الأمير يواكيم مورات لـ«المجلة»: بفضل نابليون أصبح الجميع متساوين أمام القانون

الأمير يواكيم مورات لـ«المجلة»: بفضل نابليون أصبح الجميع متساوين أمام القانون

 

 

عام2021 هو «عام نابليون» بامتياز، فقد أحيى الرئيس إيمانويل ماكرون، الذكرى المئوية الثانية لوفاة الإمبراطور نابليون الأول يوم الأربعاء 5 مايو (أيار) 2021، بحضور سيدة فرنسا الأولى بريجيت ماكرون ورئيس الوزراء جان كاستكس، ووزيرة الدفاع، وكبار قادة الجيوش. ألقى رئيس الجمهورية كلمة شرح فيها عظمة نابليون الأكثر شهرة مقارنة بملوك فرنسا الآخرين والأسباب التي جعلته يحتفل بمرور قرنين على وفاة الإمبراطور نابليون رغم الانتقادات العديدة التي وجهتها له بعض أحزاب اليسار والجمعيات الحقوقية التي طالبته بالعدول عن هذا القرار بسبب سجل نابليون المثير للجدل في مجال العبودية والحروب، وقد تطرق الرئيس الفرنسي في كلمته إلى النظام العبودي الذي استحدثه نابليون وقال: «نحن الفرنسيين نعيش في أماكن كثيرة تذكرنا بنابليون بونابرت ونتعامل يوميا مع منجزاته، كالقانون المدني والجزائي ومحكمة النقض والباكالوريا والبلديات... كل هذا يدخل في سجل نابليون، فنحن نعيش في مجتمع فرنسي يعشق التاريخ. مخيلتنا مملوءة بالأحداث التاريخية». كما وضع رئيس الدولة إكليلًا من الزهور في ضريحه ترحما على روحه عند سفح قبر الإمبراطور في الأنفاليد، ووفقا لمستشار في قصر الإليزيه، فإن الرئيس لم يركز على نقطة العبودية لكي لا يثير جدلا سياسيا جديدا في البلاد.

تكريم خاص من جزيرة كورسيكا لابنها نابليون

فرنسا تتزين حاليا بذكرى أمجادها، حيث تنظيم العديد من الفعاليات في أنحاء البلاد تتعلق بذكرى إمبراطور الفرنسيين نابليون الأول، عبر معارض وحفلات موسيقية،. وقد جهّزت المتاحف بالمعارض واللوحات المتعلقة بالحروب العسكرية، ومؤتمرات وندوات متنوعة تشمل التاريخ والسياسة والقانون، والحياة الثقافية، والحياة الخاصة، والسفر، والقلاع، وشؤون الحبّ، وعروض مسرحية منها «قصة خارقة للعادة» التي تحكي العلاقة بين نابليون وزوجته الأولى جوزيفين، كما أعدت جزيرة الجمال «كورسيكا»، في مدينة أجاكسيو، مسقط رأس نابليون، برنامجا ثريا بالمحاضرات حول تاريخ هذا القائد ونضاله وسيرته الذاتية، فضلا عن عروض موسيقية داخل كاتدرائية المدينة. كما يتم أيضا تنظيم العديد من المحاضرات ذات الطابع التاريخي في باريس، ويتوقع أن تستمر الاحتفالات لغاية نهاية السنة رغم التحديات التي يطرحها وباء كوفيد-19.

توفي بونابرت، الإمبراطور، في 5 مايو 1821 في منفاه بجزيرة القديسة هيلانة الواقعة جنوب المحيط الأطلسي، والتي لا تزال تخضع للحكم البريطاني. وكانت السلطات البريطانية قد قررت إبعاده عن فرنسا بعد أن اضطر للتنازل عن السلطة في 1815 إثر هزيمته الذريعة في معركة واترلو ببلجيكا أمام الجيوش البريطانية والبروسية. لكن الملك لويس فيليب قرر في 1840 استعادة رفات بونابرت من المنفى ليدفن من جديد تحت قبة الأنفاليد في باريس. ومنذ ذلك التاريخ يستريح جسد نابليون في مقبرة العظماء بالأنفاليد، بناء على طلب الفرنسيين. بعد أن كان في متحف الجيش، وفي قصر فونتنبلو حيث عاش وكذلك في كورسيكا حيث ولد.

