مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: محمد الماغوط - رسائل الجوع والخوف

الكاتب: عيسى الماغوط

الناشر: دار سامح للنشر – السويد

هذا كتاب ذو طابع خاص عن الشاعر السوري محمد الماغوط، كتبه شقيقه عيسى الماغوط، كاشفا فيه عن جوانب لم يذكرها الشاعر الكبير في أي من مدوناته الشخصية الكثيرة، وربما لا يعرفها عنه سوى أسرته، وقد ورد في الكتاب أن الشاعرة سنية صالح زوجة الشاعر والمسرحي وكاتب المقالة والروائي، لا تعرف شيئا منها، ذلك أنها كشفت عن جانب يفتقر إلى اللطف واللباقة في علاقته مع أخيه وأسرته، وفق ما ورد في الكتاب، وقد لا يستغرب القارئ ذلك كثيرا، بسبب وجود تناقض عام بين سلوك المبدع اليومي وإبداعه.

يتضمن كتاب "محمد الماغوط - رسائل الجوع والخوف" مدخلا إليه بعنوان "مكاشفات وبوح" كتبها نوار الماغوط، ابن الكاتب وابن شقيق الشاعر، في نوع من إظهار المعاناة التي قاساها والده بسبب الحياة عامة من جانب، ومن جانب آخر بسبب ليس امتناع محمد الماغوط عن مساعدة أخيه في إيجاد فرص عمل أو فرص أن يكون كاتبا فحسب، بل بسبب حجبه عن معارفه ومنعهم من مساعدته، كما قال الكاتب. إذ خاطبه مرة: "إذا ذهبت لحضور العرض (المسرحي) وتقدم بعضهم للسلام عليك، فلا تخبرهم بأنني أخوك". وذلك على عكس ما ورد في رسائل الماغوط إلى شقيقه عيسى التي تُظهر بوضوح وجلاء كم من الحب والتقدير يحمله الشاعر في قلبه لأخيه.

يتضمن الكتاب مقدمة، وفصلا هو الأساس في الكتاب بعنوان "رسائل الجوع والخوف في حياة محمد الماغوط"، ذكر فيه حياة القسوة والفقر والجوع والألم في حياة الأسرة، وقد تلقاها الشاعر بنوع من "الهياج" حسب وصفه، حيث أن "قسوة محمد الماغوط تشبه قسوة أسد في غابة لا توجد فيها أي طريدة". أرفق الكاتب الكتاب بالكثير من الرسائل التي وجهها الماغوط إلى أسرته وبشكل خاص إلى شقيقه عيسى، صاحب هذا الكتاب.

صدر الكتاب لأول مرة في العام 2009 لكن سرعان ما سُحب من السوق السورية لأسباب أمنية وسياسية، وأخيرا صدرت طبعته الثانية هذه، وقد أضاف إليها الكاتب المقالات التي كتبها شعراء ونقاد عن الكتاب في طبعته الأولى.

لا يعتبر الكتاب مجرد سجل للذكريات أو عرض لحياة شاعر شهير، بل شهادة وجودية عميقة تنبع من قلب المعاناة

يقول الناشر إن عيسى الماغوط ينسج نسيجا أدبيا مركبا من السيرة الذاتية، والتأمل الفلسفي، والرثاء العائلي، والتوثيق الاجتماعي. ولا يعتبر الكتاب مجرد سجل للذكريات أو عرض لحياة شاعر شهير، بل شهادة وجودية عميقة تنبع من قلب المعاناة، وتتماهى فيها الذكرى الفردية مع مصير جيل كامل أنهكته المثالية وقهرته الوقائع.

محمد الماغوط - رسائل الجوع والخوف

يعتمد الكتاب -وفق تقديم الناشر- بنية غير خطية تتنقل بين رسائل شخصية، وتأملات حرة، وشهادات شفوية، ومقاطع توثيقية. كل فصل يقدم زاوية جديدة لرؤية الماغوط، تارة من خلال عيني أخيه الذي يروي، وتارة من خلال الرسائل التي كتبها الشاعر بنفسه. هذا التعدد في الأصوات والسياقات، يمنح النص عمقه الوثائقي والتأملي، ويحوله إلى سجل وجداني لألم لا يُحتمل ولا يُنسى.

يقدم الكتاب صورة لمحمد الماغوط كشاعر متشرد، ومتمرد، وعاشق للحرية، لكنه مكبل بسلاسل الفقر والمعاناة النفسية، ليظهر كشخصية متناقضة. عبقري متمرد علانية، وضعيف مع من يحب، وساخر في العلن، ومنهار في الخفاء. يرفض الراحة بإرادته، ويتشبث بالبرد، وبالجوع، وبالوحدة، كأنها شروط ضرورية لاستمرار الشعر داخله. لكن هذه الشروط تدمره في نهاية المطاف، جسديا ونفسيا.

