توسّعت "بريكس"... لكنها ليست فائقة القوة حتى الآن

Shutterstock
Shutterstock

توسّعت "بريكس"... لكنها ليست فائقة القوة حتى الآن

انتصرت الصين على الهند في الاجتماع الذي عُقد في اغسطس/ آب الماضي بين قادة الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ووزير خارجية روسيا، في جوهانسبرغ، للاتفاق على توسيع المجموعة المعروفة باسم "بريكس" (BRICS)، فدعيت كل من الأرجنتين ومصر وإثيوبيا وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، للانضمام إلى المجموعة، مطلع العام المقبل.

وتسعى، في الآن عينه، بضع عشرات من الدول الأخرى للانضمام إليها؛ فهل ستشكل مجموعة بريكس الموسعة تحديا للنظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة؟ من غير المرجح توفر إجابة عن هذا السؤال في المستقبل المنظور.

واقع الأمر أن مجموعة الديمقراطيات الرأسمالية السبع التي تقودها الولايات المتحدة تمتلك اقتصادات أنتجت حوالي 45 تريليون دولار من السلع والخدمات في العام الماضي بالقيمة الاسمية، في حين أنتجت مجموعة بريكس الموسعة 30 تريليون دولار، وفقا لإحصاءات البنك الدولي.

وعلاوة على ذلك، فإن دخل الفرد أعلى بكثير في الديمقراطيات الرأسمالية السبع، التي تتمتع وبقية دول الاتحاد الأوروبي المرتبطة بها بأقوى القطاعات المالية والقطاعات التقنية الأكثر تطورا. ولهذا السبب تشعر الصين بالقلق إزاء العقوبات التي تمنع وصولها إلى تقنية الرقائق الغربية المتقدمة. ولدى هذه الدول السبع أفضل الجامعات والقطاعات الخاصة الأكثر دينامية.

وفي المقابل، من بين مجموعة بريكس الموسعة، تعاني الاقتصادات الصينية والروسية والإيرانية، كما تعاني إثيوبيا من حالة الحرب وعدم الاستقرار، فيما تعاني كل من الأرجنتين ومصر على مدى عقود من سوء الإدارة الاقتصادية وأزمات الديون. وفي ظل قيادة بايدن، أصبحت واشنطن والدول الرأسمالية الغربية حاليا متحدة نسبيا بشأن القضايا السياسية، بينما على الضفة الأخرى، تنقسم مجموعة بريكس الموسعة بشأن نطاق وصلاحيات أراضيها وسيادتها، دون أن تفلح قمة جوهانسبرغ في تغيير ذلك الوضع.

وإذا كانت هناك رؤية متفق عليها من مجموعة بريكس الموسعة، فهي التخلص من الاعتماد على الدولار الأميركي، وإيجاد بدائل للمؤسسات الدولية التي يقودها الغرب كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومن المؤكد أن فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية بشكل متواصل يشجع الدول الأخرى على البحث عن بدائل للدولار، وبدرجة أقل البحث عن بدائل لليورو.

في ظل قيادة بايدن، أصبحت واشنطن والدول الرأسمالية الغربية حاليا متحدة نسبيا بشأن القضايا السياسية، بينما على الضفة الأخرى، تنقسم مجموعة بريكس الموسعة بشأن نطاق وصلاحيات أراضيها وسيادتها، دون أن تفلح قمة جوهانسبرغ في تغيير ذلك الوضع

وتهدف مجموعة بريكس الموسعة إلى إجراء المزيد من الأعمال التجارية بالعملات المحلية. وفي سياق خطوات مهمة في هذا الاتجاه، استخدمت كل من الصين والهند العملة الصينية، الرنمينبي، لدفع ثمن النفط الروسي، وأبرمت أبوظبي صفقة لاستخدام الرنمينبي في مبادلات نفطية أيضا. ومع ذلك، هناك خطر يهدد دول بريكس الموسعة. على سبيل المثال، توقفت روسيا عن قبول الروبية مقابل صادراتها النفطية عندما أصبح حجم الروبية في النظام المصرفي الروسي مبالغا فيه وغير عملي. بالإضافة إلى ذلك، مع توسع بريكس، ستحتاج البنوك المركزية إلى تجميع ليس فقط الرنمينبي والروبية ولكن أيضا البيزو الأرجنتيني والجنيه المصري لأن الواردات من هذه البلدان إلى دول بريكس الأخرى تتجاوز صادراتها. ولن يقبل محافظو البنوك المركزية على الأرجح بتكديس احتياطيات كبيرة من هذه العملات التي تتهاوى باستمرار. أما إنشاء عملة لمجموعة بريكس المعززة لمنافسة الدولار واليورو فسوف يكون مسعى أكثر تعقيدا، فلدينا سابقة مفيدة وهي التجربة الأوروبية التي تذكرنا بأن العملة القوية تتطلب تنسيقا وثيقا للسياسات الاقتصادية بين الدول التي تستخدم العملة الموحدة.