وفي 5 مايو، تم تنظيم حفل حضرت فيه بشكل رمزي بقايا رفات نابليون بونابرت إلى أجاكسيو بمرافقة فوج المشاة التابع للحرس الإمبراطوري. أما متحف «فيش» الموجود في نفس المدينة، فقد عرض لوحات فنية عديدة تستذكر حياة نابليون وأعماله وتاريخه. وفي باريس، بالإضافة إلى الاحتفالات الرسمية، تنظم الكنائس صلوات. ويعرض المعهد الوطني للأرشيف بباريس رسومات عن نابليون تحت عنوان «كنوز سكرتاريا الدولة الإمبراطورية»، إضافة إلى محاضرات لمؤرخي مؤسسة «نابليون».

العالم أيضًا يحتفل بذكرى وفاة نابليون

وبما أن نابليون بونابرت خاض عدة حروب في بلدان مختلفة، تحتفل العديد من المدن والعواصم الأجنبية بالمئوية الثانية لوفاة الإمبراطور. ففي تشيلي مثلا، شارك سفير فرنسا في هذا البلد في تدشين نصب تذكاري لنابليون بحضور ممثلين عن حكومة تشيلي تكريما لجنود نابليون (نحو 200 جندي) الذين شاركوا في الحرب من أجل تحرير هذا البلد. وفي إيطاليا، ينظم معهد مدينة بولونيا للتاريخ سلسلة من المحاضرات حول الإرث الذي تركه الإمبراطور الفرنسي في هذه المدينة وعلاقته بالموسيقى.

أما في بلجيكا، فتعتزم بلدية لياج تنظيم معرض صور في محطة القطار التابعة لهذه المدينة، عنوانه «نابليون وما وراء الأسطورة». كما أن هناك مدنا بلجيكية أخرى تتأهب لتنظيم محاضرات وعروض فنية حول معركة واترلو التي انهزمت فيها نهائيا جيوش نابليون. وفي رومانيا، ستحتضن المكتبة الوطنية العسكرية عرضا للصور مخصصا لنابليون بونابرت تحت عنوان «نابليون، تقييم الرجل والتاريخ».

جدل بين المؤرخين حول الاحتفال بذكرى بونابرت

لا يعرف كثير من الناس تاريخ عودة الملكية للحكم السياسي في فرنسا، ومع ذلك، تمثل وفاة الرجل الذي غزا أوروبا وسيطر عليها في المنفى وسط المحيط الأطلسي بداية أسطورته. هذا إذا مات ولم يقتل، فهو وفقًا للرواية الرسمية مات بسرطان المعدة، لكن يرى غالبية الفرنسيين بأن سجانيه الإنجليز قتلوه بسم الزرنيخ.

وبينما يرى الفرنسيون أن هذا التكريم واجب تاريخي من الأمة لرجل الدولة الذي لم تعرف فرنسا مثيله أبدا، يرى آخرون أن نابليون هو الذي أعاد فرض نظام العبودية في المستعمرات الفرنسية وسفك العديد من الدماء في حروبه دون رحمة، وأنه لا يمكن للجمهورية الفرنسية أن تحتفل بشكل رسمي بهذا الحدث. وبالرغم من الجدل في أوساط المثقفين والمؤرخين والسياسيين، تبقى الذاكرة الجماعية للفرنسيين مرتبطة بإنجازات ومآسي هذا الرجل الذي ترك بصماته في التاريخ الحديث.