كتب نوار الماغوط في المدخل إن ما قاله عن "عمه" ليس "فضحا أو إساءة، بل هو مجرد بوح يعيد شيئا من الكرامة" الى والده عيسى الماغوط..

الكتاب: قناديل مسرحية - مسرحيون حركوا الضمير الاجتماعي العربي

الكاتب: أنور محمد

الناشر:  الهيئة العربية للمسرح – الإمارات العربية المتحدة

أطلق الكاتب السوري أنور محمد وصف "قناديل مسرحية" على المسرحيين العرب الذين تناول تجاربهم المسرحية والفكرية بنوع من التحليل والنقد والتعريف، حيث أنهم جعلوا المسرح يبدو فعلا ديناميكيا اجتماعيا وثقافيا عبر عن نفسه من خلال الصراع الأزلي بين الخير والشر الذي أنتج خلال مسيرته التاريخية أفكارا إنسانية وفلسفية عظيمة.

أكثر من أربعين مسرحيا ينتمون الى مختلف البلدان العربية استحضرهم الكاتب في كتابه المعنون "قناديل مسرحية - مسرحيون حركوا الضمير الاجتماعي العربي" بنوع من تحليل النصوص ونقد العملية الفكرية الكامنة فيها، في سياق من حب ظاهر للمسرح وإيمان بدوره التنويري المستمر. حيث يقول في المقدمة: "مسرحنا العربي منذ أول عرض مسرحي مترجم قدمه مارون النقاش (1817-1855) في منزله في مدينة بيروت لموليير تحت عنوان "البخيل" سنة 1848، إلى أبي خليل القباني (1833 - 1903) الذي قدم أوِل عرض مسرحي خاص به في دمشق عام 1871 وهي مسرحية "الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح"، إلى توفيق الحكيم ونعمان عاشور ونجيب سرور وسعد الله ونوس ويوسف العاني وعز الدين المدني وحسن المنيعي وعبد القادر علولة وعز الدين هلالي وصقر الرشود ويعقوب الشدراوي، إن في نصوصه أو عروضه، واجه (أي، المسرح العربي) ويواجه التخلف والجهل والعمى الفكري والعلمي بشجاعة عقلية، فبرهن على عمق نزعته التنويرية".

لم يتوقف عقل المسرحي العربي عن التفكير في كتابة مسرحيات وعروض تُبنى على أسس فلسفية جمالية، أكانت مصادر صراعاتها قادمة من التراث الأدبي العربي، أو من فجائع الحياة اليومية

وبعد أن عرض للصعوبات التي واجهتهم، وللنكسات الكبرى التي ألمت بالواقع العربي وأثرت عليهم بشدة، تابع بقوله: "مع هذا استمر المسرحيون العرب ومنهم هذه القناديل في طرح قضايانا المصيرية في صراعنا مع العدو الصهيوني، ومع التخلف بأجناسه، ومع المستبد، في زمن فلسفي- فلسفات أوروبية وأميركية موجهة إلينا تروِج وتشرعن الجهل والتخلف والتبعية، فلا يقظة ولا تنوير ولا نهضة. ومع كل هذا الألم، وليس الحزن، لم يتوقف عقل المسرحي العربي عن التفكير في كتابة مسرحيات وعروض تُبنى على أسس فلسفية جمالية، أكانت مصادر صراعاتها قادمة من التراث الأدبي العربي، أو من فجائع الحياة اليومية التي نعيشها، أو هم آخذون أو متأثرون بالاتجاهات المسرحية الغربية مثل مسرح العبث/اللامعقول، والمسرح التجريبي أو مسرح ما بعد الدراما، فلا يتحول العرض المسرحي إلى خطاب سياسي واجتماعي فاقع. فشاهدنا عروضا اندمج فيها المتفرج مع أحداث الخشبة، ما شكل الظاهرة الدرامية في المسرح العربي، كون المؤلف والممثل والمخرج والجمهور جمعتهم الروابط الروحية بصفتهم ضحايا الواقع".

