الحبيب السالمي: الرجل العربيّ ليس أكثر فحولة من الغربيّ

يعتبر أنه من جيل لم يعان من الاستعمار

الحبيب السالمي

الحبيب السالمي: الرجل العربيّ ليس أكثر فحولة من الغربيّ

باريس: حين تقابل الروائي التونسي المقيم في باريس الحبيب السالمي (1951-) لا تسمع منه سوى الحديث عن الرواية وعالمها، فهي همّه اليومي الذي كرّس له معظم وقته. يقول السالمي إن "الروائي لا يعيش في فضاء منغلق منفصل عن العالم"، وإن "كل كتابة حتى تلك الغارقة في الذاتيّة أو في التجريـب أو الخيال هي أيضا شهادة على واقع ما في زمن ما". يصف اللغة العربية بالخطرة "لأن لديها تراثا شعريّا ضخما"، معتبرا أن "الحديث عن أهميّة لغة نجيب محفوظ لا يعني أنّه لا ينبغي تجاوزها"، ويرى أن "الروائيّين العرب الذين أدخلوا ما يسمّى بالشعـر إلى الرواية أساؤوا دون أن يشعروا إلى لغة الرواية"، وهو يعتقد "أنّ المرأة أثرى وأعمق من الرجل" وأنه "من جيل لم يعان من الاستعمار". في رأيه أن "العربي ليس أكثر فحولة من الغربي بل قد يكون أقلّ فحولة منه لأنّ تجربته في مجال الجنس كما لدى شخصيّة محفوظ محدودة بحكم التقاليد الثقيلة". كما يرى أن الصورة السيّئة التي تكوّنت لدى القارئ الغربي عن الثقافة العربيّة وعن العالم العربي عموما أثّرت في ترجمة الأدب العربي. هنا نص الحوار:

  • يبدو أن روايتك الأخيرة، "عطلة في حي النور"، تقترب من الإشكالية التونسية في العقد الأخير، وتحديدا تحولات الثورة. كيف ترى هذه التحولات بعدما كان التوجّه التونسي الشعبي قدوة لتوجهات عربية كثيرة في مصر وسوريا واليمن وليبيا وغيرها؟

هذه التحوّلات لم تفاجئني. كنت أتوقعّ أن تحدث لسبب بسيط هو أني أؤمن بأنّ الثورة أيّا كانت وفي أيّ زمن وأيّ مكان تندلع ليست مسارا مستقيما واضح المعالم وإنما هي حدث شديد التعقيد تؤثر فيه عوامل متداخلة ومختلفة. من الطبيعي إذا أن تعرف تراجعات واخفاقات وارتدادات. وعلى الرغم من كل ما يحـــدث الآن في تونس وما يعانيه التونسيّون من مشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيـّـة فإني لم أفقد الأمل بعد وإن كنت غير راض بتاتا عن التوجّه السياسي الحالي للبلد وعمّا يقوم به النظام من تضييق على الحريّات والزجّ بالمعارضين في السجن والتدخّل في مجال الإعلام ومحاولة توجيهه.

  • هل على الروائي أن يكون شاهدا على تحوّلات بلده، وما المسافة الممكنة بين السرد الفني والواقع الاجتماعي؟

الروائي لا يعيش في فضاء منغلق منفصل عن العالم. إنه يتأثر على نحو ما بما يحدث حوله. كل كتابة حتى تلك الغارقة في الذاتيّة أو في التجريـب أو الخيال هي أيضا شهادة على واقع ما في زمن ما. لكنها طبعا شهادة لها خصوصياتها وتختلف تماما عن شهادة المفكر أو الباحث الاجتماعي. أعتقد أنّ الذاتي في شهـــادة الروائي أهمّ من الموضوعي في شهادة الباحث الاجتماعي.

على الرغم من كل ما يحدث حاليا في تونس وما يعانيه التونسيّون من مشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيـّـة لم أفقد الأمل بعد

  • هذه الرواية كسابقاتها، نجد فيها شخصيات محدودة يدور معها وحولـــها السرد: حارس عمارة وصحافية وشاب. كيف تنظر إلى بناء الشخصيات في الرواية عادة وعلاقتها بالسرد والمسرود؟

عدد الشخصيّات لا يؤثّر في تقديري على بناء هذه الشخصيّات. كل شخصية لها مواصفاتها الخاصّة وأفكارها وسلوكها وأحاسيسها. المهمّ هو كيف تتفاعل هذه الشخصيّات بعضها مع بعض وكيف تولّد المعنى وتخـــدم التطوّر الدرامي للأحداث. الشخصيّات الثـلاث التي أشـرت إليها في الســؤال هي الشخصيّات الرئيسة. يجب أن نضيف إليها شخصـيّة أخرى أساسيّة في الرواية وتمرّ عبرها الأحداث وهي الراوي الآتي من عالم آخر. هناك أيضا شخصيّات ثانوية كثيرة في الرواية. وهي تؤدّي دورها كما ينبغي.