لا يزال نابليون الأول، رغم وفاته منذ قرنين، أحد أكثر مواضيع التاريخ رواجًا ودراسة في العالم! تباع سيرته بلغات العالم وبشكل كبير! ظهرت عشرات الملايين من الكتب حوله أو عن عهده، وفي هذا العام الذي يوافق الذكرى المئوية الثانية لوفاته، تكتمل هذه المجموعة بالعشرات أو المئات من الكتب الجديدة. كل الأجيال، حتى أصغرهم، مهتمة بهذه الفترة من التاريخ. لماذا هذا الانبهار، لماذا هذا الجنون بعد فترة طويلة من وفاته؟

لماذا تحتفل فرنسا بالذكرى المائتين لوفاة نابليون؟

كان نابليون بونابرت، المولود في 15 أغسطس (آب) 1769 في أجاكسيو بجزيرة كورسيكا التابعة لفرنسا، عسكريًا ورجل دولة فرنسيًا، وأول إمبراطور للفرنسيين، من 18 مايو (أيار) 1804 إلى 6 أبريل (نيسان) 1814، ومن 20 مارس (آذار) إلى 22 يونيو (حزيران) 1815، تحت اسم نابليون الأول.

وكان الولد الثاني لتشارلز بونابرت وليتيتسيا رامولينو، نابليون بونابرت قد أصبح في عام 1793 لواء في جيوش الجمهورية الفرنسية الأولى، المولودة من الثورة، حيث كان القائد العام للجيش الإيطالي ثم جيش الشرق. وقد وصل إلى السلطة في عام 1799 من خلال انقلاب عسكري قام به نابليون بونابرت في 18 برومير السنة الثامنة (9 نوفمبر 1799)، أطاح بحكومة المديرين، وأوجد بدلاً عنها حكومة القناصل، وفيها أصبح نابليون قنصل فرنسا الأول، والقنصل مدى الحياة من 2 أغسطس (آب) 1802 حتى 18 مايو (أيار) 1804، عندما تم إعلان الإمبراطورية من قبل مجلس الشيوخ، تلاه استفتاء عام. توج إمبراطورًا في كاتدرائية نوتردام دي باريس في 2 ديسمبر (كانون الأول) 1804 من قبل البابا بيوس السابع. وأصبحت زوجته الإمبراطورة جوزيفين دي بوهارنيه، مقدسة أيضًا.

بصفته قائدا عاماً ورئيسًا للدولة، حاول نابليون كسر الائتلافات التي أنشأتها ومولتها مملكة بريطانيا العظمى والتي وحدت، منذ عام 1792، الممالك الأوروبية ضد فرنسا ونظامها المولود من الثورة. قاد الجيوش الفرنسية من إيطاليا إلى مصر ومن النمسا إلى بروسيا وبولندا: انتصارات بونابرت في المعارك العديدة والرائعة (أركول، ريفولي، بيراميدز، مارينغو، أوسترليتز، جينا، فريدلاند)، في حملات عسكرية سريعة، خلع الأربعة الأوائل الائتلافات. السلام المتعاقب، الذي وضع حدًا لكل هذه الائتلافات، عزز فرنسا ومنح نابليون درجة من القوة التي نادراً ما كانت تُعادل حتى الآن في أوروبا، خلال سلام تيلسيت (1807).

قام نابليون بإصلاح الدولة بشكل دائم، واستعاد سلطتها وأولويتها. مرت فرنسا بإصلاحات كبيرة تجعل من نابليون أحد الآباء المؤسسين للمؤسسات الفرنسية المعاصرة. بهذا المعنى، فإن تدوينات نابليون، بما في ذلك القانون المدني لعام 1804، تجعل من الممكن تعزيز الحريات الفردية أو المساواة بين المواطنين أمام القانون، من خلال تشغيل توليفة عبر ضمان بعض المكاسب الثورية واستئناف المبادئ التقليدية الناتجة عن النظام القديم. أعاد تنظيم الإدارة الفرنسية، عبر إنشاء محافظين في المدن والأقاليم. وبالمثل، أظهر عملة جديدة هي الفرنك، وأنشأ بنك فرنسا بل وأنشأ مجلس الدولة أيضًا، تمامًا مثل المدارس الثانوية. حاول نابليون أيضًا تقوية النظام الاستعماري الفرنسي القديم في الخارج، ولا سيما مع إعادة العبودية في عام 1802، والتي تسببت في حرب (1802- 1803) سانت دومينغ والخسارة النهائية لهذه المستعمرة.

