الصدر الثالث: مقتـدى يـســتأنف ســيرة الصدريين

من جبل عامل الى العراق وإيران عائلة الصدر بين الحوزة والسلطة

مارتن ساتي
مارتن ساتي

الصدر الثالث:
مقتـدى يـســتأنف ســيرة الصدريين

لمّا كان العام 1785، شدَّ رجل دين شيعيٌّ غير معروف رِحالَه من جبل عامل (الكائن في جنوب لبنان حاليًّا) إلى حاضرة بغداد، فاتخذ لنفسه دارًا مع أسرته في الحي الشمالي من الكاظمية بعدما احتضنهم جبل عامل الوعر منذ مستهل القرن الثاني عشر. ذلك المرجع هو صلاح بن إبراهيم شرف الدين. رجل بسيط يسعى إلى الارتقاء بحال أهله والترقي في صفوف المجتمع. لم يدر في خلد الرجل البتة أنه سيغرس بذرة عائلة ستكون من أقوى العائلات المشتغلة بالسياسة حاليا: ألا وهي عائلة الصدر.

كُتب الكثير عن كبير الأسرة الحالي، مقتدى، الذي شغَل المشهد العراقي بُعَيْد غزو العام 2003 وما أعقبه من احتلال لبغداد. كان يومئذٍ شابًّا في الثلاثين من عمره، ثم طَغَت شهرته في العراق لأسباب أولها قيادته تمرّدًا على الأميركيين، ثم لاشتغاله بالسياسة، حتى أضحى اليوم واضعًا لأفراد ورافعاً لآخرين في السياسة العراقية. على ذلك، يحظى مقتدى بتمثيل جيد في جميع البرلمانات والحكومات منذ عام 2003 كما نهض بدور حاسم في تسمية كل رئيس من رؤساء الوزراء، بداية من إبراهيم الجعفري في 2005 إلى مصطفى الكاظمي في 2020.

غير أن شيئًا من عدم اليقين يكتنف المراقبين العراقيين حيال توصيف حال الرجل – فغلب على بعضهم وصفه بأنه وطني أمين يريد تخليص العراق من الوصايتين الأميركية والإيرانية، فيما يراه آخرون محضَ بلطجي بيدين ملطختين بالدماء (في إشارة منهم إلى اغتيال الزعيم الشيعي البارز عبد المجيد الخوئي في أبريل /نيسان 2003 بأوامر من مقتدى وفق ما أفاد به الأميركيون، وذلك بعد أيام قليلة من دخول قواتهم النجف).

يرى منتقدو الرجل أن هدفه الحالي منصرف إلى ترسيخ سلطان عائلته، لا سيما بعد الفوز بثلاثة وسبعين مقعدًا من أصل 329 في انتخابات البرلمان العراقي التي عقدت في أكتوبر /تشرين الأول الماضي، فادّعى مقتدى الصدر حيازة أغلبية واضحة سعى من خلالها إلى فرض شخصية من اختياره لشغل منصب رئيس الوزراء، رافضًا مشاطرة السلطة مع زعامات شيعية أخرى ضمن تجمع الإطار التنسيقي المدعوم من إيران.

وعندما رفض التجمع تزكية مرشح الصدر، أي جعفر الصدر (ابن عم مقتدى وصهره)، أمر مقتدى نوّابه بالاستقالة من البرلمان أملًا في إسقاط المجلس برمته. لكن ذلك لم يحدث، بل إن الإطار التنسيقي استغل ذلك لإخراج مقتدى من مشاورات تشكيل الحكومة بزعم امتلاكهم الكتلة الوحيدة الكبرى في البرلمان إثر تلك الاستقالات، فردّ أنصار مقتدى باقتحام البرلمان العراقي أواخر يوليو/تموز، ما أحدث شللًا في الدولة وفي سلطتها التشريعية.

