هو عدم حظوة أي كتلة ضمنه بمنصبين رئيسين من أصل الأربعة المتاحة، وزير الداخلية ورئيس المخابرات ورئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ورئيس هيئة الحشد الشعبي

جاء ذلك عقب مجموعة من القرارات التي اتخذها الزيدي في القطاعين الأمني والعسكري أواسط شهر يوليو/تموز الماضي، واستهدفت زيادة "مركزية رئاسة الوزراء" في الإشراف على هذين الملفين الحساسين. إذ أدمج الزيدي الإشراف على ثلاثة أجهزة أمنية عليا في البلاد، وألحقها بمكتبه، كقائد عام للقوات المسلحة حسب الدستور العراقي. إذ أصدر وقتئذ قرارات داخلية غير معلنة، تقضي بدمج مكتب "قيادة العمليات المشتركة" و"المكتب الشخصي للقائد العام" و"مركز العمليات الوطني" في مكتب واحد تابع له، وستكون مهمته الإشراف على ومتابعة وزارات الداخلية والدفاع وجهاز المخابرات والأمن القومي ومكافحة الإرهاب وهيئة الحشد الشعبي وهيئة المعابر الحدودية وهيئة التصنيع العسكري. وقد بعثت رئاسة الوزراء الأمر الإداري إلى جميع الأجهزة الرديفة للعمل حسبه، كالوزارات والمؤسسات المعنية، إلى جانب مكتب مستشار الأمن القومي. وأتبعها الزيدي بتعيينات جديدة في رئاسة جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، بعدما أقال مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الكريم البصري، وعين قاسم العبودي مستشاراً للأمن القومي، وباسم البدري رئيساً لجهاز الأمن الوطني.

القرارات الجديدة لرئيس الوزراء كانت أكثر جذرية، إذ شملت "الإنهاء الفوري" لمهام رئيس المخابرات حميد الشطري، مع تولي رئيس الوزراء شخصياً مهامه، إلى حين تعيين شخصية بديلة. والشطري شغل إلى جانب وظيفته مهمة "مبعوث العراق الخاص لسوريا"، وأدى دوراً مهماً في تهدئة الأوضاع وتطبيع العلاقات بين بغداد ودمشق، عقب سقوط نظام بشار الأسد. لكن الإقالة جاءت قبل أيام قليلة من زيارة الزيدي إلى كل من سوريا ولبنان. كذلك أقال الزيدي مدير مكتبه إحسان العوادي، وأسند المنصب إلى رشاد خلف هاشم، الذي كان يشغل منصباً إدارياً في وزارة التجارة. ومنصب مدير مكتب رئيس الوزراء يعادل درجة وزير، والعوادي كان معروفاً بقربه من قوى "الإطار التنسيقي"، فيما يُعتبر هاشم شخصية تكنوقراطية، كان يشغل منصب مدير دائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة العراقية.   

 في السياق ذاته، أعلن مصطفى دوير رئيس مجلس محافظة ميسان جنوب العراق رفضه لقرار رئيس الوزراء القاضي بإغلاق معبر "الشيب" الحدودي مع إيران، معتبراً الأمر من خارج صلاحيات رئيس الوزراء، مهدداً بإغلاق الطرق العامة في المحافظة وحتى العصيان المدني، ومتهماً رئيس الوزراء بشكل غير مباشر بالخضوع للتعليمات الأميركية. وقد دافعت "منظمة بدر" عن دوير، وهي كتلة رئيسة في تحالف "الإطار التنسيقي" الذي أوصل الزيدي لرئاسة الوزراء. لكن محكمة عراقية أصدرت أمراً باعتقال دوير. وقد وصف المراقبون تصريحاته ومساندة كتلة بدر لها بكونها محاولة إيرانية لتحريك أدواتها في مواجهة رئيس الوزراء العراقي، الذي يحاول الحد من نفوذ إيران في الداخل العراقي. دوير أصدر بياناً عبّر فيه قبوله بالامتثال أمام القضاء، مجدداً رفضه إغلاق منفذ الشيب، وقال: "لا داعي لتوجيه قيادة عمليات ميسان لتنفيذ أمر الاعتقال بحقي، لأنني لست مجرماً ولا خارجاً عن القانون، بل أمثل السلطة التشريعية في محافظة ميسان، وأنا رجل دولة وابن عشيرة كبيرة وأصيلة، وأنتمي إلى جهة سياسية وجهادية محترمة".