وسع نابليون الأراضي الفرنسية إلى أقصى امتداد لها مع 134 إقليما في عام 1812، وحول روما أو هامبورغ أو برشلونة أو أمستردام إلى عواصم المقاطعات الفرنسية. كان أيضًا رئيسًا للجمهورية الإيطالية من 1802 إلى 1805، وملكًا لإيطاليا من 1805 إلى 1814، ووسيطًا للكونفدرالية السويسرية من 1803 إلى 1813 وحاميًا لاتحاد نهر الراين من 1806 إلى 1813. مكنته انتصاراته من ضم مناطق شاسعة إلى فرنسا وحكم معظم أوروبا القارية من خلال وضع أفراد عائلته على عروش عدة ممالك: جوزيف في نابولي ثم في إسبانيا، ولويس في هولندا، وجيروم في ويستفاليا وصهره يواكيم مورات في نابولي. كما أنشأ دوقية وارسو، دون استعادة رسمية للاستقلال البولندي، وخضع مؤقتًا لنفوذه القوى المهزومة مثل مملكة بروسيا وإمبراطورية النمسا.

كان مزيجا متسقا من أسطورة ذهبية وأسطورة سوداء، فهو اشتهر بسمعته السيئة بسبب مهاراته العسكرية والانتصارات المبهرة، ومساره السياسي المذهل، ولكن أيضًا لنظامه الاستبدادي والمركزي للغاية. مما أدى إلى حروب عدوانية مميتة للغاية (في البرتغال وإسبانيا وروسيا) مع مئات الآلاف من القتلى والجرحى والجنود والمدنيين في جميع أنحاء أوروبا. يعتبر من أعظم القادة في التاريخ، وتدرس حروبه وحملاته في المدارس العسكرية حول العالم.

أثناء تمويله التحالفات العامة بشكل متزايد، فاز الحلفاء في إسبانيا (معركة فيتوريا) وألمانيا (معركة لايبزيغ) عام 1813. أدى عناد نابليون في مواجهة هذه النكسات إلى فقدانه دعم قطاعات كاملة من الأمة الفرنسية بينما انقلب عليه حلفاؤه أو أتباعه السابقون. بعد إجباره للتنازل عن العرش في عام 1814 بعد احتلال باريس، عاصمة الإمبراطورية الفرنسية، والتقاعد إلى جزيرة إلبا، حاول استعادة السلطة في فرنسا، خلال مسلسل المائة يوم في عام 1815. كان قادرًا على استعادة فرنسا وإعادة تأسيس النظام الإمبراطوري هناك دون توجيه ضربة، ولكن بسبب إبعاده عن أوروبا، وصلت البلاد إلى طريق مسدود مع الهزيمة الشديدة لواترلو، التي وضعت حداً للإمبراطورية النابليونية وضمنت استعادة سلالة بوربون. لا زالت وفاته في المنفى، في سانت هيلانة، في عهدة الإنجليز، موضوعًا لكثير من الجدل.