يُنبئكَ التجوُّل في الحي الشيعي من مدينة الصدر بالتأييد الواسع الذي يتمتع مقتدى به والذي تظهر له صور ضخمة بعباءته السوداء، مجتَمِعاً في بعضها (بفضل برامج الفوتوشوب) مع والده الراحل صادق وحميه باقر الصدر، وكلاهما من الشخصيات البارزة في التاريخ العراقي، ولهما فضل أثير في استمرار مسار مقتدى السياسي، وكذلك في حكاية الشيعة العراقيين. وعلى الرغم من انقضاء سنوات كثيرة منذ مقتل الرجلين بأوامر من صدام حسين، فإن مقتدى لا يملّ ذكرهما ولا التذكير بأهميتهما في تاريخ العراق – لا سيما في الأوساط الشيعية منه.

للصحافي الفائز بجوائز عدة، باتريك كوكبيرن، كتاب مرجعي اسمه “مقتدى”، فيه يصف باقر الصدر (المقتول في 1980) باسم “الصدر الأول”، أو “الشهيد الأول”، ثم ينعت صادق (والد مقتدى) المقتول غيلةً في 1999 باسم “الصدر الثاني” أو “الشهيد الثاني”. وكانت الإشارة باسم “الشهيد الثالث” إبّان قيادة مقتدى التمرد المسلح على الأميركيين في 2004، ليصير بذلك “الصدر الثالث”، علمًا بأن تعداد الشهداء بتراتبية عددية ليس غريبًا على الشيعة إذ غلب عليهم ذلك عند الإشارة إلى اثنين من أوائل علمائهم الشهداء، وهما: جمال الدين المكي، وزين العابدين بن علي الجباعي العاملي.

ويقتضي الفهم الأوفى لحالة مقتدى منا نظرة أدقّ في تاريخ عائلته المعروفة، فضلًا عن التعرف إلى من اتخذهم قدوة في حياته حتى صار ما هو عليه اليوم.

الصدر الأول

وُلِد باقر الصدر في الكاظمية في 1935، وكان العراق حينئذٍ تحت سلطان الأسرة الهاشمية سليلة النبي محمد، وهو سلطانٌ آلَ إلى تلك الأسرة من البريطانيين في سوريا أولًا ثم في العراق والأردن. حرص ملك العراق الأول، فيصل الأول، على الإغداق على الشيعة، فعيّن رستم حيدر (الرفيع المقام من بعلبك) مبعوثًا شخصيًّا للملك ووزيرًا لماله، فيما نصّب محمد الصدر (أحد أبناء عمومة والد مقتدى) رئيسًا على مجلس الشيوخ العراقي في 1929، ليصبح في نهاية المطاف رئيسًا لوزراء العراق (وإنْ لفترة وجيزة) في 1948. بل بلَغ من تقريب الملك فيصل إياهم أن اختار يوم 18 من ذي الحجة من التقويم الهجري (23 أغسطس /آب) تاريخًا لتتويجه عام 1921 في بغداد، فهو اليوم الذي يعتقد المسلمون الشيعة أنه وقع فيه اختيار النبي محمد على ابن عمه وصهره، عليّ بن أبي طالب، خليفةً له والذي يحتفلون به باسم "عيد الغدير".

(غيتي)
السيد محمد الصدر متوسطا اعضاء مجلس الأعيان في 1933

نشأ باقر في مجتمع متسامح. وربّاه أخوه الأكبر إسماعيل بعد أن توفي أبوهما حيدر صغيرًا، فأرسله إسماعيل في 1946م لدراسة المذهب الشيعي في مدينة النجف الأشرف الواقعة على بُعد 160 كم جنوب بغداد. بدَت على باقر أمارات النبوغ والموهبة في طلب العلم بكل المقاييس، فأسهم في إنشاء حزب سياسي ذي مرجعية دينية باسم "الدعوة" في 1957 في داخل النجف على سبيل استجابة الرؤى الليبيرالية والعلمانية المتزايد تغلغلها في العراق والعالم العربي بصفة أعمّ، علماً أن الجانب الأكبر من تلك العلمانية قد برز حيث كانت القوى الاستعمارية حاضرة منذ أمد قريب - مثل فرنسا وبريطانيا العظمى، إذ أصبحت النساء حاسرات، وامتنع الرجال عن الذهاب إلى المساجد اللهم إلا للجُمَع.