أ ف ب
مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي (إلى اليمين)، والسفير الإيراني في بغداد، محمد كاظم آل صادق، وهما يتبادلان اتفاقيات ثنائية موقّعة خلال مراسم أقيمت في بغداد يوم 11 يوليو 2023

مركزية القرار وخلق التوازن

مصدر سياسي عراقي رفيع، مقرب من "الإطار التنسيقي"، وكان يشغل منصباً رفيعاً في الحكومة السابقة، أوضح في حديث مع "المجلة" أبعاد ومناخات القرارات الجديدة لرئيس الوزراء، مفضلاً التمييز فيما بينها، وعدم وضعها في سلة واحدة فحسب، وأضاف: "بالنسبة لمنصب رئيس المخابرات، فهو في بُعد منه يأتي كاستجابة لإعادة التوازن بين قوى (الإطار التنسيقي)، بعدما حظيت كتلة (دولة القانون) بمنصب وزير الداخلية. فالعرف الساري بين قوى (الإطار) منذ سنوات كثيرة هو عدم حظوة أي كتلة ضمنه بمنصبين رئيسين من أصل الأربعة المتاحة، وزير الداخلية ورئيس المخابرات ورئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ورئيس هيئة الحشد الشعبي. والتغيرات التي جرت خلال الشهور الماضية، بما في ذلك وزارة الداخلية و(الحشد)، تطلبت إعادة تشكيل القيادة العليا لجهاز المخابرات. لكن تعيين البديل سيحدد إن كان ذلك سيكون لصالح طرف من ضمن (الإطار)، لخلق توازن مع (كتلة دولة القانون) ونوري المالكي، أم سيشغله شخص من خارجه، كالفريق طالب شغاتي كما هو مطروح، والمقيم في الولايات المتحدة، ما سيعني وجود ميول واضحة لدى الزيدي لخلق توازن في الهيئات الأمنية والعسكرية، والحد من نفوذ المقربين من إيران. وشغاتي سيكون الشخصية الأولى من خارج قبول القوى السياسية المقربة من إيران، منذ أن شغل محمد الشهواني ذلك المنصب 2004-2009، واستقال بسبب ما قال إنه نفوذ إيران على الدائرة الأمنية عبر رئيس الوزراء نوري المالكي".

يحاول رئيس الوزراء اتخاذ قرارات حمائية لنفسه تجاه "الإطار التنسيقي". وعادة ما يكون جهاز المخابرات أبرز المؤسسات التي يحاول الانفراد بها، لأنها أكثر المؤسسات العراقية التي بقيت محافظة على نفسها نسبياً، خارج النفوذ الإيراني


ويتابع المصدر حديثه لـ"المجلة" قائلاً "لا تخرج مسألة مدير مكتب رئيس الوزراء عن ذلك السياق، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب فضل الاجتماع بالزيدي على انفراد خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، الأمر نفسه تكرر خلال الزيارات الإقليمية التي قام بها الزيدي، ما يوحي بعدم الثقة بمدير مكتبه. لأجل ذلك، فإن الزيدي يحاول بعث رسالة توحي بقدرته على تعيين شخصيات تابعة له فحسب، بالذات في الحلقة التنفيذية المقربة منه. لكن ذلك لن يمر دون تحديات واضحة. فأحداث مثل تصريحات وأفعال رئيس مجلس محافظة توحي بأن توجهات رئيس الوزراء القاضية بالحد من نفوذ إيران ونزع سلاح الفصائل ليست محل رفض من إيران والفصائل فحسب، بل حتى من بعض القواعد الاجتماعية والقوى السياسية والفاعليات المحلية، التي ترى في هذا السلاح صماماً لاستمرار (الحاكمية الشيعية)، وتستطيع المراوغة مطولاً".

أ ف ب
تُظهر هذه الصورة في 22 مارس 2026، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (إلى اليمين) ورئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي حميد الشطري في اجتماع عقب تفقدهما الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مسيّرة مبنى تابعاً لجهاز المخابرات في بغداد

صراع المكانة

يربط الباحث محمد المشهداني هذه القرارات بما يسميها "التحولات التقليدية" لأي رئيس وزراء عراقي، ويضيف في حديث مع "المجلة" قائلاً: "عادة، وبعد شهور قليلة من تسلمه للمنصب، فإن رئيس الوزراء يحاول اتخاذ بعض القرارات الحمائية لنفسه تجاه قوى (الإطار التنسيقي). وعادة ما يكون جهاز المخابرات أبرز المؤسسات التي يحاول الانفراد بها، لأنها أكثر المؤسسات العراقية التي بقيت محافظة على نفسها نسبياً، خارج النفوذ الإيراني. ويمكن فهم ذلك من خلال السيرة المهنية لحميد الشطري نفسه. فرئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي جاء من رئاسة الجهاز لرئاسة الوزراء، ولم يُعين أي شخص في منصب رئيس المخابرات طوال فترة حكمه، بل احتفظ بالمنصب لنفسه، إلى أن عيّن مدير مكتبه رائد الجوحي في ذلك المنصب قبل نهاية ولايته بثلاثة أشهر. حينما تولى السوداني المنصب، أقال الشطري، الذي كان مديراً لوكالة الأمن القومي، لكن ضغوط (الإطار التنسيقي) دفعت السوداني لإعادة تعيين الشطري في مركز أرفع، هو رئاسة المخابرات. لكن جهاز المخابرات ظل محل شكوك كبيرة من قِبل القوى المقربة من إيران. لذلك تعرض للقصف أكثر من مرة، في أواخر عام 2021 وأوائل عام 2026، من قِبل الجهات المُشككة في دوره، وتراه معززاً بعناصر مقربة من الولايات المتحدة. لأجل ذلك يغدو كل مرة الملجأ الأول والثابت لأي رئيس للوزراء، وهذا ما فعله الزيدي".

font change

مقالات ذات صلة