AFP
اعضاء الوفود الى قمة "بريكس" يستمعون الى كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي القاها عبر الاتصال التلفزيوني في جوهانسبورغ في 34 أغسطس


وأخيرا، بدأ بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس في تقديم قروض بقيمة 32 مليار دولار للدول الأعضاء لتمويل مشاريع التنمية في قطاعات مثل المياه، والزراعة، والبنية التحتية. وقد يكون ذلك إنجازا مهما، بيد أن محفظة المشاريع أصغر بكثير من قروض البنك الدولي. ورأسمال البنك الجديد أقل بكثير من رأسمال البنك الدولي. ولتحقيق نمو سريع، يجب على البنك التنموي الجديد الوصول إلى الأسواق المالية الخاصة التي تهتم بالأرباح أكثر من اهتمامها بالسياسة. وسيصر المصرفيون والممولون من القطاع الخاص على وضع شروط مشددة للقروض، وشروط مشددة لسداد القروض لبنك التنمية الجديد. ولكن عدم الرضا عن الشروط التي فرضها كلّ من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وارتفاع الديون الخارجية، قد شجعا على إنشاء بنك التنمية الجديد في المقام الأول. 

النظام العالمي ومؤسساته الاقتصادية والسياسية التي أنشأها الغرب تحتاج للإصلاح إلى حد كبير. لقد عانت بلدان كثيرة من ارتفاع سعر الدولار، وارتفاع تكاليف الغذاء، بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والتأثير الضار للطقس الذي تفاقم بسبب تغير المناخ

وعلاوة على ذلك، تتمتع الصين بالفعل بسمعة كونها صعبة المراس في التعامل مع إعادة جدولة الديون الخارجية، كما تظهر تجربة زامبيا. ولا تملك مجموعة بريكس إجابة فورية عن الاستياء المفهوم الذي تبديه الكثير من دول الجنوب.
مما لا ريب فيه أن النظام العالمي ومؤسساته الاقتصادية والسياسية التي أنشأها الغرب تحتاج للإصلاح إلى حد كبير. لقد عانت بلدان كثيرة من ارتفاع سعر الدولار، وارتفاع تكاليف الغذاء بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والتأثير الضار للطقس الذي تفاقم بسبب تغير المناخ. ويدعم المسؤولون الأميركيون إصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وسيكون من المفيد للغاية تمكّن مجموعة بريكس الموسعة من تسهيل التوصل إلى إجماع دولي في المفاوضات حول مستقبل المؤسسات الاقتصادية الدولية، وحول قضايا كالإدارة الداخلية للمؤسسات، وحصص التصويت، وكيفية تحديد الشروط المرتبطة بالقروض، وضمان البيئة، والحفاظ على التدفقات التجارية الأساسية، وتقليل الضرر الذي يلحق بالمواطنين ذوي الدخل المنخفض. 
وستكون إدارة بايدن، أكثر استعدادا من أي إدارة للحزب الجمهوري، والاتحاد الأوروبي، للتوصل إلى اتفاقيات من خلال المفاوضات ذات الأطراف المتعددة. 
من ناحية أخرى، إذا قامت مجموعة بريكس الموسعة بالترويج للمواقف المناهضة لأميركا والغرب التي تُبديها كل من روسيا والصين وإيران وحسب، فإن رد فعل واشنطن سيكون أكثر حدة وسيؤثر في العلاقات الثنائية مع الدول الأعضاء.

font change