بل إن بعض العراقيات شرَعْن في الانخراط في السياسة عبر بوّابة الحزب الشيوعي العراقي الذي بلغ أوجه في ذروة الحرب الباردة داعيًا المنتسبات إليه إلى تحطيم قيود المجتمع القابع تحت الهيمنة الذكورية. كان لذلك وقْعه الشديد على المسلمين المتدينين مثل باقر الصدر الذي كان يومئذٍ شابًا في الثالثة والعشرين من عمره، فلجأ إلى إنشاء حزب الدعوة أملًا في حماية القيم الإسلامية.

انضمّ باقر أيضًا إلى حوزة شيعية التقى عبرها بالمرجع الإيراني البالغ حينها من العمر اثنتين وستين عامًا، ألا وهو روح الله الخميني، قرابة العام 1965. كان الخميني يومها منفيًّا من بلده لمعارضته أسلوب الحكم العلماني الموالي للغرب الذي انتهجه الشاه محمد رضا بهلوي، وانتهت به الحال إلى المكوث في العراق لنحو أربعة عشر عامًا حتى 1978. وعى الخميني أهمية آل الصدر بالنظر إلى انتسابهم المباشر إلى النبي محمد عبر إمام الشيعة السابع، موسى الكاظم.

ضمّت عائلة الصدر فرعًا إيرانيًّا وُلِدَ له موسى الصدر في 1928، ثم انتقل إلى لبنان أواخر الخمسينات حيث أسس حركة المحرومين (المعروفة باسم “أمل”) التي كانت على صلة قوية بالخميني الذي تودد إلى الشاب باقر الصدر وأذكى حسّ الثورة في صدره وصدور أعضاء حزب الدعوة، فكانوا يجلسون أمامه كأن على رؤوسهم الطير وهو يحاضرهم في معنى الدولة الإسلامية التي لا دستور لها سوى القرآن الكريم ولا حكم فيها لقانون سوى حديث النبي وسنّته.

سعى باقر وأقرانه إلى التوسع في نشاطهم السياسي بعدما أفضت ثورة دموية إلى خلع الملك الشاب فيصل الثاني وقتله شرّ قتلة هو وكامل أسرته في 14 يوليو/ تموز 1958، إذ تعرضوا جميعًا لإطلاق النار والتمثيل بجثامينهم، وشاركهم في مصيرهم رئيس الوزراء الموالي للأميركيين – نوري باشا السعيد. كان الرجل القوي الجديد في العراق، عبد الكريم قاسم، نصفَ شيعي من ناحية الأم، فأمر بإنشاء المنازل والبنى التحتية في منطقة أريد لها أن تكون ضاحية شيعية خالصة تقوم على شأن الفقراء والمعوزين. سُمِّيت تلك الضاحية باسم “الثورة” (أي: مدينة الثورة، نسبة إلى ثورة 1958) بادئ الأمر، ثم غيّره صدام إلى “مدينة صدام” في 1982. وبعد سقوط صدام في 2003 أعاد مقتدى تسميتها “مدينة الصدر” على اسم والده المغدور صادق الصدر.

كان لعلاقة باقر المتقلبة مع أوساط الضباط مراقيها ومهاويها، ففي يناير/ كانون الثاني 1970 اتُّهِم أنصاره بالعزم على تنفيذ انقلاب على الرئيس البعثي أحمد حسن البكر. ثم أُلقِي القبض على باقر لفترة وجيزة بعد ذلك بعامين بتهمة إلقاء خطب مناوئة لنظام الحكم، إلا أنه أُخلي سبيله بسبب الوزن الهائل لأنصاره وأعدادهم الغفيرة في عموم جنوب العراق. مع ذلك، نُفِّذ حكم الإعدام في أربعة وسبعين عضوًا من أعضاء حزب الدعوة بمناطق النجف وكربلاء والبصرة، أما قائد الحزب في بغداد -عبد الصاحب دخيل- فاختفى إلى الأبد. وعندما طلب قائد الجهاز الأمني فاضل البراك من باقر حذف عبارة وردت في أحد كتب باقر تنتقد الاشتراكية (وهي المرجعية الفكرية لحزب البعث)، وافق الأخير على ذلك في مسعى منه لتجنب المواجهة مع الجهاز الأمني، لكنه رفض طلباً آخر لاستكتابه كتابًا عن الدين باسم الرئيس أحمد حسن البكر