جعل التقليد الرومانسي نابليون النموذج الأصلي لـ«الرجل العظيم» الذي يُدعى لقلب العالم رأسًا على عقب. قدم الكونت دي لاس، مؤلف النصب التذكاري لسانت هيلانة، نابليون إلى البرلمان البريطاني في عريضة مكتوبة في عام 1818. يقارنه إيلي فور، في عمله «نابليون»، الذي ألهم أبيل جانس، بـ«نبي العصر الحديث». مؤلفون آخرون، مثل فيكتور هوغو، جعلوا المهزومة من سانت هيلانة «بروميثيوس الحديث» أي ذلك العملاق الإغريقي الذي حارب في صف الآلهة الأولمبية ضد العمالقة في الحرب العظمى، وقد كان ذا حنكة ودهاء ومحبب للبشر دونا عن الآلهة. قصته من أهم القصص في الميثولوجيا الغربية إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وترمز القصة لمضامين ودلالات هائلة في الفكر والتاريخ الغربي.. يخيم ظل «نابليون العظيم» على العديد من أعمال بلزاك وستندال وموسيت، ولكن أيضًا لدوستويفسكي وتولستوي والعديد من الأعمال الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، ظهر تيار سياسي فرنسي في القرن التاسع عشر، البونابرتية، يدعي فعل وطريقة حكم نابليون.

 

نابليون.. عبقري ذو رؤية أم مستبد أم مجنون؟

يبدو أن الفرنسيين محرجون جدًا من الرجل الذي قدم لهم أوروبا على طبق من ذهب وجعلهم ملوكا عليها. ما الذي يمكن أن تفعله فرنسا المعاصرة بهذا التراث المرهق؟ في البداية كان الرئيس ماكرون نفسه متردداً في المشاركة في إحدى هذه الاحتفالات التذكارية التي يعشقها، في حين تميل حملة الرأي الضعيفة إلى رفض أي نوع من الاحتفال بالذكرى، حيث أصبحت مسألة العبودية في السنوات الأخيرة، مركزية في الذاكرة الوطنية. لكن ماكرون يجيب خصومه السياسيين بأنه لم يكن نبيًا بل قائد عظيم. لكن ما زالت تبدو بقايا نابليون بونابرت، في قبره الرخامي في مقبرة العظماء، أرهقت للغاية فرنسا في القرن الحادي والعشرين. فبينما أعاد الإمبراطور ترسيخ العبودية في جزر الهند الغربية في عام 1802. لا يزال الرجل مرتبطًا بواحد من أكثر العصور المجيدة للأمة الفرنسية العظيمة.. لقد كان صاحب رؤية فذة ما زالت أفكاره راسخة اليوم في معظم دساتير العالم ولا سيما في الشؤون القانونية والمساواة، فبعد قرنين من الزمان، لا تزال بصمة نابليون موجودة في المؤسسات والمجتمع والفنون. بمجرد ذكر اسمه، لا يسعنا إلا أن نذكر تراثه المثير للإعجاب: القانون المدني، وسام جوقة الشرف، وترقيم المنازل، وجمع القمامة، وإنشاء الإدارات، والمدارس الثانوية والبكالوريا،، وقوس النصر، واستحداث منصب مدير الأمن، ومجلس الدولة، ومحكمة العمل، وغيرها الكثير. ولا يزال إرث الإمبراطور موجودا في عصرنا.

ساهمت الحروب النابليونية إلى حد بعيد في انتشار القانون المدني في البلدان المحتلة. صدر في 21 مارس 1804، القانون المدني أو «قانون نابليون». لقد تمكن نابليون من فرضه خلال حياته بفضل الفتوحات التي قام بها في أوروبا وضمه بلجيكا وهولندا وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا. هل معنى هذا أن هذه الدول لم يكن لديها آنذاك أي قانون مدني؟ لا ليس صحيحا. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، كانت هناك بالطبع قوانين مدنية موجودة في أوروبا. لكن العديد من هذه القوانين كانت إما مجردة للغاية، وإما قديمة جدا عفى عليها الزمن. كما أنها كانت مزيجا من القوانين الرومانية والمبادئ الإقطاعية. لقد تجلت عبقرية نابليون في تطبيق القانون المدني باللغات المحلية. وهكذا كانت كل دولة قادرة على ملاءمة القواعد التي تحكم الحياة اليومية، ولا سيما فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث والملكية.

