حين أعلى العرب من قيمة التقدم في العمر قالوا: "الدهن في العتاقي"، أي إن الجوهر يزداد جودة كلما عتق. غير أن هذا الوعي الجميل ظل في حدود القول الشعبي، ولم يتحول إلى رؤية ثقافية أو سياسة تنموية، إذ يبدو أن مفهوم التقاعد كما نعرفه اليوم يحتاج إلى مراجعة ثقافية وفكرية عميقة، سواء في المجتمعات العربية التي تشهد نموا متزايدا، إذ يشير "التقرير العالمي للشيخوخة والصحة" الذي يصدر عن منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم يمر برحلة شيخوخة السكان، وقد يصل إلى متوسط حياة 90 في نهاية عام 2040 في حال تمت رعايتهم كم يجب.
فالتقاعد، في جوهره الإداري، يعني نهاية الخدمة وبداية الراحة، لكنه في جوهره الإنساني قد يعني أفول الدور وانسحاب الإنسان من دائرة الفعل والمعنى. هذا الفهم الموروث يعكس رؤية بيروقراطية للعمر، لا رؤية وجودية، وكأن عطاء الإنسان ينتهي بانتهاء وظيفته، مع أن التاريخ والفكر الإنساني يؤكدان عكس ذلك. في التراث العربي والإسلامي لم يكن الكبر نقيض العطاء، بل ذروته. فالشيخ هو صاحب الحكمة، والخبير هو من اكتمل وعيه بالتجربة. وحتى في الفلسفة اليونانية القديمة، رأى أرسطو أن غاية العمر ليست القوة ولا اللذة، بل الحكمة التي توجه القوة وتهذب الرغبة، أي إن القيمة الإنسانية تبلغ تمامها حين يتحرر الإنسان من الانشغال بالإنجاز ليصبح مصدر رؤية وتوجيه.
من منظور الفلسفة الوجودية، لا يمكن للإنسان أن "يتقاعد" من ذاته، فالوجود عند سارتر مشروع لم يكتمل بعد، والإنسان عند فيكتور فرانكل يحتاج إلى معنى ليواصل العيش. فإذا كان التقاعد يعني انقطاع المشروع، فهو انقطاع عن الوجود نفسه. أما إن اعتبر تحولا في نوع المشروع، من العمل إلى الإلهام، ومن التنفيذ إلى الحكمة، فهو استمرار في دورة المعنى. لذلك فإن تقاعد العالم أو الخبير ينبغي أن لا يكون نهاية عطاء، بل هو انتقال من دور الموظف إلى دور الموجه والملهم، من الأداء إلى الفهم، ومن العمل الجسدي إلى العمل المعرفي البناء.
إعادة تعريف التقاعد عربيا يجب أن تنطلق من اعتبار الخبرة موردا وطنيا، يستثمر في التعليم والاستشارة وبناء الإنسان
ويؤكد علم النفس بدوره هذا المعنى، فإريك إريكسون يرى أن مرحلة الشيخوخة تتأرجح بين التكامل واليأس: إما أن يشعر الإنسان بأن حياته كانت ذات معنى فيبلغ السلام الداخلي، أو يرى أنها بلا جدوى فيسقط في الإحباط. والمجتمع هو الذي يهيئ المناخ النفسي للاثنين. فإذا نظر إلى الكبير على أنه انتهى، قتل فيه الشعور بالمعنى، وإذا احتفى به كمستودع خبرة، منحه شعورا بالاستمرار. ومن هنا تظهر أهمية أن يعاد تعريف التقاعد في السياسات والتنمية بوصفه مرحلة "الامتداد الإنساني"، لا "القعود"، أو ما يشاع كتلاعب لغوي بـ"الموت قاعدا".
في الفكر العربي الحديث، شدد مالك بن نبي على أن "الأفكار لا تشيخ، وإنما يشيخ الذين لا يفكرون"، وهي رؤية تعبر عن أن العمر البيولوجي لا علاقة له بالعمر الفكري. فالإنسان في فلسفة التنمية المعاصرة هو رأسمال معرفي متجدد، وكل سنة يكتسب خبرة جديدة ترفع قيمته لا تنقصها. ولهذا، فإن إعادة تعريف التقاعد عربيا يجب أن تنطلق من اعتبار الخبرة موردا وطنيا، يستثمر في التعليم والاستشارة وبناء الإنسان. فكما يعاد تدوير الطاقة والمادة في الطبيعة، ينبغي أن يعاد تدوير الحكمة والخبرة في المجتمع.