خميني العراق

حمل شهر فبراير/شباط 1979 نقطة تحوّل في مسيرة باقر الصدر إثر قيام الثورة الإسلامية في إيران وإطاحتها حكم الشاه المستبد والأسرة البهلوية التي استأثرت بالحكم منذ منتصف العشرينات. لم يستطع باقر إخفاء جذله بالمستجدات، فأرسل مبعوثًا إلى طهران لتهنئة صديقه القديم (الإمام الخميني)، ودعا إلى إشاعة الاحتفالات لثلاثة أيام في النجف. ربما لم يدر في خلد الرجل أن ذلك سيثير حنق الطبقة الحاكمة في العراق التي لم تكن على وفاق كبير مع الشاه – بل دأبت على كيل الاتهامات له بأمور منها العمالة للإمبريالية الغربية والتحالف مع الولايات المتحدة وصداقة إسرائيل. بيد أن مجرد الجنوح بالخيال إلى قيام رجل دين معمَّم بإطاحة رئيس أو ملك عتيد القوة كان كافيًا لإثارة الرعب والسخط عند النائب القوي حينها لرئيس العراق – صدام حسين.

فما إنْ بلغ صدام سُدة الحكم في يوليو /تموز حتى أمر بالانقضاض على حزب الدعوة، وتوقيف ما بين ألفين وأربعة الاف نصير من أنصار الباقر، وإنفاذ حكم الإعدام في نحو 200 منهم، إذ لم يكن الرئيس الجديد ليسمح أبداً بظهور خميني آخر في العراق.

صدرت الأوامر بإرسال قوة أمنية من مئتي عنصر إلى النجف لوضع باقر الصدر قيد الإقامة الجبرية، فألزمته منزله وقطعت عنه الكهرباء وخطوط الهاتف والماء النظيف. ثم عرض عليه صدام عرضًا: الصمت المطبق طوال حياته، أو الإدانة الواضحة للثورة الإسلامية وقائدها آية الله. لم يرض باقر بأيٍّ من الخيارَين، فاندفع صدام إلى حظر حزب الدعوة في مارس/ آذار 1980. بذلك أضحت عضوية الحزب جريمة عظمى عقوبتها الإعدام. وفي 8 أبريل/ نيسان 1980، أي قبل اندلاع الحرب الإيرانية العراقية بخمسة أشهر، أُخِذَ باقر الصدر إلى سجن رسمي رفقةَ أخته بنت الهدى، فأُعْدِما على عَجَلٍ بأمر صدام، علمًا بأن رواية إعدامهما تختلف بين روايتين – الأولى أنهما أعدما شنقًا في زنزانتيهما، والأخرى أنهما أُعدِما رميًا بالرصاص.

الصدر الثاني

اختلفت سيرة صادق، والد مقتدى، عن حياة حميّه في بروزها وماثلتها في تأثيرها. وُلد صادق في 1943، وتتلمذ على يدي باقر الصدر، لكنه لم يحظ بالشهرة إلا على إثر الانتفاضة الشيعية في 1991 ضد صدام حسين بُعَيد تحرير الكويت. لم يكن صادق أبرز أبناء عائلة الصدر بعد باقر، لذا نافسه فرد آخر نافذ من الأسرة على الزعامة، وهو فرد “منشقّ” اسمه آية الله حسين الصدر الذي لا يزال في الكاظمية حتى اليوم (2022) حيث يقود فرعًا منفصلًا من الأسرة ولا يبدي الطاعة العمياء لمقتدى. المعروف أن تحالفًا دوليًّا بقيادة الولايات المتحدة الأميركية شنّ حرب الخليج الثانية التي تركت العراق خراباً بلقعاً، فظن كثرٌ أن أيام صدام باتت معدودة، ومن هؤلاء صادق الصدر الذي لم يتخلَّ عن الانتفاضة إلا بعدما ثبت له أن سلطان صدام حسين أبعد ما يكون عن الزوال. قرر الرئيس العراقي حينها إبقاء حياته، إذ عرف فيه هدوء النزعة المسلحة مقارنةً بنظرائه من المرجعيات، كما عرف فيه سمة أهمّ – ألا وهي عدم التماهي مع إيران الخمينية.