يتساءل الفرنسيون: هل يجب أن نعتبره أبا للعصر الحديث أم طاغية عتيق الطراز؟ عبقريا أم دجالا؟ صاحب رؤية، يشعر بالحاجة الماسة إلى الوحدة الأوروبية أم حفار قبر التقدم الفرنسي، غير قادر على إعداد بلاده للثورة الصناعية التي كانت تحدث بالفعل في إنجلترا؟

أما وجهاء الطبقة السياسية فأغلبهم يعتبره مجداً وشرفاً لفرنسا.

عبقرية نابليون تجلت أيضا في رؤيته لما يحدث في عصرنا الحالي، حيث قال: «إن مجدي الحقيقي ليس انتصاري في أربعين معركة، فهزيمتي في واترلو ستمحو ذكرى كل هذه الانتصارات. شيء واحد لن يمحى أبد الدهر: القانون المدني الذي أصدرته».

الرئيس إيمانويل ماكرون عاشق لتاريخ فرنسا المجيد يحب نابليون، على عكس جاك شيراك الذي كان يكرهه، ووصفه بالقاتل ورفض الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لأوسترليتز، بينما عشقه ساركوزي وكان يتفاخر بأنه قصير مثله.. أما ماكرون فمقتنع بأن «على الدولة أن تفعل شيئًا ما» لهذا أكرمه وألقى إحدى تلك الخطب التي يحبها، من أجل إعادة فحص التراث النابليوني بعيون مشتاقة للمجد والعظمة.. لكن إذا لم يكن رئيس فرنسا هادماً للتماثيل، فهو ليس حاملا للعلم أيضًا فهو لا يريد قبل عام من انتخابه أن يكون ملكياً أكثر من الملك، لكنه لا يستطيع إخفاء إعجابه بأعظم عباقرة فرنسا في مجال الاستراتيجية العسكرية.

زعيم حديث ورث العديد من مؤسساته لفرنسا

يقال إن نابليون كان مهووسًا بإنجلترا، ولكن بعد قرنين من الزمان، ظل الإنجليز مهووسين بنابليون. إذ تحتوي المكتبة البريطانية على 13000 مجلد مخصص للإمبراطور الفرنسي. كان نابليون شخصية حديثة للغاية. قائدا يفهم دور الصورة والتواصل جيدًا. بدأ من لا شيء، دون ثروة، أعاد اكتشاف نفسه عدة مرات قبل أن يتوج نفسه إمبراطورًا في الـ35. والدليل، في عام 1796، كان جنرالًا بالفعل عندما بلغ بالكاد 27 عامًا، ولكنه، بفضل الثورة، أنشأ صحيفتين مسؤولتين عن الاحتفال بمآثره في إيطاليا. بعد الاستيلاء على السلطة في انقلاب عام 1799، وظف فريقًا من الكتاب والمؤرخين للاحتفال بعبقريته العسكرية. في المنفى في سانت هيلينا، لا ينسى أن يصوغ أسطورته الخاصة بعد وفاته، من خلال إملاء مذكراته الشهيرة على لاس كيسيس. يقدم نفسه هناك كرجل سلام وأوروبي عظيم.

لقد كان بالتأكيد انتهازيًا، لكن دوافعه السياسية لم تكن تفتقر إلى الصدق: كان مقتنعًا بأنه الممثل الوحيد القادر على إنقاذ أساسيات الثورة من خلال تثبيت استقرارها. كان يؤمن بصدق بالمساواة وينظر بازدراء إلى إرث الإقطاع الذي بقي في أوروبا.

