تسريب البنتاغون... بين الحرج الاستخباري والحرب في أوكرانيا

تسريب البنتاغون... بين الحرج الاستخباري والحرب في أوكرانيا

على الرغم من أن الخرق الأمني في البنتاغون والذي أدى إلى تسريب ملفات استخباراتية عالية السرية عبر الإنترنت تسبب في إحراج شديد لواشنطن، إلا أنه يوفر أيضا نظرة ثاقبة لرؤية إدارة بايدن للصراع في أوكرانيا.

وعزاء قادة الأمن الأميركيون الوحيد في هذه القضية المؤسفة هو أن المشتبه به الرئيس في هذه الفضيحة، جاك تيكسيرا، لم يكن يعمل لصالح دولة معادية.

وبدلا من ذلك، يبدو أن العنصر في الحرس الوطني في ولاية ماساتشوستس والبالغ من العمر 21 عاما كان مدفوعا ببساطة برغبته في مشاركة المعلومات الاستخباراتية الأميركية شديدة الحساسية مع أصدقاء كان قد تعرف عليهم في أحد نوادي الإنترنت المعروف باسم "ثاغ شيكر سنترال" (Thug Shaker Central).

وستطرح داخل دوائر الأمن الأميركية أسئلة حول السبب الذي تمكن من خلاله شخص غريب الأطوار مثل تيكسيرا- قيل مرة عنه إنه صور نفسه في ميدان الرماية وهو يتفوه بإهانات عنصرية قبل إطلاق النار- من الوصول إلى وثائق سرية قبل قيامه بمشاركتها مع أصدقائه دون أن يُكتشف.

عزاء قادة الأمن الأميركيون الوحيد هو أن المشتبه به الرئيس في هذه الفضيحة، جاك تيكسيرا، لم يكن يعمل لصالح دولة معادية

وسيشعر رؤساء المخابرات الأميركية بالراحة أيضا لأن التسريب نتج عن عدم كفاية الإجراءات الأمنية والتدقيق، وليس بسبب تمكن دول معادية مثل الصين أو روسيا أو إيران من اختراق شبكة جمع المعلومات الاستخباراتية الأميركية.

يشكل تسريب الوثائق السرية التي تمكّن تيكسيرا من كشفها باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، مثل "ديسكورد" (Discord)، والبالغ عددها نحو مئة، أهم تسريب استخباراتي تعاني منه الولايات المتحدة منذ قيام المتعاقد السابق مع المخابرات الأميركية إدوارد سنودن بسرقة كميات هائلة من البيانات المخزنة لدى وكالة الأمن القومي عام 2013.

كانت هناك مخاوف في ذلك الوقت من أن يكون سنودن مرتبطا بعمل مع الصينيين أو الروس، خاصة وأنه قدم بعد ذلك طلب لجوء إلى روسيا التي حصل على جنسيتها نهاية العام الماضي.

ولكن، لا يوجد في الوقت الحالي ما يشير إلى أن تيكسيرا كان يعمل لصالح جهاز مخابرات أجنبي، ولكنه كان يستخدم الوثائق السرية ببساطة لإثارة إعجاب معارفه على الإنترنت.

ومع ذلك، فقد ثبت أن تسريب هذه المعلومات كان مصدر قلق بالنسبة لواشنطن لعدة أسباب، ليس أقلها أنها فضحت استمرار الولايات المتحدة في التجسس على الدول التي يفترض أن تكون حليفة لها، فضلا عن الكشف عن رأي الأميركيين الحقيقي بخصوص تحقيق أوكرانيا للنصر في حربها المستمرة منذ أكثر من عام ضد روسيا.

ومن أكثر الأمور المحرجة التي انكشفت عن إدارة بايدن، والتي من المفترض أن تحترم علاقتها الطويلة الأمد مع إسرائيل، الادعاء باعتقاد مسؤولي المخابرات الأميركية أن جهاز الموساد الإسرائيلي شجع الموظفين والمواطنين الإسرائيليين على المشاركة في حملة الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والتي اندلعت في مختلف أنحاء البلاد الشهر الماضي ضد الإصلاحات القضائية التي اقترحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لن تكون مصر هي الأخرى راضية عن هذه التسريبات، إذ تزعم إحدى الوثائق السرية أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وافق سرا على خطط لتزويد روسيا بـ40 ألف صاروخ لاستخدامها في حربها ضد أوكرانيا، وهي خطوة تقوّض ادعاءات القاهرة بأنها حليفة لواشنطن التي تدعم أوكرانيا في الصراع.

ومن بين التسريبات الأخرى الادعاء بأن الصين توصلت إلى اتفاق مع روسيا لتوفير أسلحة فتاكة شرط المحافظة على سرية شحنات تلك الأسلحة، وتلميح بقيام وكالات التجسس الأميركية بمراقبة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بسبب التخوف من أن تتسبب نشاطاته بتقويض الجهود الواسعة لمحاسبة موسكو على أفعالها في أوكرانيا.