في خطبة الجمعة في 12 فبراير/ شباط 1999 قام صادق خطيبا في الكوفة داعيًا إلى إطلاق سراح 101 شيعي من رجال الدين وطلابهم إثر توقيفهم منذ عام 1991. فردّ المصلّون من خلفه بصوت هادر: "الحين! الحين! الحين! نريد! نريد! نريد!" وبعد ثلاثة أيام أرسل صادق رسالة إلى زعيم المعارضة العراقية في لندن، أحمد الجلبي، قائلًا: "أطلب المساعدة. صدام سيقتلنني"


توسّم صدام في صادق إمكان معاونته في السيطرة على الحوزات، وهو ما يعلل لاتهامات عائلات كبرى كثيرة -مثل آل الحكيم (المقيمين يومئذ في طهران)- لصادق بالعمالة للاستخبارات العراقية إبان تلك الفترة. ولما نشبت الحرب الإيرانية العراقية في سبتمبر /أيلول 1980، أنشأ آل الحكيم منظمة بدر بأموال إيرانية ولغرض أوحد هو قتال جيش صدام – وهو ما عارضه صادق من اليوم الأول.  


لكن صدام لم يكفّ يوما عن الشكّ، فما أولى ثقته الكاملة إلى صادق، بل اعتبر تعاونه محض تقية ومناورة، لذا لم يُسمَح لصادق إلا بإمامة الجمعة أواخر التسعينات في الكوت (1996) ثم في بغداد (1997)، ثم في الكوفة ختامًا في 1998، قبيل أشهر من اغتياله.


 بيد أن خطب الجمعة تلك وإنْ صيغت بنية تعزيز الولاء لصدام فقد جاءت بأثر عكسي في الواقع: إذ رسخت الولاء لصادق الصدر نفسه فأضحى كأنه حواريّ حيّ بالنسبة إلى جميع من يدورون في فلكه. تعاظمت الضغوط في أواخر التسعينات على صدام من ساكن البيت الأبيض حينها، بيل كلينتون، إذ أفضت الأزمة الشهرية في خصوص مفتشي الأمم المتحدة الباحثين عن أسلحة الدمار الشامل إلى مواجهة عسكرية موسعة عرفت باسم عملية ثعلب الصحراء التي بدأت في 16 كانون الأول/ديسمبر 1998. تَغيّر مزاج صدام، ولم يعد في سعة من نفسه لأية مهادنة مع من لا يواليه بنسبة 100 في المئة، فارتدّ بعنف على الشيعة بتوقيف آلاف منهم وإعدام كثرة منهم في السجون، وهذا ما عسّر على صادق الصدر التزام الصمت.


 ولما حانت خطبة الجمعة في 12 فبراير/ شباط 1999 قام صادق خطيبا في الكوفة داعيًا إلى إطلاق سراح 101 شيعي من رجال الدين وطلابهم إثر توقيفهم منذ عام 1991. فردّ المصلّون من خلفه بصوت هادر: "الحين! الحين! الحين! نريد! نريد! نريد!" ارتجّت زينة مسجد الكوفة من صوت المصلين، وبعد ثلاثة أيام أرسل صادق رسالة إلى زعيم المعارضة العراقية في لندن، أحمد الجلبي، قائلًا: "أطلب المساعدة. صدام سيقتلنني".  


لم يخالف صدام التوقع، إذ تعرّض صادق وابناه لكمين في 19 فبراير/ شباط عند دخولهم ميدان ثورة 1920 في النجف حيث وقفت سيارة من طراز "أولدزموبيل" عند إحدى زوايا المكان وهي مكدسة بمسلحين فتحوا النار على سيارة صادق فقتلوا ابنيه والسائق على الفور، أما صادق فأصيب بجروح في الرأس والساقين فنُقِل إلى مستشفى صدام على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات.  
غير أن المستشفى المملوك للدولة ترك الرجل ينزف حتى الموت، وهو بعدُ ابن 56 عاما.
 

font change