غازي الشواشي لــ«المجلة: الأحزاب التونسية ضعيفة... والسلطة لا تحترم الدستور

الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي قال إن تجربة التوافق والشراكة في الحكم بين «نداء تونس» و«النهضة» أدّت إلى أزمة سياسية واقتصادية حادة

غازي الشواشي لــ«المجلة: الأحزاب التونسية ضعيفة... والسلطة لا تحترم الدستور

* في ظل تغول الحزبين الحاكمين (النهضة ونداء تونس)، لا بد من إحداث توازن في المشهد السياسي.

* أحزاب المعارضة ضعيفة فعلا، ولكن حتى الأحزاب الموجودة في الحكم ضعيفة أيضًا.

* رفع حزب التيار راية محاربة الفساد منذ تأسيسه لأنه لا يمكن القيام بأي إصلاحات ما دام هناك فساد ينخر الدولة.

* أداء السبسي... وهو لا يحترم الدستور وأثبت أكثر من مرة أنه ليس رئيس كل التونسيين.

* نأسف لانتقالنا من تكوين الكتل البرلمانية للحكومة إلى تكوين الحكومة لكتلة برلمانية... وهذه مفارقة عجيبة. 

تونس:قال غازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي المعارض في تونس إنّ كل الأحزاب في تونس بما في ذلك الأحزاب المكونة للائتلاف الحاكم (حركة نداء تونس وحركة النهضة) تعاني من الضعف، وكلها تتدرب على الديمقراطية والعمل السياسي، وإنّ أحزاب المعارضة ليست مطالبة بتقديم بدائل وحلول للأزمات المختلفة التي تمر بها البلاد، لأن ذلك من دور الأحزاب الحاكمة، فيما تتصدى أحزاب المعارضة للتجاوزات والانحرافات وتطعن في دستورية بعض القوانين
وقال غازي الشواشي في حوار خاص لــ«المجلة» إنّ الحرب المعلنة على الفساد لا تكون بالشعارات وتتطلب قضاء مستقلا وناجعا، وإنّ آلاف ملفات وقضايا الفساد تنتظر صدور أحكام قضائية بشأنها.
وأضاف الشواشي أنّ حكومة يوسف الشاهد لها الآن عامان ونصف العام في الحكم ولم تقدر على حل مشاكل البلاد بل زادت نسبة التضخم وانهيار الدينار وعجز الميزان التجاري ونسبة المديونية...
وبخصوص تجربة التوافق والشراكة في الحكم بين الحزبين الكبيرين (نداء تونس وحركة النهضة)، قال غازي الشواشي إنها أدت إلى أزمة حادة في المجالين السياسي والاقتصادي، وإنّ عدا هذين الحزبين هناك أحزاب أخرى وليدة الثورة وديمقراطية وحداثية تقدمية قادرة على تقديم حلول لأزمات البلاد. وقال إنّ دستور 2014 ليس دستورا مثاليا ويمكن الشروع في تعديل ما ظهر به من نقائص وثغرات، بداية من 2020.
وأكد الشواشي حاجة تونس إلى حكومة قوية قادرة على فرض خياراتها ومنع التدخل الأجنبي في سياستها...
وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار:

أي موقع لحزب التيار الديمقراطي في المشهد السياسي بعد 4 سنوات من تأسيسه ومدى حضوره في الساحة السياسية؟
التيار الديمقراطي هو حزب جديد تأسس في شهر يونيو (حزيران) 2013، وتموقع منذ البداية في المعارضة في عهد الترويكا (فترة حكم الائتلاف المتكون من أحزاب النهضة والتكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية) ثم حكومة التكنوقراط برئاسة المهدي جمعة، وخضنا سنة 2014 الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتمكن التيار الديمقراطي من الفوز بثلاثة مقاعد في مجلس نواب الشعب وكان للنواب الثلاثة دور بارز في البرلمان، ثم جاءت الانتخابات البلدية 2018 وشارك فيها التيار وكان القوة السياسية الثالثة والصاعدة إلى جانب حزبي النهضة ونداء تونس، وحسب نتائج هذه الانتخابات فإن حزب التيار الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي حقق تقدما في التصويت ونيل ثقة الناخبين مقارنة بنتائج انتخابات 2014. ونتوقع أنّ يكون حزبنا منافسا جديا في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة لسنة 2019، ذلك أنّ كل استطلاعات الرأي التي أجريت في الفترة الأخيرة بينت أنّ التيار الديمقراطي هو القوة الصاعدة ويحتل المرتبة الثالثة في نوايا التصويت وهو قوة وسطية ديمقراطية اجتماعية وقادر على الفوز بالمراتب الأولى ليكون في الحكم أو ضمن أقوى أحزاب المعارضة، لذلك نحن راضون عن أداء حزبنا وموقعه في الساحة السياسية كحزب سياسي معروف بوضوح مواقفه ورفع راية مكافحة الفساد كأولوية ضرورية لبناء اقتصاد قوي وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.