قناديل مسرحية - مسرحيون حركوا الضمير الاجتماعي العربي

وكمثال على طريقة الكاتب في التعريف بالشخصيات المسرحية، هذا نص عن سهير البابلي، الممثلة المصرية الشهيرة، وقد أطلق عليها الكاتب تعبير سيدة المسرح السياسي العربي: "سهير البابلي وهي تمثل تدفعنا إلى الضحك، القهقهة من استصغار الحاكم بأمره لعقلنا، فتصير القهقهة ترياقا ضد الألم، فكلماتها، كلمات دورها- كأنها وحدها دون كلمات ممثلي أدوار العرض المسرحي تراها تنز ألما وهي تتمدد إلى المتفرج، وبشكل جزئي متناه ومحسوس، كلمات يضج بها جسدها خاصة عضلات وجهها ويديها، كلمات تعبر عن الفعالية العقلية- لا أحد يتذاكى علينا، كنا على الخشبة أو في الصالة. فما تسرده سهير البابلي- دورها التمثيلي هو سرد يعبر عن المعرفة والقوة، لأنها ممثلة تؤدي أدوارها تأسيسا على العقل، على الوعي".

الكتاب: مدائح تائهة

الكاتب: رائد العيد

الناشر: دار دونْ - مصر

كتاب "مدائح تائهة" للكاتب السعودي رائد العيد، هو نوع من التأملات في ظواهر وقضايا يعيشها البشر يوميا بشكل اعتيادي وتلقائي دون أن يفكروا فيها، إلا أن الكاتب أعاد بعضها إلى الصدارة وأعاد تعريفها مرة أخرى، معتمدا على ذاكرة شخصية ورأي ذاتي وأنساق فلسفية وانشغالات أدبية أيضا، فهي ليست مجرد انطباعات عن الشيء أو الظاهرة، وليست تدوينا لما قد يخطر ببال الكاتب حولها، بل تأمل بالمعنى المعروف للكلمة: إعادة نظر، وبحث أدبي وفلسفي، ومن ثم تعريف، إنما تعريف يفضي إلى تعريف آخر ووجهة نظر أخرى ولا يقفل على نفسه الأبواب، وهكذا...

من ضمن ما تأمل فيه هو "الإطار"، إطار اللوحة... فاعتبره "شاشة لأحلام الطفولة، رسمت أذهاننا بداخله الكثير من اللوحات، وصورت وسطه العديد من اللحظات، ظل الإطار ممثلا لوحة غير مكتملة، لوحة ما زلنا نعمل على إتمامها"، وذلك بعد أن عاد بذاكرته إلى بيت طفولته حيث كان ثمة لوحة على جدار ثابتة لا تتغير، حتى عندما مزقها أخوه غاضبا، بقي الإطار فارغا ولم يغادر مكانه... هذه هي طريقة الكاتب في تأمل الأشياء وتعريفها مجددا".

يتساءل، كمثال آخر، إزاء موضوع "المديح" الذي تأمل فيه طويلا أيضا، ويرى أن "عبارات المجاملة تؤثر فينا، وتترك الكلمات الطيبة أثرا جميلا يمتد معنا ربما لآخر العمر. ما الذي يفعله بنا المديح؟ وكيف تؤثر في الآخرين عندما تمدحهم؟ هل يتغير الكون بمديح الأشياء، والمنازل، والأعوام، وشوارعنا القديمة؟". وهكذا فإن رائد العيد -وفق التعريف بالكتاب- لا يبدأ كتابه بمقدمة بل ببداية. ولا ينتهي بخاتمة بل بافتتان جديد يمشي بك على أطراف الأشياء لا ليعرفك بها، بل ليعلمك كيف تراها لأول مرة. في صفحاته، لا يسكن المديح في قصور الكلام، بل يتمشى في الأزقة. يقف عند هامش اللوحة يشرب من كأس التأمل. ويرتق فراغات النسيان.

يوضح الكتاب الجانب النظري لليوميات الخاصة وفق المدونة النقدية الفرنسية الرائدة في هذا المجال

هنا المدائح مترددة، وتائهة، متأملة، وربما متأخرة... لكنها صادقة، وتعرف كيف تختار وجهتها. مدائح هذا الكتاب ليست قصائد جاهزة ولا شهادات تزكية. ليست عن أحد، بل عن كل شيء. تأملات في الجمال المنسي، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا تُمتدح عادة، لكنها تستحق.

بدايـات بلا مقدمات، وسقوف بلا جدران، وأطر تصنع لوحات من البياض. ولعب ليس للتسلية، وإطلالات من علو وأشجار لوز تكتشف هشاشة القشرة وصلابة الداخل، ولا أمكنة أكثر من الأمكنة، وهوامش ترقد فيها المعاني التي لم يُفسح لها المتن مكانا.

