ما بين شاحنة الكحّالة و"بوسطة" عين الرمّانة

Reuters
Reuters

ما بين شاحنة الكحّالة و"بوسطة" عين الرمّانة

في التاسع من شهر أغسطس/آب الجاري، وقع اشتباك مسلّح في منطقة الكحّالة القريبة من بيروت– التابعة عقائديا واجتماعيا لحزب الكتائب اللبنانية– إثر انقلاب شاحنة محمّلة بالذخيرة تعود تبعيتها إلى حزب الله. تفاصيل الحادث غير دقيقة حتى الآن، فالحزب يقول إن عناصره تعرضوا للرشق بالحجارة ثم لإطلاق نار، وتقول الكتائب إن عناصر الحزب هم من أطلقوا النار أولا لتفريق الناس الذين تجمهروا للفرجة عند "كوع" الكحّالة. تبادل إطلاق النار سقط على أثره قتيلان، أحدهما من "حزب الله" والثاني من أهالي المنطقة المسيحيين المحسوبين ليس على الكتائب بل على التيار الوطني الحر (جماعة الرئيس السابق ميشال عون).

ويعود اهتمام "الكتائب" بالحدث لاعتبار منطقة الكحّالة إحدى معاقلهم ولهم فيها مقر لحزبهم. بيان "حزب الله" وجه اتهاما لمن سماهم "مسلحين من الميليشيات الموجودة في المنطقة"، وقامت "الكتائب" بتحميل "حزب الله" كامل مسؤولية ما حدث. جاءت هذه الحادثة غداة اغتيال مسؤول سابق في حزب القوات اللبنانية في بلدة عين أبل في أقصى الجنوب وبعد أسبوع واحد فقط من توتر أمني كبير في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين القريب من مدينة صيدا، نتيجة اغتيال ضابط رفيع المستوى من حركة "فتح" الفلسطينية، ما وضع لبنان على حافة حرب جديدة، يعتقد البعض أنها تشبه تلك التي اندلعت قبل قرابة نصف قرن.

بيار جميل وحزب الكتائب

"فتح"، و"الكتائب"، كانتا العنوان العريض للشرارة التي أطلقت الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، وها هما يعودان إلى المشهد، في زمن مختلف وقيادات مختلفة، ولكن على ذات الرقعة الجغرافية التي طالما كانت مسرحا لرسائل ونزاعات الآخرين. كلاهما خسر الكثير من نفوذه وسطوته منذ ذلك الوقت: حركة "فتح" بعد وفاة رئيسها ياسر عرفات سنة 2004، و"الكتائب" بعد وفاة مؤسسها الشيخ بيار جميل عام 1984.

كان الشيخ بيار يعمل صيدلانيا في شبابه ويملك صيدلية في حيفا بفلسطين، قبل أن ينتقل إلى الرياضة ويصبح حكما معتبرا لمباريات كرة القدم. وقد أتاح له عمله الجديد حضور الألعاب الأولمبية في برلين أغسطس/آب 1936، حيث تأثر بانضباطية الشبيبة الهتلرية وقرر استنساخ تجربتها في لبنان عبر تأسيس حزب الكتائب في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.

EPA
متظاهرون في بلدة الكحالة مناهضون لـ"حزب الله"

وقد اختار الجميل لحزبه اسم "الفالانج" المستوحى من "الفالانج" الإسباني الذي كان قد ظهر قبل أربع سنوات، وكان حزب الجميل يدعو إلى القومية اللبنانية المتمايزة عن العرب وإلى صيانة وحدة الكيان اللبناني.

بيان "حزب الله" وجه اتهاما لمن سماهم "مسلحين من الميليشيات الموجودة في المنطقة"، وقامت "الكتائب" بتحميل "حزب الله" كامل مسؤولية ما حدث

وردا على الجميل، وفي نفس الشهر الذي ظهرت فيه الكتائب اللبنانية، أسس عدنان الحكيم "حزب النجادة" الذي ضم شريحة من الاستقلاليين المسلمين. تسلّم الجميل عدة مناصب وزارية في حياته، كان آخرها في عهد ابنه الرئيس أمين منتصف الثمانينات، وكان أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية سنة 1958، خلفا للرئيس كميل شمعون.

عين الرمّانة 1975


يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بطرق عجيبة وغريبة، فشرارة الحرب الأهلية اللبنانية جاءت بعد محاولة اغتيال بيار جميل وهو يغادر كنيسة سيدة الخلاص للروم الكاثوليك في منطقة عين الرمانة يوم 13 أبريل/نيسان 1975، فوجهت أصابع الاتهام يومها إلى الفصائل الفلسطينية، ورد أنصار الجميل بمجزرة في حق ركاب حافلة (بوسطة) محملة بالفلسطينيين، كانوا متجهين إلى مخيم تل الزعتر. قتل يومها 21 فلسطينيا، وبحسب رواية رئيس الحكومة صائب سلام الذي صدرت في مذكراته قبل أشهر قليلة، كان عددهم 26 من أصل 30 راكبا. انفجر القتال فورا في شوارع بيروت وحُدد خط التماس بين منطقة الشيّاح وعين الرمّانة.