 

تجاوز لغة نجيب محفوظ

  • ما التأثيرات الأولى التي دفعتك نحو عالم الكتابة خاصة ونحن نعلم أنك ولدت في قرية تونسية (العلا)، وفقدت والديك مبكرا؟

- ولدت في وسط عائلي لا حضور فيه للأدب. في بيتنا لم يكن هناك كتاب واحد. أبي وأمّي كانا أمييّن مثل معظم سكّان القرية. اكتشفت الأدب عندما نجحت في الشهادة الابتدائية وانتقلت إلى بلدة حفوز لمواصلة دراستي. في المدرســـة الثانويّة كانت هناك مكتبة صغيرة تحتوي على عدد من الروايات والمجموعات القصصيّة لكتّاب تونسيّين وعرب. في تلك المكتبة عثرت على رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" فقرأتها وأعجبت بها كثيرا. سحرتني لغتها ومناخاتها وشخصيّاتها. بالإضافة إلى هذا، فإنّ البيئة الريفيّة في السودان التي يصفها الطيب صالح تشبه إلى حدّ بعيد قرية العلا التي ولدت فيها وأمضيت فيـها طفولتي. أعتقد أنّ قراءتي لهذه الرواية ولبعض نصوص المنفلوطي وطه حسين أيقظت فيّ الرغبة في الكتابة. منذ ذلك الوقت المبكّر بدأت أكتب.

  • عملت مدرّسا للغة العربية قبل أن تنتقل إلى العمل الصحافي، هل تجد للنصوص الأدبية المدرسية تأثيرا على التكوين الأولــي لأي طالب يهوى الأدب؟

نعم. النصوص الأدبيّة في الكتب المدرسيّة لها تأثير إن كانت جيّدة. لا بدّ أيضا من أن تُدرّس هذه النصوص بأسلوب يجعل الطالب يكتشف جماليتـــها وأهمّيتها الأدبيّة. وهذا يتوقف على مستوى المدرّس وثقافته.

  • هاجرت إلى باريس عام 1983 للعمل في الصحافة، حيث كانــــت تصدر من العاصمة الفرنسية الكثير من الصحف والمجلات العربية، كيف تتذكر تلك الفترة ولماذا اختفت هذه الظاهرة؟

كانت فترة مهمّة بالنسبة إليّ. أثناءها اكتشفت لغة الصحافة الحديثة التي استفدت منها في ما بعد. تعرّفت أيضا إلى صحافيّين رائعين من كل العالم العربي. وقد صار الكثير منهم الآن كتّابا معروفين. كانت الأقسام الثقافيّة لهذه المجلات تعـــجّ بالمقالات والحوارات المهمّة. في تلك الفترة التقيت الكثيـر من الروائيّين والشعراء والمفكرين والرسّامين العرب. حاورت العديد منهم مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وجبرا إبراهيم جبرا، كما أجريت حوارات مهمّة مع شعراء فرنسيّين كبار مثل ايف بونفوا وميشال دوغي ومستشرقيـن بارزين مثل جاك بيرك ومكسيم رودنسون وأندره ميكال. كانت مقاهي الحيّ اللاتيني، خاصّة مقهى "كلوني" الذي تحــــــوّل الآن إلى مطعم بيتزا، مليئة بالمثقفين العرب وأمكنة للقاء والنقاش.

قراءتي لرواية الطيب صالح ولبعض نصوص المنفلوطي وطه حسين أيقظت فيّ الرغبة في الكتابة 

  • سمعتك في ندوة تتحدث عن أهمية لغة نجيب محفوظ الروائية في الوقت الذي نجد تصريحات لروائيين آخرين تدعو إلى تجاوز سرد محفوظ التقليدي؟