لقد تبين أن المؤسسات التي صممها أكثر ديمومة بكثير من سلطته. بهر العالم بعبقريته، كتب المؤرخ الأميركي روبرت ب. هولتمان عن قانون نابليون أنه كان إحدى الوثائق القليلة التي غيرت وجه العالم. بعد النجاح في الماجنا كارتا والنصوص التأسيسية للديمقراطية الأميركية، كان بمثابة خطوة حاسمة نحو إنشاء ما نسميه اليوم سيادة القانون. يبقى أساس القوانين المدنية في معظم بلدان العالم، استبدل نابليون القوانين الإقطاعية القديمة بقوانينه الشهيرة، الحديثة والعقلانية أينما مرت جيوشه. لم تكن من قبيل المصادفة أن تتبعه البرجوازية وتكرهه الطبقة الأرستقراطية. كان إصلاحيا مجددا.

 

أوروبي أصيل مسؤول بشكل متناقض عن سلسلة من الحروب الفرنسية الألمانية

كان نابليون بونابرت متوحشًا، غير مبالٍ بإراقة الدماء، ومهووسًا بالإرادة، وفي الوقت نفسه، يعتبر أول سياسي أوروبي حقيقي في العصر الحديث. واصل السعي لتحقيق هدف إنشاء أوروبا بلا حدود وإنهاء ما رآه «حروبًا أهلية». هذا هو السبب في أنه اضطر إلى هزيمة «ألبيون الجادر» بأي ثمن، من أجل فرض «نظام قاري» يستثني الجزر البريطانية. لكنها ربما تكون أسطورة اخترعت في سانت هيلانة... لأنه كانت لديه هذه الإمكانية لإنشاء نظام أوروبي.

بعد أوسترليتز، اقترح عليه تاليران، تحقيقا لهذه الغاية، تجنيب النمسا وتعزيز السلام في أوروبا المنهكة. لم يستطع الإنجليز وحدهم الوقوف في طريق خططه. لكن نابليون الأول فرض سلامًا مهينًا على الإمبراطور هابسبورغ، وأخضع إيطاليا ودمر ما تبقى من الإمبراطورية المقدسة. وبذلك، أثار الكراهية القومية التي من شأنها أن تسمم العلاقات الفرنسية الألمانية لمدة قرن ونصف القرن.

 

حملة نابليون ونهضة مصر

قام نابليون بونابرت بحملة عسكرية على الولايات العثمانية مصر والشام (1798-1801م) بهدف الدفاع عن المصالح الفرنسية، ومنع إنجلترا من القدرة على الوصول للهند، وإنشاء إمبراطورية فرنسية في الشرق. كانت بداية حملة البحر المتوسط عام 1798، وهي سلسلة من المعارك البحرية شملت السيطرة على مالطة. لكن المفارقة أنه صبغها بأهداف علمية أثرت مصر فكريا وعلميا وثقافيا وساهمت في تعزيز نهضة محمد علي لمصر. فرغم أن غزو نابليون العسكري كان استعمارياً وخلف آثاراً سلبية في حياة المصريين، إلا أنه ساهم في إدخال البلاد عصر النهضة الحديثة بفضل إنجازه العلمي، فمع مدافعه وقواته أحضر بونابرت إلى مصر أكثر من 160 عالما وفنانا كلهم عظماء في مجالهم، اختارهم بعناية بالتعاون مع الجنرال كافاريللي. تألفوا من مهندسين وفنيين وفلكيين ومعماريين وكيميائيين وعلماء في التاريخ الطبيعي والمعادن ورسامين وموسيقيين وشعراء ومستشرقين. وأسس فور وصوله «المجمع العلمي المصري» بغية حل مشكلات الجيش الفرنسي في مصر، وأحضر المطبعة التي جعلت من مصر أهم روافد الثقافة والعلوم في الشرق برمته. كما أدت الحملة إلى اكتشاف حجر رشيد، واضعة بذلك حجر الأساس لعلم المصريات. بالرغم من تحقيق بعض الانتصارات، ونجاح الحملة في البداية، إلا أن نابليون اضطر إلى الانسحاب بجيشه لعدة أسباب منها حدوث اضطرابات سياسية في فرنسا، والنزاعات في أوروبا، وكذلك الهزيمة في معركة أبو قير البحرية وتنازله عن حلم إمبراطوريته تحت الشمس.