ولأن الألفاظ تصنع الوعي، فإن مصطلح "تقاعد" لم يعد ملائما. فهو في أصله من القعود والانكفاء. ويمكن أن نستبدله بمصطلحات تعبر عن الاستمرار والتحول، مثل "مرحلة الامتداد"، أو "التحول المهني"، أو "مرحلة الحكمة"، أو "مرحلة التكامل" وكلها تضع الإنسان في موقع الفاعلية لا السكون. فالعمر، في المنظور الوجودي، ليس زمنا يستهلك بل خبرة تثمر. وكان فرويد قد قال في تعريفه للصحة النفسية إن السعيد من يملك حديقة، إشارة إلى الانشغال بهدف ومعنى، فلماذا تسحب من تحت أقدامهم ويتركون رهائن العزلة واجترار إنجازات مضت، وانقضت.
التقاعد، في جوهره، مفهوم مستورد لم يتجذر في التربة الفكرية العربية إلا مع دخول النظم الإدارية الحديثة، التي قننت العمر وأقنعت الإنسان بأن الفعل يتوقف عند الستين
إن التحدي الحقيقي ليس في تمديد سن العمل، بل في تمديد معنى الحياة نفسها. فالإنسان الذي يواصل العطاء حتى آخر لحظة تنجلي عنه مخاوف الزمن وقلق الصحة وقلق الموت، ويثبت أن الزمن ليس خصما له، بل مجال يعزز وعيه. وعندما نغير معنى التقاعد، نعيد تعريف العمر، ونحرر الفكر العربي من عقدة "الانتهاء"، لنصل إلى ثقافة ترى في الشيخوخة ذروة الوعي لا نهايته.
وإذا نظرنا إلى مفهوم التقاعد في المقارنة بين التصور العربي والتصور الغربي، وجدنا اختلافا في الجذر الثقافي وفي الغاية التي يبنى عليها المفهوم. فالمجتمع الغربي نشأ على فكرة الفرد المستقل الذي يقاس عطاؤه بالإنتاج المادي، ولذلك فإن التقاعد فيه يعد انتقالا من مرحلة العطاء الاقتصادي إلى مرحلة الاستهلاك والتمتع بالحياة الخاصة. إنه نتيجة لفلسفة برغماتية ترى الإنسان فاعلا ما دام منتجا، ومتقاعدا ما دام خارج دورة العمل. أما في الثقافة العربية، فقد ارتبط العمر بالحكمة والبركة والتجربة، لا بالكفاءة الجسدية وحدها. فالشيخ في التصور العربي ليس رمز الضعف، بل صاحب المشورة والقول الفصل، وكان مجلس الكبار مصدر القرار والتوازن، لأن القيمة عند العرب كانت تقوم على التجربة والخبرة المتراكمة لا على العمر الزمني. ومن هنا فالتقاعد، في جوهره، مفهوم مستورد لم يتجذر في التربة الفكرية العربية إلا مع دخول النظم الإدارية الحديثة، التي قننت العمر وأقنعت الإنسان بأن الفعل يتوقف عند الستين، وكأن الخبرة تتجمد بقرار.
هذا التباين في الجذور ينتج تباينا في القرارات والسياسات. فالتصور الغربي الحديث– رغم تطوره– ما زال يقوم على ثنائية العمل/الراحة، ومن ثم تبنى سياساته على دعم المتقاعد ماليا وتوفير حياة مريحة له، باعتباره خرج من دائرة الإنتاج. أما التصور العربي الأصيل، فيمكن أن يعاد إحياؤه ضمن رؤية تنموية حديثة تبنى على مبدأ استدامة الخبرة لا انقطاعها، بحيث تتحول سياسات التقاعد إلى سياسات نقل معرفة واستثمار خبرة.
فبدل أن تبنى القرارات على تحديد عمر للخروج، تبنى على تحديد نوع المساهمة الجديدة، أي إن المتقاعد يستدعى للمشورة والتوجيه والتعليم والتخطيط. وهكذا يتحول القرار من "إنهاء خدمة" إلى تحويل خدمة، ومن قانون للانفصال إلى نظام للاتصال المستمر بين الأجيال.
هكذا يتحول القرار من "إنهاء خدمة" إلى تحويل خدمة، ومن قانون للانفصال إلى نظام للاتصال المستمر بين الأجيال
إشارة أخيرة إلى أن هذا الوعي نراه منعكسا في المملكة العربية السعودية، عبر جهود "مركز عبدالرحمن السديري الثقافي"، و"منتدى منيرة الملحم" في محافظة الغاط، بتنظيم الأستاذ الدكتورة مشاعل السديري مساعدة المدير العام لخدمة المجتمع، لتضيف هذه الجهود بعدا ثقافيا مهماً إلى النقاش الوطني حول الاستثمار في كبار السن.