من أجل تحسين الأدب

من أجل تحسين الأدب

من أجل تحسين الأدب الروائي في العالم العربي، فأول الفعل بعد انتهاء المسودة الأولى، هو الاهتمام بهذا العمل الإبداعي الجمالي التخيلي، بترتيب النص والعناية به، وهذا بلا شك ليس من عمل الناشر مثلما يحصل اليوم من اتفاق شفاهي بين المؤلف والناشر، إنما هو عمل المحرر الأدبي، الذي نعاني من ندرته في عالمنا العربي، ولعل من يقعون تحت هذه الصفة يُعدّون على الأصابع الخمسة، وهم على الرغم من ندرتهم يعملون في وظائف أخرى من أجل توفير لقمة العيش.

نعلم جميعا أن كل كتاب له إيقاعه الخاص، وهو ما يتجلى بصورة أوضح بعد تنقيحه وتطويره، فالكتاب لا ينتهي عند المؤلف، بل يحتاج المحرر الأدبي للارتقاء به إلى المستوى التالي، بإعادة تقييمه، وتعيين مشكلاته، من حبكة وشخصيات وعناصر أخرى، فالقارئ يرغب بكتاب منسّق ومتسق، وهنا لا أعني تصويب اللغة من الأخطاء النحوية، فهذا عمل المدقق اللغوي، والأمر يختلف من التدقيق اللغوي إلى ترتيب المحتوى وإصلاح ثقوب السرد والأحداث من البداية إلى النهاية، بل هي نظرة عامة تتحول إلى تفصيلية بعد أن يقرأ المحرر الأدبي النص فيأخذه إلى منطقة أجمل، وأكثر فرادة، وغِنى وإبداعا، وكأنه يلغي نقاط الضعف فيه بحذف المشاهد المكررة وغير اللازمة، أو يطلب إضافة مشاهد أخرى، ليُجوّد النص، كل هذا لأن لديه عين فاحصة تأخذ الكتاب إلى النجاح، وبالتالي لا يجب الخلط بينه وبين الوكيل الأدبي والمدقق والناشر، فالمحرر حاجة مختلفة وضرورية، يُظهر جمالية الكلمة، ويكشف المعنى.

خلال السنوات الماضية ظهرت أسماء عدة، كل اسم ينصب نفسه محررا أدبيا، لكنه لا يكمل عاما إلا ويتنحى، فالتحرير الأدبي عمل إبداعي كبير، والتزام شاق يستند إلى الوعي، ومن يمارسه يصبح شريكا في الكتاب بفضل فاعليته وإبداعه، فهو من يمنح الكتاب وصاحبه ألقا، وانتشارا واسعا واحتراما لدى جمهور القراء، وعملا نشطا أيضا للوكيل الثقافي في ما بعد.

يقرأ المحرر الأدبي النص فيأخذه إلى منطقة أجمل، وأكثر فرادة، وغِنى وإبداعا، وكأنه يلغي نقاط الضعف فيه


أغلب المؤلفين المبدعين، لديهم بلا شك نرجسية عالية، خاصة في عالمنا الناطق باللغة العربية، وفي ظل غياب المحرر الادبي، فإنه يرفضه، ولا يرى له داعيا، ولعل من أهم أسبابه، هو مشاركة هذا المحرر عمله، ولو بصورة غير معلنة، ومن هنا يُخشى أن يعتقد القراء بأن لولاه لما خرج الكتاب بالصورة التي خرج بها، فيصر على طباعة النص كما هو من دون تدخل، وهو عكس تفكير المؤلف الغربي الذي يعتز بعمل المحرر الأدبي.  

يبقى هذا المحرر صاحب مهارة حقيقية، من تعزيز بنية الحبكة، إلى الاهتمام الدقيق بالمحسّنات الجمالية، ولكن في عالمنا العربي عليه أن يتصف، بجانب ثقافته ومعرفته واطلاعه، بمهارة الاتصال، لكي يتعامل مع المؤلف بشكل مختلف، خاصة ذلك الذي لديه العديد من الإصدارات، فيقنعه بأن كتابه يحتاج إلى تحرير، أو كما يقول الناقد البحريني د. فهد حسين: "على المحرر الأدبي أن يعرف البُعد النفسي للمؤلف، كي يستطيع التعامل معه وبالتالي إقناعه بالتعديل، ولا بد من تصحيح بعض الرؤى ليخرج كتابه الجميل بشكل جيد".

على الرغم من أن المحرر الأدبي في الغرب، طرف مفهوم وقانوني وفعلي لدى المؤلف والناشر والوكيل الأدبي، لكن في عالمنا لا يثق الكاتب به كثيرا، بقدر ثقته بالناشر وما يقوله إزاء العمل، وقد آن أوان أن يكون التحرير الأدبي تخصصا يُدرّس في الجامعات العربية من أجل كتاب أفضل، ويُمنح الرخصة من جهة رسمية وفق الشروط الدقيقة.

يقول الراحل الناقد عبدالملك مرتاض، عن الرواية الحقيقية بأنها "تتخذ لنفسها ألف وجه، وترتدي في هيئتها ألف رداء، وتتشكل أمام القارئ تحت ألف شكل". 

وبلا شك هو يقصد الروايات العميقة والمعروفة التي روجعت من بدايتها إلى نهايتها، بتحريره، وتصميم التقسيمات الفرعية والكلية في داخله، فخرجت الرواية أدبا جميلا رفيعا بعد أن مُنح النص شكلا مشرقا ونقيا، ليصل الكتاب بوصفه خدمة عظيمة للقارئ، فهو الأساس في عميلة النشر، وسوف يظل أصل الفكرة وإبداعها في الكتاب للمؤلف لا غيره، فلا يجب أن يخشى الروائي أو القاص من هذه المشاركة البناءة للمحرر الأدبي، صاحب الخبرة والمراس، وهي المشاركة الأنبل والأهم في الكون الأدبي بأكمله.

font change