غلاف "مدائح تائهة"

تسع قضايا، أو تسعة أشياء هي ما تأمل الكاتب فيها، وهي ذاتها فهرس الكتاب: المديح، الإطار، البدايات، اللعب، اللامكان، النظر من الأعلى، السقف، الهامش، اللوز. وفي كل فصل وجهة نظر أدبية وفلسفية وشخصية تعطي الكتاب نكهة حميمية وتبعده عن الدراسة الأكاديمية التي قد يراها بعضهم ثقيلة وتبني حاجزا أمام القراء.

الكتاب: سيرة الملك البدرنار بن النهروان

تحقيق ودراسة: عمرو عبد العزيز منير

ساهم في التحقيق: انتصار عبد العزيز منير

الناشر: دار بريل – ألمانيا – هولندا

هذا كتاب في السيرة الشعبية البطولية، يروي حياة ومآثر الملك البدرنار بن النهروان بن طيبوش بن قيبوش، وهو أحد أبطال السيرة الهلالية الشهيرة، سيرة بني هلال. ينطوي على قراءة جديدة لسيرة الملك في اثني عشر جزءا تضمنت قراءة جديدة لأبطال السيره الهلالية، وهي سيرة الملك البدرنار بن النهروان بن طيبوش بن قيبوش في 12 جزءا، بعنوان "سيرة الملك البدرنار بن النهروان".

وبحسب المحققين، عمرو عبد العزيز منير وانتصار عبد العزيز منير، فقد تأثر الراوي فيها ببعض شخصيات السيرة الهلالية، فخصصت لها مساحة عريضة تبدأ من الجزء الثالث مما أتاح لنا لمس مدى تأثيرها  على مجتمعها من عشاقها ومدمنيها على امتداد أجيال عديدة عبر مجتمع الرواد الذين خلبت السيرة ألبابهم، فمنحوها أعمارهم، فكان فعل الأداء لديهم يقوم على استلهام تراث السيرة الشعبية عبر تواصله الشفاهي بواسطه التفاعل الحي بين مشاركيهم، وبهدف تقوية إحساسهم بهويتهم ووحدتهم بحثا عن البطولات العربية الممتدة منذ بطولة الرسول الذي يمثل النموذج الأعلى للبطولة الإسلامية... يؤكد هذا الامتداد التاريخي والاهتمام بالبطولات الإسلامية، مدى انشغال الذاكرة الشعبية بالنموذج البطولي إلى درجة أنها لم تكف عن إنتاجه منذ عصر الرسول حتى العصرين المملوكي والعثماني... ومن النصوص الملحمية التي غيبت في التراث العربي والذاكرة التاريخية، سيرة الملك البدرنار بن النهروان، التي تتماثل مع سير البطولات العربية التي اكتملت صورها في عصور متأخرة، إذ تشترك فيها البطولة الخارقة للبطل البدرنار، وتتحدد رسالته في محاربة كل ما يتهدد كيان الأمة الإسلامية والعربية.

وجهة نظر أدبية وفلسفية وشخصية تعطي الكتاب نكهة حميمية وتبعده عن الدراسة الأكاديمية

حول أثر السيرة الشعبية، يرى الناشر أن القراءة الشعبية للتاريخ تحقق المزيد من الفهم والإدراك لحقائق تاريخ أية أمة. وهو ما توفر في السيرة الشعبية النادرة والمجهولة للملك البدرنار بن النهروان التي تدور أحداثها التاريخية على تحول القبائل التركية من الوثنية إلى الإسلام، وعلاقاتها مع من جاورها وعاصرها من القوى كالمغول، ومنها قبيلة الخطا أو "القراخطائيون" الذين كان لطموحات ملوكهم أثر كبير في تغيير مجرى أحداث تاريخية في المشرق الإسلامي في العصر العباسي سنة 635هـ/1411م من خلال خوضهم معارك عدة مع منافسيهم وفي مقدمتهم السلاجقة، ثم اعتماد ملوكهم على عدد من الشخصيات العربية وثقتهم بهم وبآرائهم ومشورتهم في ما يتعلق بإدارة بلاد الترك، لتحقيق العدالة وضمان مصالحهم وأمنهم واستقرارهم، مثل القبيلة الهلالية وأبطالها.

استلهمت السيرة عناصرها من الصراع القديم بين القوميات العربية والتركية والفارسية بمراراتها التاريخية التي تأصلت في نفوس الرواة وألهبت مخيلتهم لرسم صورة البطل الأسطوري النهروان الذي "يسوي الهوايل" ويهزم معسكر الشر والأصنام، ويكون هدفه الأسمى نشر العدل بمساعدة أبطال العرب من قبيلة بني هلال.

