من يقرأ سلوك الدول الكبرى من زاوية الانحيازات الشخصية أو المكاسب الآنية يخطئ في فهم جوهر القرار السياسي. والدول التي تملك منظومة استراتيجية راسخة تنطلق من قاعدة تنظر إلى منطق الدولة بوصفه المرجع الأول والأخير، وترى في مبدأ السيادة ضرورة وجودية تحمي كيانها قبل أن تحمي غيرها، وهذا الفهم يحكم طريقة تعاملها مع الأزمات الإقليمية، ويجعل موقفها من الفوضى منسجما مع رؤيتها لنفسها داخل النظام الدولي.
الفارق بين منطق الانحياز لسيادة الدول ومنطق دعم الفصائل يختصر كثيرا من الجدل، فالفصائل تتحرك بدافع المكسب السريع وتحاول فرض إرادتها خارج الإطار الشرعي، بينما تعتمد الدول على حماية هذا الإطار نفسه، لأن شرعيتها الداخلية والخارجية ترتبط بوحدة القرار واحتكار السلاح، وأي مساندة لكيان موازٍ أو قوة مسلحة خارج الشرعية تعني في النهاية ضربا لمفهوم الدولة الذي تدافع عنه، وتمهيدا لنموذج يمكن أن يرتد عليها في لحظة أخرى.
في السودان تبدو الصورة جلية، حيث ينحاز العالم إلى السلطة الشرعية المعترف بها، ويرفض ما يفعله حميدتي والتشكيلات التابعة له، ويعبر عن رفض مبدأ ازدواجية السلاح داخل حدود دولة واحدة، لأن الفكرة التي تحكم هذا الموقف تقوم على حماية المؤسسة العسكرية من التفكك، والحفاظ على احتكار السلاح في يد الدولة، باعتبار ذلك من ركائز تعريفها الحديث. أما السماح لقوة موازية بأن تنافس الجيش يفتح الباب أمام انهيار وحالة فوضى لا تنتهي.
في اليمن ينعكس المنطق نفسه بشكل أوضح، مع حضور الدعم الدولي والإقليمي الثابت للشرعية ورفض أي تحركات أحادية خارج إطارها، ومن ضمنها تحركات قوات عيدروس الزبيدي في حضرموت والمهرة، وهذا الموقف يعبر عن قناعة بأن الحل المستدام لا يولد من منطق الغلبة، بل من توافق وطني يمر عبر مؤسسات معترف بها، والالتزام بالشرعية هنا يعني الالتزام بوحدة قرار السلاح، ما يمنح أي تسوية قادمة فرصة للصمود، بدل أن تتحول إلى هدنة مؤقتة بين فصائل تنتظر جولة جديدة.
السيادة مبدأ ملزم لا مساحة فيه للمساومة، والشرعية إطار لا يمكن تجاوزه دون كلفة باهظة، والانحياز لمبدأ السيادة هو في جوهره انحياز لسياسة متعقلة ترفض تحويل الأزمات إلى ساحات حروب
هذا الفهم ينعكس كذلك في الموقف من الحدود والكيانات المعترف بها دوليا، ففي الصومال جاء الموقف الدولي ليؤكد على وحدة الأراضي الصومالية ورفض التعامل مع كيان "صومالي لاند" أو مع الجهات التي تحاول منحه اعترافا واسعا بعد اعتراف إسرائيل، وهذا الموقف تطبيق عملي لمبدأ احترام الحدود الموروثة، وهو المبدأ الذي يشكل خط الأمان الأول للدول في مواجهة مشاريع التفتيت، لأن التهاون في هذا الباب سوف يفتح شهية نزعات مشابهة في مناطق أخرى، ويحول الخريطة إلى ساحة تجارب مفتوحة.
في سوريا يظهر المنحى نفسه من زاوية أخرى، انحازت الدول إلى التركيز على التعامل مع الحكومة السورية الجديدة المعترف بها، والوقوف في وجه الميليشيات التي تحاول فرض أجندات خاصة في الجنوب السوري، وذلك تمسكا بمبدأ مخاطبة الدولة لا التشكيلات المسلحة، والمعادلة هنا تعتمد على أن أي ترتيب أمني أو سياسي في محيط ملتهب يحتاج إلى شريك يملك مؤسسات، لا سرايا متناثرة ترتبط بحسابات ضيقة وتمويل عابر.
من خلال هذه المواقف المتتابعة يتضح التوجه الثابت في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، فهي دائما تقرر أن تكون في صف دعم الشرعية، واحترام سيادة الدول، ورفض شرعنة الكيانات الخارجة عن الإطار الرسمي، أيا كان الشعار الذي ترفعه، وهذا النهج لا ينفصل عن نظرة أوسع ترى فيه السعودية أن أمنها يرتبط بأمن محيطها، وأن استقرار الإقليم مهم لاستمرار عجلة التنمية فيها، وأن الدفاع عن منطق الدولة في السودان واليمن والصومال وسوريا، جزء من الدفاع عن هذا المنطق في المنطقة ككل.
أخيرا، الدول التي تتبنى هذا المسار ترسل رسالة واضحة، بأن السيادة مبدأ ملزم لا مساحة فيه للمساومة، والشرعية إطار لا يمكن تجاوزه دون كلفة باهظة، والانحياز لمبدأ السيادة هو في جوهره انحياز لسياسة متعقلة ترفض تحويل الأزمات إلى ساحات حروب، ولذلك تدفع باتجاه العودة الدائمة إلى الدولة ومؤسساتها المعترف بها، أما الأطراف التي تراهن على منطق الفصيل فقد تحقق مكاسب موضعية مؤقتة، لكنها تتحرك خارج الإطار الذي يصنع السلام الحقيقي، بينما يظل الطريق الأقرب إلى الخروج من الفوضى بشكل عام هو الطريق الذي يقود إلى دولة واحدة وسلطة شرعية واضحة، لا إلى خرائط تتكاثر فيها الأعلام والبنادق وتغيب عنها المشروعية.