وكالة الطاقة للأخطاء المستدامة

وكالة الطاقة للأخطاء المستدامة

"هناك منظمة تسمى وكالة الطاقة الدولية، أعتقد أنها أثبتت أن الأمر يتطلب موهبة خاصة حقا لتكون على خطأ باستمرار".

جملة مفصلية قالها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في جلسة حوار عن إمدادات الطاقة العالمية في "منتدى قطر الاقتصادي" الاسبوع الماضي، في معرض تحذيره الواضح من التوقعات والدراسات والبيانات التي تطلقها "وكالة الطاقة الدولية".

هذا التحذير من الدراسات الخاطئة التي تصدرها الوكالة، يأتي بعد 13 شهرا من قرار "منظمة أوبك" إقصاء بيانات إنتاج النفط من وكالة الطاقة الدولية، والتخلي عنها رسميا كمرجع لتقييم حالة سوق النفط. وقول الأمير عبد العزيز إن الوكالة تملك موهبة في ارتكاب الأخطاء باستمرار، يعني تنبيها جديدا لجميع المعنيين من تقاريرها، خصوصا أن توقعاتها كانت السبب في معظم تقلبات أسواق النفط، والعزوف الكبير عن استثمارات المنبع في الوقود الأحفوري، مما سيؤثر على مستقبل الإمدادات وتلبية الطلب العالمي المتزايد على مصادر الطاقة.

من الواضح أن تقلبات الأسعار عام 2022 وحال الضبابية وعدم اليقين التي تعيشها أسواق الطاقة حالياً، هي إحدى نتائج دراسات "وكالة الطاقة الدولية" وتوقعاتها، بدعوتها إلى وقف استثمارات النفط والغاز. وهي غضت الطرف عن تأثير السياسات النقدية على أسواق الطاقة، وتأثيرها الكبير على أسواق النفط، كما عن اغراق التيسير الكمي أثناء ذروة جائحة كوفيد-19.

لنتذكر قليلا لماذا أقصت منظمة "أوبك" بيانات الوكالة؟

قررت "أوبك" التوقف عن استخدام بيانات الانتاج من "وكالة الطاقة الدولية" في شهر أبريل/نيسان عام 2022، التي كانت أحد المصادر الثانوية لبيانات إنتاج أعضاء المنظمة. من وجهة نظري جاء ذلك القرار متأخراً بعد عامين من تناقضات دراسات الوكالة المنحازة، لذا من البديهي أنها لن تكون دقيقة أو عادلة في عرضها لبيانات الإنتاج.

دراسات وكالة الطاقة الدولية منحازة، لذا من البديهي أن تكون تقديراتها غير دقيقة أو عادلة في عرضها لبيانات الإنتاج

لم يكن إقصاء بيانات الوكالة بعدما تدهورت العلاقة بين منظمة الدول المنتجة ومنظمة الدول المستهلكة، بسبب سياسات المناخ فحسب، ولكن كان ينبغي للجنة "أوبك" الفنية المشتركة أن تتخذ هذا القرار في وقت مبكر بعد تقاريرها وتصريحاتها المتناقضة وتوقعاتها المضلّلة التي أثرت وستؤثر سلباً، على مستقبل إمدادات الطاقة العالمية، لا سيما مع خريطة طريق الوكالة لانبعاثات كربونية صفرية لعام 2050 ودعواتها إلى الوقف الفوري لاستثمارات المنبع في النفط والغاز، مما سيكون له عواقب كارثية على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

من هنا تأتي نصيحة وزير الطاقة السعودي للمضاربين في أسواق العقود الآجلة بلزوم الحذر، وهذا يعني أن يكون لديهم التزام أدبي حيال أساسيات السوق، فليس من مصلحة أحد أن تنهار الأسواق كما شهدنا في شهر أبريل/نيسان عام 2020، عندما سقط سعر خام غرب تكساس إلى مستوى سلبي. فلا مانع من المتاجرة والمرابحة، ولكن مع احترام أساسيات السوق لأننا نعيش في عالم واحد تتأثر فيه كل الاقتصادات عندما تهتز أسواق النفط خصوصا.