تجسيد مبدأ الجدارة الحديث

بعد وفاته، جعله أعداؤه قزمًا ساديًا. ولكن ما أخاف كل هذه المحاكم الأميرية والأرستقراطية التي لا تزال قائمة هو مبدأ الجدارة الذي جسده: الرجل هو الذي يدين بسلطته لنفسه فقط، ولموهبته، بناءً على إرادته. كثر الجدل في البلاد ليثبت أن الجمهورية الفرنسية لا تزال غير قادرة على مواجهة تاريخها من العبودية والاستعمار بشكل كامل. حلّ في زمن خطير، فالأكاديميون الفرنسيون الذين يدرسون العرق والجنس والطبقة يهاجمون التاريخ ويتعرضون للهجوم من الساسة، سخر الرئيس إيمانويل ماكرون من مجال دراسات ما بعد الاستعمار من خلال الإشارة إلى أنّه «شجّع على إثنية المسألة الاجتماعية»، إلى درجة أن الجمهورية في خطر «الانقسام». ودعا وزير التعليم العالي والبحث والابتكار في حكومته بشكل مباشر إلى إجراء تحقيق، قائلاً: «حتى نتمكن من التمييز بين البحث الأكاديمي المناسب والنشاط والرأي». وقال إن العلماء الذين يدرسون نظرية العرق النقدي وإنهاء الاستعمار، إلى جانب الهوية الجنسية والطبقة الاجتماعية، كانوا يروّجون لآيديولوجيا «اليسار الإسلامي». لكن ماذا سيقول ماكرون هذا الأسبوع؟ هل سيحتفل بالبطل الفرنسي أم بالديكتاتور المتعطش للدماء؟ إن ماكرون محق في الاعتقاد بأن الاحتفال بالإمبراطور شيء معقد ولكنه مشرف لرجل كتب تاريخ فرنسا بأحرف من نور، إنه أسطورة حية.

في الختام، استشرنا رأي الأمير يواكيم مورات، ابن شقيق الإمبراطور نابليون، الحفيد المباشر، من خلال الابن الأكبر للمارشال يواكيم مورات، ملك نابولي والصقيليتين ومن أخت الإمبراطور نابليون الأول زوجته كارولين بونابرت، لمعرفة رأيه في هذه الاحتفالات، فصرح لـ«المجلة»: «بصفتي الرئيس المستقبلي لـ Maison Murat وكعضو في العائلة الإمبراطورية في فرنسا، هذه وجهة نظري حول الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لوفاة الإمبراطور نابليون الأول وما يدار من جدل في البلاد:

في الواقع، نابليون الأول هو شخصية فريدة لا تضاهى في تاريخ العالم. لكنها قبل كل شيء تمثل حقبة. في الوقت الذي حولت فيه فرنسا والفرنسيون الفوضى إلى نور. في هذه الفترة، ولأول مرة، وبفضل نابليون، أصبح الجميع متساوين أمام القانون. مهما كانت ثقافتهم أو أصلهم أو دينهم. هذا أمر لا جدال فيه تاريخيا. صحيح أن نابليون هو أيضًا الشخص الذي أعاد تأسيس العبودية في عام 1802، لكن كان وقتها العالم كله يمارس العبودية، ولكنه حظرها بعد ذلك في عام 1815. هذه السنوات الثلاث عشرة للعبودية بالطبع لا يمكن تبريرها من وجهة نظرنا المعاصرة. لكن دعونا نتذكر أن فرنسا هي أول دولة في العالم ألغت العبودية في عام 1794. فإذا أعاد نابليون تأسيسها لمدة 13 عامًا، فقد ألغاها في عام 1815. دلوني عن أي دولة أخرى يمكن أن تقول الشيء نفسه؟

 

font change