كيف ستكون مشاركتكم في الانتخابات التشريعية القادمة (خريف 2019) وهل أنتم معنيون أيضا بالانتخابات الرئاسية وستقدمون مرشحا لرئاسة تونس؟
سنشارك في الانتخابات التشريعية أولا لأن النظام السياسي المعتمد هو النظام البرلماني المعدل الذي يضع كل السلطة بيد الحكومة ومجلس نواب الشعب وسيكون كل تركيزنا على الانتخابات التشريعية ونتوقع أنّ نكون ضمن المراتب الأولى، ونحن معنيون أيضا بالانتخابات الرئاسية وقد كنا ساندنا الدكتور المنصف المرزوقي في انتخابات 2014 لأنه كان مرشح القوى الثورية وبلغ الدور الثاني وهي نتيجة إيجابية، واليوم فإن استطلاعات الرأي تقول إنّ التيار الديمقراطي له اسمان بارزان في قيادته قادران على المنافسة في الانتخابات الرئاسية 2019 وهما السيدان محمد عبو وسامية عبو، ونشعر بثقة كبيرة من جانب التونسيين في هذين القياديين وبالتالي سنشارك في هذه الانتخابات وسيكون مرشحنا أحد القياديين المذكورين وسيختار المؤتمر القادم للحزب (والمقرر في شهر مارس/ آذار 2019) اسم المرشح من بينهما.

ما مدى إمكانية تحالف حزب التيار الديمقراطي مع أحد أو بعض الأحزاب القريبة منكم من حيث التوجهات والبرامج؟
في ظل تغول الحزبين الحاكمين (النهضة ونداء تونس) اللذين لهما إمكانيات بشرية ومالية كبرى، لا بد من إحداث توازن في المشهد السياسي، ولذلك نرى أنه من الضروري تجميع العائلة الاجتماعية الديمقراطية وقد دخلنا في مشاورات مع بعض الأحزاب كما فعلنا سنتي 2014 و2018 وسنحاول من جديد لعلنا نخوض انتخابات 2019 بقوائم مشتركة مع بعض الأحزاب الأخرى وهو أمر ليس سهلا حسب تقديرنا المبدئي.