تباع براميل النفط في الأسواق المادية (Physical Markets) إلى مصافي التكرير للتسليم الفوري، أما في أسواق النفط الآجلة (Futures Markets)، فتتم المراهنة على براميل النفط دفتريا في تواريخ محددة في المستقبل، كما تسمح للمضاربين بالتحوط وبالتالي تقليل الأخطار، بحيث تحدد أسعار العقود الآجلة من خلال العرض والطلب على مراكز العقود الآجلة للنفط. خلال الأسابيع الماضية حدث انخفاض كبير في صفقات شراء العقود الآجلة على منصة "نايمكس"، بحيث انخفضت إلى أقل من 400 ألف عقد وسط مخاوف من الركود الاقتصادي، الأمر الذي دفع صناديق التحوط ومديري الأموال إلى ترك مراكزهم النفطية والبيع، في أحد أسرع معدلات البيع خلال السنوات الثلاث المنصرمة، بحيث بيع اكثر من 200 مليون برميل في الأسواق الآجلة، اذ ان مخاوف التضخم الاقتصادي دفعت المضاربة في العقود الآجلة إلى أدنى مستوى لها منذ شهر أبريل/نيسان عام 2020 عندما تم تداول خام غرب تكساس الوسيط بالسعر السلبي.

لا مانع من المتاجرة والمرابحة، ولكن مع احترام أساسيات السوق لأننا نعيش في عالم واحد تتأثر فيه كل الاقتصادات عندما تهتز أسواق النفط خصوصا

شهد عام 2022 تباعدا بين أسواق النفط المادية واسواق العقود الآجلة بشكل أساسي، متأثرأ  بالتوقعات المتشائمة بسبب مخاوف تباطؤ اقتصادي يؤثر على الطلب. في المقابل كان هناك تضييق الإمدادات في السوق المادي مما أدى إلى انفصال (Disconnect) بين أسواق النفط المادية وأسواق العقود الآجلة، خصوصا أن مخزونات نفط المستهلكين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD" كانت أقل بنحو 253 مليون برميل عن الفترة نفسها من عام 2021، وأقل بمقدار 312 مليون برميل من المتوسط آخر خمس سنوات وقتها، بينما آخر بيانات مخزونات النفط التجارية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شهر مارس/آذار 2023  كانت عند 195 مليون برميل، أي أعلى من الوقت نفسه قبل سنة. من المثير للاهتمام أن هذا الرقم قريب من  سحب ما يقرب من 200 مليون برميل العام الماضي من المخزون الاستراتيجي الأميركي كما أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

سقف الدين الأميركي والنفط

لربما تكون أزمة رفع سقف الدين الأميركي اليوم ورقة ضغط قد تُستخدم قبل الانتخابات الأميركية، ولا نعرف كيف ستُستخدم، لكن الحقيقة الظاهرة أن سقف الدين العام لا بد أن يرتفع لكي تُؤمن الحكومة الأميركية سداد ديونها والتزاماتها، ومنها المتعلقة بالشأن النفطي، بحسب المواعيد الموضوعة مسبقا، خصوصا أن النظام المالي الأميركي شهد اضطرابات فأفلست مصارف كبرى هذه السنة. سيضغط رفعُ سقف الدين الأميركي، مع استمرار رفع الاحتياطي الفيديرالي لسعر الفائدة، على أسعار النفط، مما يتسبب بتراجع الأسعار، لذلك قد يكون لرفع سقف الدين تأثير سلبي على استثمارات المنبع لشركات النفط الأميركية عند هبوط أسعار النفط، علما أن هذه الفرضية تظل جدلية مع التغيير في ديناميكية أسواق النفط التي تعيد النظر في تأثير المتغيرات على أساسيات السوق.

font change