الحديث عن أهميّة لغة نجيب محفوظ لا يعني أنّه لا ينبغي تجاوزها. أهميّة محفوظ في ما يخصّ اللغة تتمثل في أنه استطاع أن يؤسّس لغة للرواية قادرة على أن تسمّي الواقع بكل تفاصيله بدقّة. اللغة العربيّة التي كانت سائدة عندما بدأ محفوظ يكتب كانت لغة المنفلوطي والرافعي والمازني. لم تكن قد خرجت بعد من المناخات الرومانسيّة والدينيّة. كانت لغـــة فضفاضة. كان لا بدّ من تسمية كل مظاهر الحياة اليوميّة الحديثـة في المقهى والحانة والسيّارة والفندق والقطار والحافلة والجامعة وهي كلّها أمور جديدة لم يكن لها حضور كبير في ما كان يكتب قبله. نجيب محفوظ كان واعيا بهذا. في كتاب "رحلة عمر مع نجيب محفوظ"، ينقل مؤلفه يوسف الشاروني جزءا من حوار مع محفوظ يشيـــر فيه بوضــــــوح إلى هذه المسألة التي يعتبرها مهمّة في الرواية. يقول في هذا الحوار "المشكلة هي كيف تطــــوّع اللغة العربية المجرّدة المقدسة لتعبر عن الحياة اليومية". محفوظ فهم مبكرا ما لم يفهمه إلى حدّ الآن الكثير من الروائيّين العـــرب وهي أنّ لغة الرواية يجـــب أن تكون دقيقة جدا. فنّ الرواية هو فنّ التسمية بامتياز في حين أن الشعر هو فنّ الإيحاء.

 

 روائيون أساؤوا إلى الرواية

  • في رواياتك تعتمد لغة مكثفة في إيقاع سردي وسلس يبتعــد عن التشبيهات والمجازات البلاغية، أو ما يسمى الانزياحات الشعرية. كيف تعمل على لغتك الخاصة هذه؟

هناك تشبيهات ومجازات بلاغيّة في لغتي. لكني حريص جدّا على أن تكـون حيث يجب أن تكون وعندما يستدعي السياق ذلك. أهتمّ كثيرا باللغة في الرواية، خلافا لما قد يخطر ببال البعض. أحذف كلّ ما لا يخدم النصّ. وأتجنّب السقــوط في فخّ الانشائيّة. هذه السلاسة وهذا التكثيف هما نتيجة عمل طويل. اللغة العربيّة 

لغة خطرة بالنسبة إلى الروائي لأنّ لديها تراثا شعريّا ضخما. إن استسلمنا لــها ولم نحسن استعمالها تفلت منا وتحملنا إلى ما لا نودّ الذهاب إليه. هناك أمـــر آخر أعمل عليه وهو أن تكون الكلمات دقيقة وفي مكانها. أتذكر دائما جملة لفلوبير المعروف بدقته وهي "أفضّل أن أموت ككلب على أن أنهي جملة غير ناضجة".

النقد العربي همّش مفهوم الدقة في العمل الروائي. لذلك يبدو الواقع أحيانا ونحن نقرأ بعض الروايات غائما فضفاضا وكأنّ الكاتب ينظـــــــر إليه من خلال ستارة. الإكثار من التشبيهات والمجازات البلاغيّة في الرواية لا يخدمها برأيي خلافا لما يعتقد الكثير من الروائيّين العرب الذين أدخلوا ما يسمّى بالشعــــــر إلى الرواية، فأساؤوا دون أن يشعروا إلى لغة الرواية، وبالتالي إلى الرواية. لكنّ حرصي على الدقة لا يعني أنّي لا أولي الجماليّة ما تستحقّ. هناك معادلة بين الدقة والجماليّة. أعرف أنها معادلة صعبة. لكن من قال إن الكتابة سهلة؟ 

تحضر البيئة التونسية في مجمل رواياتك، حتى تلك الروايات التي تتداخل فيها أمكنة أخرى، كروايتَي "روائح ماري كلير" و"الاشتياق إلى الجارة"؛ هل يظل مكان العيش الأوّل للكاتب مرافقا له إلى الأبد؟

البيئة التونسيّـة وخاصة قرية العلا حاضرة بقوّة في معظـم أعمالي. لقد أمضيت السبعة عشر عاما الأولى من حياتي أي كل طفولتي وجزءا كبيـــرا من مراهقتي في فضاءات هذه القرية. هذه المرحلة من حيـاة الانسان أساسيّة في تشكيل ذاكرته ومخيّلته وتحديد وعيه بالعالم. هناك أمكنة أخرى لها حضور بارز في أعمالي الروائيّة مثل مدينة تونس التي أقمت فيها أربعـة عشر عاما، وباريس التي أقيم فيها منذ نحو أربعين سنة. هذه الأمكنة هي التي تشكّـــــــل فضاءات كل رواياتي. إنها تتعايش وتتقاطــع وتتواشج. لا أحد منها استطاع أن يهمّش الآخر أو يقصيه من عالمي الروائي.