توصف المعارضة في تونس بأنها ضعيفة وليس لها برامج بديلة وهو ما جعلها تحصل على نتائج هزيلة في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما أسباب هذا الضعف؟
أحزاب المعارضة ضعيفة فعلا، ولكن حتى الأحزاب الموجودة في الحكم ضعيفة هي أيضا، ويكفي الرجوع إلى نتائج هذه الأحزاب في الانتخابات الأخيرة لنكتشف أنها أحزاب ضعيفة بل عاجزة عن القيام بما يفيد البلاد، لذلك لا غرابة أن تكون المعارضة ضعيفة، ثم إنّ التجربة الديمقراطية التونسية ما تزال فتية وما زلنا نؤسس للديمقراطية وليس لنا تقاليد ولا تاريخ في العمل الحزبي والسياسي وليس لنا أحزاب متماسكة وخطها السياسي واضح وبالتالي فإننا ما زلنا نتدرب على الديمقراطية والعمل السياسي، ومن الطبيعي أن يكون هناك ضعف في كل الأحزاب سواء منها التي في الحكم أو في المعارضة.
وحسب نتائج انتخابات 2014 فإنّ حزبي النهضة ونداء تونس تحصلا معا على 71 في المائة من مقاعد مجلس نواب الشعب فتحالفا وضما معهما بعض الأحزاب الأخرى مثل الاتحاد الوطني الحر وحزب آفاق تونس ليجمع هذا التحالف 85 في المائة من المقاعد ولم يبق للمعارضة إلاّ 15 في المائة من المقاعد وهكذا كان حضور المعارضة في البرلمان ضعيفا وإذا كانت المعارضة اليوم لا تقدم بدائل فلأنها غير مطالبة بذلك، بل على الأحزاب الحاكمة أنّ تقرر مصير البلاد وتجد الحلول المناسبة لكل القضايا والمشاكل وتنهض بأوضاع التونسيين ويكفي المعارضة أنها تقف أمام الانحرافات والتجاوزات وتتصدى لها وتمثل قوة اقتراح، رغم أنّ الطرف المقابل لا يأخذ هذه المقترحات بعين الاعتبار، كما تحاول أحزاب المعارضة أنّ تطعن في دستورية بعض القوانين، وحصل أن أسقطت بعض القوانين وتصدت لقانون المصالحة عبر تنظيم المسيرات وحرصت على عدم تمريره في مجلس نواب الشعب وقد أخذ هذا القانون عامين ونصفا من الجدل والصراعات ليمر فيما بعد بصيغة غير مرضية لمن تقدموا به، ونعتقد أننا كأحزاب معارضة نجحنا أيضا في فرض التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة إلى نهاية هذه السنة وستقدم هذه الهيئة تقريرها الختامي في آخر شهر ديسمبر (كانون الأول) القادم وهذا رغم الضعف العددي لنواب المعارضة.

من المتعارف عليه في تونس أن حزب التيار الديمقراطي يشتغل كثيرا على ملف محاربة الفساد ويضعه في أعلى سلم اهتماماته ويدافع عنه بشراسة، فما مدى تجاوب الحكومة والقضاء وبقية الأحزاب والمجتمع المدني مع هذا الملف؟
لقد رفع حزب التيار راية محاربة الفساد منذ تأسيسه لأنه لا يمكن القيام بأي إصلاحات أو النهوض بأوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية ما دام هناك فساد ينخر الدولة، فقد أصبح الفساد في تونس ثقافة لدى الجميع وإذا لم نحاول تغيير هذه العقلية وهذه الثقافة فلن يمكن القيام بأي إصلاح، لذلك أثار حزب التيار الديمقراطي عدة ملفات ورفع قضايا كثيرة ولكن للأسف الشديد لم نجد تفاعلا إيجابيا بالقدر الكافي وقد أعلنا كحزب دعمنا لرئيس الحكومة يوسف الشاهد في حربه على الفساد ولكن سرعان ما اكتشفنا تصفية حسابات مع الخصوم وانتقائية وخرقا للقوانين واستعمال قانون الطوارئ وهو قانون غير دستوري ورغم أنّ رئيس الحكومة ظل رافعا شعار محاربة الفساد إلى اليوم فإننا لم نر محاكمات أو إيقافات أو إجراءات تسير في هذ الاتجاه، فالحرب على الفساد برأينا ليست بالشعارات وتتطلب قضاء مستقلا وناجعا، فإلى اليوم هناك قضايا وملفات تحسب بالآلاف لم تصدر بشأنها أحكام، كما لم يحصل تحييد الهيئات العمومية المكلفة بالمراقبة المالية ولم تمكنها الحكومة من وسائل العمل الضرورية لتقوم بدورها كما بقيت منظومة محاربة الفساد على حالها دون أن تدخل عليها عمليات تطوير وتحسين وإذا لم تكن للحكومة الجرأة الكافية لإيقاف العصابات واللوبيات الفاسدة فإنّ هذه الحرب لن تحقق أهدافها.

