الإنسان والحيوان.. بشاعة بلا شجاعة

الإنسان والحيوان.. بشاعة بلا شجاعة

يتوهم الإنسان أنه أرقى الكائنات الحية وأعقلها على وجه الأرض، وأكثرها فائدة للكون لأنه الأقدر وحده على استثماره وتطويره. ولذلك تراه يتأفف كثيرا وبسرعة مما يحيط به من تدهور شامل في كافة مناحي الحياة، وخاصة ما يحصل من تغيرات مناخية، وما تسببه من ارتفاع مهول في درجة حرارة الكرة الأرضية ذات الانعكاسات السلبية على مجاله البيئي ووضعه المعيشي.

 

وفي غمرة الانتشاء بأوهام رقيه وتميزه يتناسى الإنسان متعمدا أن نرجسيته، وغرائزه البدائية، وشراهته للغطرسة والسيطرة هي العوامل الرئيسية المسؤولة أولا وأخيرا عن اندلاع الحروب والصراعات وما تخلفه من دمار وتشريد وضحايا، وعن تدهور البيئة وتغير المناخ واستنزاف الموارد الطبيعية، وما تحدثه من كوارث وتفشي مجاعات وأوبئة وأمراض مستعصية تهدد البقاء البشري نفسه على الأرض.

تأخذ الإنسان العزة بالإثم، تعز عليه نفسه أن يحملها ما يقع من مآسٍ لجنسه، يدفعه الاعتداد بأنانيته إلى البحث عن أسباب أخرى لكوارثه، يجد ضالته في معظم الحالات في الحيوان، ولا يتورع بين الفينة والأخرى عن كيل الاتهام للغطاء النباتي، محملا هذا أو ذاك مسؤولية أي سلوك إنساني سيئ، رغم أنه يدرك في أعماقه أن اتهاماته ليست صحيحة، ولكنه لا يأبه إن كان ما يدعيه مجرد افتراء على كائنات حية أخرى، هو على ثقة بأنها غير قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا أحد يسمع أنينها غير خالقها.

انتشرت جرثومة فقدان المناعة (الإيدز) في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، غض الإنسان الطرف عنوة عن الأسباب الحقيقية لانتشار العدوى، التي يعلم أنها من مخلفات استشراء المشاعة الجنسية وتعددها بلا حسيب ولا رقيب أخلاقي أو ديني، وبدون اتخاذ احتياطات طبية أولية؛ ولكن حب الذات عنده يمنعه عن رؤية نفسه في المرآة، فلا يتردد في توجيه أصابع الاتهام لغيره. ليس هنالك في هذه الحالة أحسن من قردة الشمبانزي. هذا الحيوان المسكين ذنبه الوحيد أن له سلوكا طبيعيا مشابها بعض الشيء لسلوك البشر، ولكنه لن يستطيع تكذيب ما يلفق له من تهم.

تعددت أنواع الأنفلوانزا بين حادة ومتوسطة وخفيفة الأعراض، تجاهل الإنسان أسباب انتشارها، وتحور أنواعها جراء تنامي السكن الحضري، وتناسل غابات الإسمنت العشوائية وتكدسه فيها على حساب ما هو مطلوب من المرافق الترفيهية والرياضية والصحية، والمساحات الخضراء التي تعطيه هواء نظيفا وبيئة سليمة. لم يجد مرة أخرى أمامه سوى الحيوان فراح يتفنن في توجيه الاتهامات إليه، ويبحث عن فروق تكاد لا ترى بين أنفلونزا وأخرى. هذه ينسبها للطيور، وتلك للخنازير، وثالثة أقل انتشارا نسبها للخيول. ومن يدري أي الحيوانات عليه الدور مستقبلا. فالإنسان موغل في أنانيته، ولن يعوزه الخيال ليعلق شماعة نذالته على غيره من الكائنات الحية البريئة.

داهمت الإنسان على حين غرة جرثومة غير معهودة ولا مألوفة، أرغمته على سجن نفسه والانطواء على ذاته، والانعزال عن بني جلدته، وتجميد كل نشاطه. فجأة وجد نفسه ضعيفا، مشلول الحركة، ولكن عادة الكسل المتأصلة فيه لم تبرحه، إذ اكتفى باعتبار الجرثومة مستجدة، وبتسميتها كورونا.

وكما هو مألوف عنه، عجز الإنسان عن تحديد مصدر هذه الجرثومة، تبادل الاتهامات فيما بينه بشأن منشئها، كثرت مناوشاته حول ذلك المنشأ، هل هي من بنات الطبيعة أم مصنعة؟ وإن كانت مصنعة ففي أي مختبرات؟ خشي الإنسان أن تتحول مناوشاته إلى خلافات، فلم يسعفه غباؤه وضحالة تفكيره المعهودة سوى أن ينسب سبب هذه الجرثومة لأصغر الطيور، وأكثرها كسلا «الخفاش» متناسيا أن هذا الطائر لا يتحرك إلا ليلا، وبالتالي أوقات احتكاكه بالإنسان محدودة، ونقله للعدوى يكاد أن يكون معدوما.

لا يقف تجني الإنسان على الحيوان مطلقا، ها هو ذا الجدري يعود من جديد، ولا يتردد الإنسان في طمس الأسباب الحقيقية لهذه العودة المتمثلة في ممارساته الجنسية غير الطبيعية، ويدعي باطلا وبلا خجل من نفسه أن مسؤولية ظهور وباء الجدري وانتشار عدواه وتعميمها تعود للقردة بصفة عامة، بل تمادى أكثر في تجنيه فسارع إلى نسب أحد متحورات الوباء إلى الطماطم، ضاربا عرض الحائط بكل ما يعرفه عن فوائد الطماطم الصحية والغذائية.

أي بشاعة في التفكير والسلوك أكثر من هذا؟

إنها بشاعة بلا شجاعة تكرسها ممارسات الإنسان الأنانية، والأدهى والأمرّ أن منظمات دولية يفترض أنها ذات مصداقية وتتحلى بالنزاهة العلمية والفكرية تنشر تقارير ترسخ هذه البشاعة كما فعلت مؤخرا منظمة الصحة العالمية، التي بدلا من دعوة الإنسان إلى تهذيب سلوكه، وترشيد رغباته ونزواته وكبحها عند الضرورة، أصدرت تحذيرا عاما من مغبة ما تسميه زورا وبهتانا تصاعد وتيرة انتقال أشكال مختلفة من العدوى من الحيوان إلى الإنسان، ناشرة الهلع بالإشارة إلى احتمال ظهور جرثومة جديدة لن تكون البشرية قادرة على احتوائها.

ويأبى الإنسان برذالته وبخسته ونذالته أن يوقف تجنيه وافتراءه على الحيوان، فلا يتورع أشباه السياسيين والمتطفلون على السياسة المتناحرون في مختلف بلدان العالم عن تشبيه بعضهم البعض بالحيوانات، سعيا إلى التمويه على إخفاق سياساتهم وسوء تدبيرهم للشأن العام وفشلهم في القيام بواجباتهم. فهذا يصف ذلك بالذئب ويرد الآخر مشبها مهاجمه بالحمار، وقد لا يخجل ثالث من وصف خصومه بالكلاب، فيما هم جميعا ليست لهم لا أنفة الذئب الذي استعصى على الترويض في السيرك Circus، ولا وفاء الكلب، ناهيك عن جلد الحمار وقوة تحمله.

يبدو أن إنسان هذا العصر في حاجة إلى إعادة اكتشاف ابن المقفع حتى لا يقتله تزايد الغطرسة والغرور والجشع.

 

font change