  • في المستوى نفسه نجد المرأة/ الجسد هي مفتاح معظم رواياتك: "نساء البساتين"، "روائح ماري كلير"، "البكارة"، "الاشتياق إلى الجارة" وغيرها؛ هل لهذا المنحى علاقة بما يمكن أن نسميه بفتنة القص من خلال الاعتماد على حكايات حب؟

للحبّ والجنس والعلاقات العاطفيّة والحميميّة عموما بين الرجل والمرأة أهميّة كبرى لدى معظم البشر وفي كل المجتمعات. أيّ قيمة للحياة بل هل هناك حيـــاة أصلا عندما لا يكون هناك حب؟ حضور المرأة / الجسد في رواياتي ليس مقحما إقحاما ولغاية الإثارة أو لاجتذاب القارئ إنما يأتي ضمن تلافيف الحياة. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أنّ المرأة أعمق وأثرى من الرجل، ليس في مجتمعاتنا العربيّة التي لا تزال ترزح تحت ثقل التقاليـــــد فحسب، وإنما في المجتمعات الغربية أيضا. المرأة تختزل قيم المجتمع وتصوّراته كما أنّ جسدها يعكـس استيهامات الفرد ونوازعه. إن أردت أن تفهم مجتمعا فهما حقيقيّا، فانظر إلى وضعية المرأة في هذا المجتمع وإلى الطريقة التي يتعامل معها الذكر فيه. ليست مصادفة أنّ المرأة في كل المجتمعات المتطوّرة والحديثة تتمتع بالحريّة إلى حدّ كبير. 

 

العربي ليس أكثر فحولة

  • في روايتي "روائح ماري كلير" و"الاشتياق إلى الجارة" نستعيد ما كرّس في الرواية العربية عن العلاقة بين المشرق والمغرب، إلاّ أن الشخصيات الرئيسة في الروايتين لم تتشابه مع ما سبقها من شخصيات وجدناها لدى توفيق الحكيم والطيب صالح وربما سهيل إدريس. كيف ترى هذه العلاقة؟

من الطبيعي أن لا يوجد في هذا المجــال تشابـه بين الشخصيـات في رواياتي والشخصيات التي نجدها في روايات توفيق الحكيم وسهيــل إدريس والطيب صالح وفي الروايات الأخرى التي تناولت هذا الموضوع وهي كثيرة. كلّ كاتب له موقف من هذه العلاقة. وهذا الموقف ناتج من أمور عدة منها ثقافته العربيّة واطلاعه على ثقافة الغرب وتجربته الشخصيّة في البلدان الغربيّة. أنا من جيل لم يعان من الاستعمار كما حدث لهؤلاء الكتاب، واكتشف الغرب في فترة خـــفّ فيها الصراع بين الغرب والشرق ظاهريّا على الأقلّ. هذا الاختلاف يظهـر بوضوح في روايتي "روائح ماري كلير" التي تقوم على قصّـة حبّ تربط تونسيّا بفرنسيّة.

معظم النقاد الذين كتبوا عن هذه الرواية لاحظوا ما ذهبت إليه. محفوظ وهو الشخصيّة الرئيسة في الرواية يبدو هشّـــا متردّدا غير واثق من نفسه أمام حبيبته ماري كلير، خاصّة في كلّ ما يتعلّـق بالجنس. إنه نقيض مصطفى سعيد الذي جعل منه الطيب صالح فحلا تتهافت عليه النساء. أتفهّم أن تكـــــون شخصيّة مصطـفى سعيد على هذه الشاكلـــة. والطيّب صالــــح كان واعيا تماما بذلك. مصطفى هو الرجـــل الأفريقي العربي الذي عانى كثيرا من الاستعـــمار ومن سيطرة الغرب على بلده ويريد أن ينتقم. والانتقام من قبل عربي لا حول ولا قوّة له، لا يكــون إلا من خلال سيطرتــــه على إناث الغرب بفحولته. إنه فانتازم لأنّ العربي ليس في رأيي أكثر فحولة من الغربي بل قد يكون أقلّ فحولة منه لأنّ تجربته في مجال الجنس كما لدى شخصيّة محفوظ محدودة بحكم التقاليد الثقيلة.