كيف تقيمون أداء حكومة يوسف الشاهد، وما موقفكم من الدعوة إلى إحداث تغيير يشمل رئيس الحكومة وكامل التشكيلة الوزارية مثلما ينادي بذلك الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد العمال) وبعض الأحزاب؟
حزب التيار الديمقراطي أعدّ تقييما بالأرقام لنتائج عمل هذه الحكومة فنحن لا يهمنا الأشخاص بل تهمنا السياسات والاختيارات وحكومة يوسف الشاهد أخذت أطول مدة زمنية من بين جملة الحكومات التي تداولت على الحكم بعد الثورة إذ لها إلى حد الآن عامان ونصف العام في سدة الحكم وقد حددت أولوياتها منذ البداية وفق وثيقة قرطاج التي وافقت عليها أغلب الأطراف السياسية والاجتماعية ولكن لم تنفذ ما ورد في هذه الوثيقة، إذ تعد ولا تنفذ وعودها ووصلت بالبلاد إلى أزمة على عدة واجهات: فنسبة التضخم بلغت رقما قياسيا وكذلك عجز الميزان التجاري وانهيار الدينار ونسبة المديونية والأرقام المسجلة سلبية وتؤشر لإفلاس البلاد. ورغم ذلك ما زالت الحكومة تتحدث عن إنجازات ونسبة نمو 2.8 في المائة، ولكن هذه النسبة يفترض أنّ تخلق الثروة وتجلب الاستثمار وتنتج فرص عمل، وتقلص من نسبة المديونية، وهذا لم يحصل... وقد تكون نسبة النمو التي تتحدث عنها الحكومة (2.8 في المائة) ناتجة عن القرض الذي تحصلت عليه تونس من صندوق النقد الدولي مع العلم أنّ نسبة التضخم بلغت 8 في المائة، وهي نسبة مرتفعة تسببت في ارتفاع الأسعار وصارت تنبئ بحصول انفجار اجتماعي في شكل اضطرابات واحتجاجات.

ما رأيكم في تجربة التوافق بين حزبي النهضة ونداء تونس وما مدى حاجة تونس إلى الشراكة في الحكم بين حزبين أو أكثر؟
بالنسبة إلى حزبي النهضة ونداء تونس فإن التوافق كان الحل المناسب لتجنب الحرب الأهلية وضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي ولكن بعد عامين نلاحظ أنّ هذا التوافق أدى إلى أزمة اقتصادية حادة وإلى أزمة سياسية، ثم إلى قطيعة وخلاف بين الحزبين الحاكمين (نداء تونس والنهضة)وفي هذا خطر على البلاد، فالآن هناك احتقان كبير لا يساعد على توفير مناخ سليم لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة رغم أنها انتخابات مصيرية وهامة بالنسبة إلى تونس، ونريدها انتخابات ناجحة ونزيهة ويشارك فيها المواطنون بكثافة ويختارون الأجدر والأقدر على حسن تسيير البلاد، ولكن اليوم نرى أنّ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تعيش صراعات داخلية ومجلس نواب الشعب عاجز عن انتخاب رئيس لهذه الهيئة وتجديد الأعضاء الثلاثة المتبقين ليعود إليها التوازن وتكون قادرة على تأمين الانتخابات المقررة في الخريف القادم.
لكن لا بد أنّ يعلم الجميع أنّ تونس ليس فيها حزب حركة النهضة ونداء تونس فقط، بل هناك أيضا أحزاب أخرى وليدة الثورة وهي أحزاب ديمقراطية واجتماعية وحداثية تقدمية وأحزاب ليس لها آيديولوجيا دغمائية تعيقها عن إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.هذه الأحزاب لا بد أنّ تتموقع في المشهد السياسي ونأمل أنّ يكون هذا المشهد بعد انتخابات 2019 أكثر توازنا وتصعد حكومة ذات تركيبة متناسقة ومتناغمة وقادرة على النهوض بالبلاد وتجاوز الأزمات...

هل أنتم مع فكرة تغيير النظام السياسي ليصبح نظاما رئاسيا يتيح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية على حساب السلطتين التنفيذية والتشريعية بما في ذلك من مخاطر فتح الباب أمام إمكانية عودة الاستبداد؟
نحن نعتقد أنه ليس هناك نظام سياسي مثالي في العالم، وعديد الأنظمة السياسية يختارها المؤسسون والدساتير ثم بعد تطبيقها يقع تعديلها بناء على ما تبين من ثغرات ونقائص، ففرنسا مثلا عرفت خمس جمهوريات وفي كل مرة يتم تغيير الدستور حسب الأوضاع والمشهد السياسي وفي تونس فإن دستور 2014 ليس دستورا مثاليا، واليوم هناك مشاكل كثيرة بسبب النظام المعتمد وهو النظام البرلماني ولكن لا يمكن أنّ نعدل الدستور والحال أننا لم نستكمل تطبيقه، حيث ننتظر تركيز الهيئات الدستورية ومؤسسات الدولة مثل المحكمة الدستورية المنصوص عليها في الدستور وما زلنا لم نطبق هذا الدستور كما يجب، لذلك لا بد من إنهاء الدورة البرلمانية الحالية وفي أواخر 2020 يمكن الشروع في تعديل وتنقيح بعض فصول الدستور.