"سيرة الملك البدرنار بن النهروان"

يتضمن الكتاب صورا نادرة من المخطوط الأصل. ويبحث في التلقي العربي للسيرة الشعبية، والتلقي الغربي للسيرة العربية في مقابلة مهمة وذات دلالة.   

الكتاب: التفلسف والتصوف – قصة تواشج

الكاتب: محمد شوقي الزين

تقديم: مختار خماس

الناشر: ابن النديم للنشر والتوزيع – دار الروافد الثقافية – ناشرون – لبنان – الجزائر

لطالما شغلت العلاقة بين التصوف والفلسفة اهتمام الباحثين والمفكرين والفلاسفة، ذلك أن الربط بين اتجاه الفلسفة العقلي – البرهاني يبدو للوهلة الأولى متعارضا مع اتجاه التصوف الحدسي والقلبي، لكن الكاتب الجزائري محمد شوقي الزين يحسم الجدال التاريخي معتبرا أن العلاقة بينهما أكثر من علاقة قربى، بل إنها تواشج، من الوشيجة، وهي علاقة متشابكة وقريبة ومتداخلة، وذلك في كتابه الموسوم "التفلسف والتصوف – قصة تواشج".

يجد التفلسف نفسه في التصوف، ويجد التصوف نفسه في التفلسف بروابط ووشائج أراد هذا الكتاب تبيانها

 يقول المؤلف إن مفردة "التبديل" تتكرر في هذا الكتاب، وهي إجراء بلاغي يراد به عكس مفردات الجملة عبر التقديم والتأخير كقول العرب قديما: "عادات السادات، سادات العادات". وهي أنه إذا أسقطنا ذلك على الموضوع الذي يهمنا هنا، ندرك مدى "تواشج" التفلسف والتصوف، ليس بحكم السلوك والنظرة فقط، بل وأيضا بحكم الشواهد التاريخية التي أتت لتبين العلاقة الوطيدة بين الحدين، ويصف الكاتب تلك العلاقة بعبارة "وَجَدَهُ عِنْدَه"، أي أن يجد التفلسف نفسه في التصوف، ويجد التصوف نفسه في التفلسف بروابط ووشائج أراد هذا الكتاب تبيانها على مدار الفصول الاثني عشرة.

"التفلسف والتصوف – قصة تواشج"

ثم يقدم رأيا حذرا في هذا الشأن فيعتبر أنه لا يمكن تحقيق المطلوب في التواشج ما لم نغير طبيعة العلاقة بين الفلسفة والتفلسف، من النظر العقلي إلى السلوك العملي. لأن ما يفصل الفلسفة عن التصوف جسيم، من حيث الفرق في الطبيعة وفي الوظيفة، فالفلسفة كانت دائما مدارس، ومذاهب، وأفكارا، ومناهج، وأساليب عقلانية في النظر، والتحليل، والتعليل، بينما كان التصوف مسألة مشاهد قلبية ومساقط نورية وغيرها من العبارات التي تعج بها كتب التصوف. ويرى أن التصوف يعتمد على "براديم" يختلف عن تلك التي للتفلسف، وهو "براديم" الحياة الروحية التي يندر فيها العقل ويكاد يُمحى أمام التجربة المعيشة الزاخرة بأشكال السلوك الوجداني. لكن، إذا غيرنا الرؤية ومعها اللفظ، فإن المعنى سيتغير...

ثم يقترح أنه يجب علينا أن نتحدث ليس عن "الفلسفة والتصوف" كنقيضين يكادان لا يجتمعان، بل عن "التفلسف والتصوف"، ونرى تاليا ما هذا "التفلسف" الذي نتحدث عنه، ولماذا يحقق مع التصوف هذا "التواشج" المنشود.

وقد كتب مختار خماس في التقديم أن الخوض في هذه المسألة، وهي العلاقة بين التصوف والتفلسف هو "أجمل مغامرة فلسفية معاصرة". ويرى أن الكتاب استفزاز للقارئ، بدأ من عنوانه، "كيف لا والتجربتان الفلسفية والصوفية على مدار التاريخ المعرفي الإنساني كانتا محط نظر وإشكال سواء داخل الدائرتين أو خارجهما. فالقصة أصلا لفظ ومصطلح يوحي بوجود كرونولوجيا ومحطات وحوادث وحبكة. ولا يخفى أن قصة التواشج بين التفلسف والتصوف قد أضفى عليها صاحبها لمسة شخصية زادت عمق أبعادها ومراميها، فنقلها من التواشج إلى التوشيج، موثقا بذلك العروة بينهما.

font change