أهميّة محفوظ في ما يخصّ اللغة تتمثل في أنه استطاع أن يؤسّس لغة للرواية قادرة على أن تسمّي الواقع بكل تفاصيله بدقّة

  • ترجمت رواياتك إلى لغات عدة، وهذه ميزة قلما نجدها لدى كتّاب عرب، هل تُرجع عدم الاهتمام بترجمة الرواية العربية إلى اللغات المنتشرة الى مستوى منجز الرواية العربية أم الى عوامل وأسباب أخرى؟

الرواية العربيّة التي تكتب الآن لا تخلـو من قيمة. الدليل أنّ هناك روايات عربيّة ترجمت وصدرت عن دور أجنبيّة كبرى. هذه الدور التي تنشر لروائيّين عالميّين بعضهم فاز بجائزة نوبل لا تقبل أن تنشر أعمالا روائيّة عربيّة إن لم تكن هذه الأعمال ذات قيمة. هناك لجان قراءة في هذه الدور. وهي تدرس كل شيء قبل أن تبدي موافقتها على نشر أيّ رواية. عدم الاهتمام بترجمة الرواية العربيّة كما ينبغي لا يعـــــود إذا إلى مستوى هذه الرواية كما يروّج البعض وإنما لأسبـاب أخرى كثيرة متداخلة وأهمّها في رأيي الصورة السيّئة التي تكوّنت لدى القارئ الغربي عن الثقافة العربيّة وعن العالم العربي عموما. كيف يمكن للقارئ الأوروبي وهو مواطن عادي يتأثر بما تنشره وسائل الإعلام أن يقبل على قراءة رواية قادمة من عالــم "متوحّش يقمع المرأة ويدوس على القيم الإنسانية" في نظره؟

هذا الإهمال لا يعاني منه الأدب العربي فقط وإنما آداب أخرى كالأدب الصيني والأدب الهندي والإيراني والتركي وحتى ما يكتبه أدباء أميركا اللاتينية اليوم أو الذين ظهروا بعد جيل غارثيا ماركيز وفارغاس يوسا وخوليو كورتاثار. في فرنسا مثلا، ينصبّ اهتمام أغلب دور النشر في الأساس حاليّا على أدب الولايات المتّحدة وبريطانيا أي على الأدب الأنغلوساكسوني. ما يترجم من أدب ما كان يسمّى بأوروبا الشرقية مثلا قليل.

  • صعدت رواياتك ثلاث مرات إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) كما فازت إحدى رواياتك بجائزة كتارا. هل يمكــــــن الحديث عن الرواية العربية قبل الجوائز وبعدها خاصة ونحن نشهد تزايد حركة نشر الرواية مع الكثير من المنافسات الصاخبة على هذه الجوائز؟

من الواضح أنّ الجوائز الأدبيّة، خاصّة الجائزة العالميّة للرواية العربيّة "البوكر" وجائزة كتارا، جعلت الكتّـاب يقبلون على كتابة الرواية وشجّعت دور النشر على نشرها حتى أنّ البعض صار يشتكي من العـدد الهائل من الروايات التي تنشر كل عام. شخصيّا لا أرى عيبا في هذا. ما المشكلة في أن ترتفع أعداد الروايات؟ ثم بأيّ حقّ نمنع الكتّاب الذي يرغبون في كتابة الرواية من ذلك؟ في فرنسا هناك روائيون رديئون أو محدودو القيمة ينشرون في كل عـــام رواية. وتباع أعمالهم بعشرات الآلاف ولا أحد على حدّ علمي اشتكى من ذلك. على أيّ حال أنا أؤمن بأنّ النصوص الجيّدة تكون دائما وفي كل لغة وفي كل عصر قليلة.

  • فازت مجموعتك القصصية الأولى "من الرجل المهاجر" بجائزة هي الأولى لك ونشرت بعدها مجموعات قصصية أخرى. كيف تنظر إلى مستقبل القصة القصيرة مع تراجع نشرها وكتاباتها؟

أحبّ كثيرا القصّة القصيرة. وهي جنس لا يقلّ أهميّة عن الرواية. وكتابتــها ليست سهلة كما يخيّل إلى البعض. في فترة ما، معظم كتّاب النثر في العالم العربي يبدأون بكتابة القصّة القصيرة قبل انتقالهم إلى الرواية. لكن حاليّا تشهــــد تراجعا كبيرا وإن كان عدد من الكتّاب لا يزال مستمرّا في كتابتها. شخصيّا لديّ من القصص القصيرة ما يمكن أن يشكّل مجموعة. بعضها نشرته في مجلة "الكرمل" الفلسطينيّة عندما كان يشرف عليها محمود درويش وسليم بركات. والبعض الآخر لم ينشر. أفكّر في جمع هذه القصص وإصدارها في كتاب.

font change

مقالات ذات صلة