ما رأيك في أداء رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي؟
هو أداء ضعيف ونحن في التيار الديمقراطي لاحظنا أنه لا يحترم الدستور وأثبت أكثر من مرة أنه ليس رئيس كل التونسيين ويتصرف كأنه رئيس حزب الأغلبية (نداء تونس) وقد رأيناه في أكثر من مرة يتحدث في وسائل الإعلام عن حزبه وعلاقته بحركة النهضة وابنه ورئيس الحكومة، أكثر مما يتحدث عن الصعوبات الاقتصادية والمشاكل التي تعيشها البلاد والمواطن التونسي ومقدرته الشرائية مع العلم أننا نتفهم محدودية صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور ولكن تبقى له مكانته الرمزية والاعتبارية وعليه أن يشعرنا بأنه رئيس كل التونسيين ومهتم بقضايا شعبه...

هناك حديث عن تدخل في الحياة السياسية من جانب أطراف في الداخل (ونقصد اتحاد الشغل) وفي الخارج (الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي وغيرهما...) من أجل فرض خيارات معينة سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، ما رأيك؟
برأيي كل الأنظمة السياسية في تونس منذ الاستقلال كانت خاضعة للتدخلات الأجنبية، فالأنظمة الاستبدادية لا تحافظ على ديمومتها إلا إذا نالت تأشيرة الخارج، وهذه التأشيرة لها مقابل وأقصد بالمقابل التدخل في القرار السيادي التونسي، وعرفنا هذا في ظل حكم الرئيسين بورقيبة وبن علي، وبعد الثورة وللأسف لم تمسك البلد حكومة قوية قادرة على فرض قراراتها وتمنع التدخل الأجنبي في سياستها وخياراتها، فنحن الآن في ظرف اقتصادي صعب ومحتاجون لمساعدة الأجنبي (قروض وهبات) ولكن هذا له ثمنه لأن الأجنبي لا يقدم مساعدات مجانا ودون مقابل، وتونس اليوم قرارها السياسي مرهون للدول والصناديق الدولية التي تساعدها وحكومة يوسف الشاهد بصدد الارتهان للخارج للحصول على الدعم والمساعدات حتى تتمكن من الاستمرار في الحكم وينتخب حزب نداء تونس سنة 2019 وهذا خطر شديد على تونس.
أمّا الاتحاد العام التونسي للشغل فهو منظمة نقابية كان لها دور في تحرير البلاد من الاستعمار وكان لها حضور في المجلس القومي التأسيسي مباشرة إثر الاستقلال، وتصدت للاستبداد في فترة حكم الرئيسين بورقيبة وبن علي وساهمت في الثورة التونسية بتنظيم مسيرات ضخمة في صفاقس وتونس العاصمة... دون أن ننسى دور هذه المنظمة في إنجاح الحوار الوطني سنة 2013 ونالت نتيجة ذلك جائزة نوبل للسلام. ثم شاركت بدعوة من رئيس الجمهورية في وثيقة قرطاج الأولى ثم الثانية، أي أنّ الأحزاب الحاكمة هي التي دعت اتحاد الشغل للمشاركة في الحكم عبر التوقيع على وثيقة قرطاج... والمفروض أنّ تتحمل الأحزاب الحاكمة مسؤولياتها كاملة ولا تدعو أي طرف لمشاركتها في الحكم.

ما الملفات أو القضايا الكبرى التي على الحكومة الاهتمام بها أكثر من غيرها لتجاوز الوضع الصعب الذي تمر به البلاد؟
بحكم الظرف الدقيق الذي تمر به تونس بسبب الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحن نقترب من موعد الانتخابات لا أعتقد أنّ حكومة يوسف الشاهد قادرة على تقديم حلول لكل القضايا. المطلوب الآن وعاجلا منع إفلاس البلاد وتجنيبها الانهيار، وذلك من خلال إعادة التوازن للميزان التجاري والحد من ارتفاع نسبة التضخم ونسبة المديونية والتحكم في الأسعار ووقف انهيار الدينار. وكذلك إعداد البلاد لانتخابات نزيهة وديمقراطية وشفافة، هذا أقصى ما يمكن أنّ تقوم به أي حكومة ستتولى الفترة التي تفصلنا عن الخريف القادم موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019... ونأمل أنّ يكون المشهد بعد ذلك أكثر توازنا وتفرز الانتخابات حكومة قادرة على تنفيذ برنامج حكم قائم على إصلاحات دقيقة وعميقة...