لكن، ومن وجهة نظر واشنطن، فإن أكثر الأمور إحراجا في التسريبات هو الكشف عن الهواجس العميقة لدى صانعي السياسة في واشنطن بشأن قدرة كييف على تحقيق النصر على روسيا، على الرغم من كون الولايات المتحدة هي الداعم العسكري الرئيسي لأوكرانيا وموافقتها مؤخرا على إرسال 3.75 مليار دولار كمساعدات عسكرية جديدة.

ووفقا لتفاصيل أحد التقارير التي نُشرت في صحيفة "واشنطن بوست"، أعرب المسؤولون العسكريون الأميركيون عن مخاوفهم في أوائل فبراير/شباط بشأن فرص نجاح هجوم أوكرانيا المضاد، قائلين إن المشاكل المتعلقة بتكوين ودعم قوات كافية يمكن أن تتسبب في تقليص حجم المكاسب الإقليمية.

كما جرى تحليل الصعوبات التي تواجهها أوكرانيا في الحفاظ على دفاعاتها الجوية الحيوية، وأطلقت تحذيرات في أواخر فبراير/شباط الماضي بخصوص نفاد الصواريخ المهمة لدى كييف.

من بين التسريبات الأخرى الادعاء بأن الصين توصلت إلى اتفاق مع روسيا لتوفير أسلحة فتاكة شرط المحافظة على سرية شحنات تلك الأسلحة، وتلميح بقيام وكالات التجسس الأميركية بمراقبة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بسبب التخوف من أن تتسبب نشاطاته بتقويض الجهود الواسعة لمحاسبة موسكو على أفعالها في أوكرانيا

تأكدت جدية هذه المخاوف لاحقا بعد أن حذر كبار ضباط القوات الجوية الأوكرانية هذا الأسبوع من أن نقص صواريخ الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة قد يؤدي إلى فقدان أوكرانيا السيطرة على أجوائها في وقت مبكر من الشهر المقبل، مما يهدد هجوم الربيع المخطط له ويعرض المدن الأوكرانية لخطر القصف الروسي من النوع الذي تعرضت له سوريا.

وحذر الكولونيل يوري إهنات، في سلاح الجو الأوكراني، من أن "الوضع خطير للغاية بالفعل. إذا خسرنا الصراع على سمائنا ستكون العواقب وخيمة. سوف يسحق الروس كل المدن تماما كما فعلوا في سوريا. وستكون محطات الطاقة النووية لدينا معرضة للخطر أيضا. وسنعاني لحماية قواتنا في الخطوط الأمامية".

كما تضمنت التسريبات أعداد الضحايا الذين سقطوا في الآونة الأخيرة، مما يظهر الثمن الباهظ الذي دفعه الأوكرانيون في سبيل الدفاع عن حريتهم. وفي حين أن سقوط ما يقرب من 223 ألف روسي بين قتيل وجريح يتماشى مع أحدث التقارير المنشورة، فإن الادعاءات بسقوط ما يقارب 131 ألف أوكراني سيشكل مفاجأة للكثيرين، ويمكن أن يسبب إحراجا للمسؤولين الأوكرانيين الذين حاولوا إخفاء الأرقام الحقيقية للخسائر.
 

حذر الكولونيل يوري إهنات، في سلاح الجو الأوكراني، من أن "الوضع خطير للغاية بالفعل. إذا خسرنا الصراع على سمائنا ستكون العواقب وخيمة. سوف يسحق الروس كل المدن تماما كما فعلوا في سوريا"

وأثارت المزاعم بالتأكيد رد فعل غاضبا من المسؤولين الأوكرانيين الذين رفضوا التسريبات ولمّحوا إلى أنها قد تكون حملة تضليل روسية.

هناك أيضا مؤشرات على أن المسؤولين الأوكرانيين أصيبوا بالإحباط من تقييم واشنطن المتشائم لقدراتهم القتالية، حيث غرد المستشار الرئاسي ميخايلو بودولياك قائلا: "نحتاج إلى قدر أقل من التأمل في التسريبات، والمزيد من الأسلحة بعيدة المدى من أجل إنهاء الحرب بشكل صحيح".

إلا أن الأوكرانيين ليسوا وحدهم من يجدون أنفسهم محرجين من التسريبات؛ فمسؤولو الأمن الروس لن يكونوا سعداء أيضا بتسريب تلميحات حول اختلاف كبار مسؤولي المخابرات الروسية إزاء ضرورة الإبلاغ عن عدد الضحايا، بالإضافة الى تلميحات بأن وكالة المخابرات الرئيسية في البلاد (FSB) اتهمت وزارة الدفاع بالتقليل من الأثر البشري للحرب.

ويستمر طرح الأسئلة حول صحة بعض هذه الادعاءات، حيث يشير مسؤولو الأمن الأميركيون والبريطانيون إلى أنها لا تروي القصة كاملة. إلا أن العثور على مثل هذه المعلومات الحساسة في المجال العام بسبب تصرفات عنصر بسيط في الحرس الوطني الأميركي يمثل إحراجا كبيرا آخر لمجتمع المخابرات الأميركية.

font change