 

في الأمس كانت "بوسطة عين الرمانة"، واليوم "شاحنة الكحّالة" التي انقلبت على بعد سبعة كيلومترات تقريبا من عين الرمانة. لا علاقة للفلسطينيين بأحداث الكحّالة، فهم مسؤولون فقط عما يحدث في محيط مدينة صيدا، ولكن عناصر "حزب الله"، الذين يعدون أنفسهم حلفاء "القضية الفلسطينية" في لبنان (أو بالأصح بعض فصائلها) هم الطرف الرئيس في أحداث الكحّالة. ومن طرف الكتائب اليوم يقف رئيس الحزب سامي جميل، حفيد الشيخ بيار، الذي ولد بعد حادثة عين الرمّانة بخمس سنوات، وعاش في كنف جدّه قبل وفاة الأخير سنة 1984. ولكن يبدو أنه على أتم استعداد– مثل جده- لجر أنصاره إلى مواجهة، هذه المرة ليس مع الفلسطينيين بل مع "حزب الله"، لأن الحادثة وقعت في منطقتهم، حيث قال: اعلموا أن حزبكم انتقل إلى مرحلة جديدة، وابتدأ من اليوم نضالنا...(نضال) وجودي وكياني ولم يعد نضالا سياسيا تقليديا". 
 

عناصر "حزب الله"، الذين يعدون أنفسهم حلفاء "القضية الفلسطينية" في لبنان (أو بالأصح بعض فصائلها) هم الطرف الرئيس في أحداث الكحّالة

كما جاء على لسانه: "للأسف هناك ضوء أخضر لنقل السلاح داخل القرى في لبنان، ولا يمكن طمأنة أحد طالما أن هناك ميليشيا تتحرك وفق تعليمات خارجية". هذه العبارات هي ذاتها التي أطلقها جده يوم بدأ القتال مع ياسر عرفات قبل نصف قرن. 

فوارق واختلافات لا بد أن تذكر

 أما عن الفوارق الرئيسة بين اليوم والأمس:
-    في الأمس كان في قصر بعبدا رئيس للجمهورية هو سليمان فرنجية، الذي صادفت أحداث عين الرمّانة مع دخوله المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة. أما اليوم فلا رئيس في بعبدا منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وكان لبنان برمته سنة 1975 أقوى بكثير مما هو عليه اليوم، فيه مؤسسات فعالة ومرجعيات دينية وسياسية، كلها لم تنجح، على الرغم من تماسكها حتى ذلك التاريخ، في استعادة الأمن ونزع فتيل الفتنة. فما بال اليوم في ظل انهيار لبنان على كل المستويات، ومنها الاقتصادية والمصرفية، وعدم وجود رئيس جمهورية مع الاكتفاء برئيس حكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة جدا بموجب الدستور اللبناني. 
-    في الأمس، كانت كلمة الشيخ بيار مسموعة ومطاعة من قبل جمهوره الواسع والغفير بين مسيحيي لبنان، لا تضاهيه أي زعامة مارونية، وهذا ما لا ينطبق على حفيده سامي جميل، الذي ورث منصبه عن أبيه ولم يحصل حزبه إلا على أربع مقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وهو تمثيل ضئيل بالمقارنة مع كتلة القوات اللبنانية (19 نائبا) وكتلة التيار الوطني الحر (18 نائبا). أي إن قدرة الجميل الحفيد على حشد الشارع المسيحي ستكون محدودة للغاية دون التعاون مع هذين الحزبين الكبيرين والمسيطرين على معظم المسيحيين في لبنان.


-    في الأمس، كانت أخبار المجازر تتناقلها الألسن شفهيا قبل أن تصل إلى نشرات الأخبار التلفزيونية المسائية، وأحيانا، كان على الناس انتظار الصحف الكبرى في صباح اليوم التالي لمعرفة ما حدث. أما اليوم، وفي عصر "فيسبوك"، و"تويتر"، و"اللايف ستريمنغ"، يصل الخبر فورا، وكثيرا ما يكون مضخّما إلى حد كبير، مما يسهّل كثيرا شحن الناس ورفع حالة التوتر. وهذا تماما ما حدث في الكحّالة يوم الأربعاء الماضي، عندما بثّت قناة "MTV" اللبنانية خبرا عاجلا عن هوية الشاحنة وحمولتها، وهذا ما عجّل بظهور السلاح ووقوع ضحايا من كلا الطرفين.
-    في الأمس، كان معظم مسلمي لبنان يقفون في خندق واحد مع ياسر عرفات، وقد ساندوه بقوة في وجه الكتائب، وهو ما لا ينطبق على سنة لبنان اليوم. الساحة السنية في لبنان اليوم قد تكون خالية، ليس فيها أي شخصية وازنة قادرة على التأثير، كما كان الحال قبل خمسين سنة. فلا صائب سلام عاد موجودا في لبنان اليوم ولا رشيد كرامي، أو حتى رشيد الصلح الذي كان رئيسا للوزراء يوم أحداث عين الرمّانة.
 

كان لبنان برمته سنة 1975 أقوى بكثير مما هو عليه اليوم، فيه مؤسسات فعالة ومرجعيات دينية وسياسية، كلها لم تنجح، على الرغم من تماسكها حتى ذلك التاريخ، في استعادة الأمن ونزع فتيل الفتنة

أما عن "بوسطة" عين الرمانة ذاتها، أو شرارة الحرب، فقد قام صاحبها بإصلاحها سنة 1983، وكانت تُعرض أمام الناس في ذكرى الحرب الأهلية، أملا أن لا تعاد. الخوف، كل الخوف، أن تضاف إليها يوما شاحنة الكحّالة، لتكون عبرة ثانية لأبنائنا وأحفادنا من بعدنا.

font change