حسب رأيكم ماذا يمكن أنّ ننتظر من تجربة الحكم المحلي وأيّ دور لها في تطوير الحياة السياسية في تونس؟
الحكم المحلي تجربة هامة وضرورية لتونس ليكتمل البناء الديمقراطي وقد كان حزبنا (التيار الديمقراطي) من الأحزاب التي طالبت بإجراء الانتخابات البلدية وتركيز الحكم المحلي عكس كثيرين كانوا متخوفين من اللامركزية وإمكانية إضعاف الدولة وهنا تجدر الإشارة إلى أننا الآن في فترة تدريب وكل البلديات تشكو من ضعف الموارد المالية وضعف نسبة التأطير ونقص الخبرة لدى أعضاء المجالس البلدية، لذلك لا بد من العناية بهذه الجوانب وتوعية المواطن لضمان نجاح هذه التجربة ونحن نعتقد أن الحكم المحلي سيحقق التنمية وسيكرس العدالة بين الجهات، لكن الثابت أن الحكم المحلّي يتطلب سنوات طويلة ليترسخ في الأذهان وليتعود عليه المواطن.



ما المخاطر التي يمكن أنّ تهدد التجربة الديمقراطية التونسية؟
المطروح الآن هو استكمال المسار الانتقالي باحترام الدستور وتركيز الهيئات الدستورية ومؤسسات الدولة مثل المحكمة الدستورية والمحافظة على آجال تنظيم الانتخابات وإعداد كل ما يتطلبه إنجاز انتخابات ديمقراطية ونزيهة وتعددية يشارك فيه المواطنون بكثافة لأن العزوف عن المشاركة يمثل نكسة للمسار الديمقراطي.

أي مسؤولية للبرلمان في المرحلة القادمة من حيث تكريس الديمقراطية وإنجاح الانتقال الديمقراطي والمساهمة في النهوض بالبلاد؟
مجلس نواب الشعب هو السلطة الأصلية في البلاد يمنح الثقة للحكومات وله أيضا صلاحية سحب الثقة من رئيس الجمهورية في حالة اقترافه لخطأ جسيم، وهو الذي ينتخب الهيئات الدستورية ويرسخها، واليوم للأسف هذا المجلس هو جزء من الأزمة السياسية في تونس لأنه لا يقوم بواجبه، ويتحمل مسؤولية ذلك رئيس المجلس كما تتحملها الأغلبية الحاكمة لأن لها سلطة القرار، والمعارضة حاضرة في مكتب المجلس بعضوين فقط من جملة 9 أعضاء وبالتالي فهم أقلية وتأثيرهم محدود، واليوم صورة المجلس مهتزة لدى الرأي العام وهناك تأخير بثلاث سنوات في انتخاب هيئة المحكمة الدستورية ونأمل بعد انتخابات 2019 أن يكون مجلس النواب أكثر فاعلية وقدرة على القيام بمهامه على أحسن وجه دون أن يكون طرفا في الأزمات السياسية ونحن نأسف لانتقالنا من تكوين الكتل البرلمانية للحكومة إلى تكوين الحكومة لكتلة برلمانية وهذه مفارقة عجيبة وهذا تشويه لنظامنا السياسي إذ قامت الحكومة بافتكاك نواب من كتل أخرى لتكوين كتلة تدعمها في البرلمان وهذا مشهد سيريالي لا يؤسس لديمقراطية حقيقية وعلاقات سياسية فيها حد أدنى من الأخلاق والمعاملات السليمة والنزيهة والشفافة وهي أيضا صورة سيئة نقدمها للداخل والخارج والحال أنّ تونس هي نموذج من حيث نجاح ثورتها وبناء ديمقراطية فتية ينتظر الجميع نجاحها



 
font change