تبدو إحدى المشاكل للمراقب للوضع السوري هي بعض "الثقة الزائدة" عند بعض المسؤولين ومن يدور بفلكهم، فرغم حجم المخاطر والمشاكل المحدقة ببلد أقل ما يُقال عنه إنه لا يزال بمرحلة حرجة بعد عقود من القمع والحرب، يسعى بعض من يتصدر المشهد ويحاول تصديره إلى الإيحاء بأن كل شيء على ما يرام.
وصحيح أن الكثير تحقق في سوريا خلال عام واحد، ولكن الطريق لبناء دولة قوية وموحدة لا يزال طويلاً وأمامه الكثير من العقبات والألغام.
من إسرائيل التي لا تتوانى عن انتهاك السيادة السورية وتتعنت وتضع شروطاً تعجيزية للتوصل إلى اتفاق أمني مع سلطة أعلنت من اليوم الأول أنها لا تشكل خطراً على أحد، إلى إيران التي لم "تهضم" بعد خسارتها الاستراتيجية الكبرى بسقوط بشار الأسد، إلى "قوات سوريا الديمقراطية" التي لا يزال الاتفاق معها حبراً على ورق، إلى السويداء التي لم تضمد جراحها بعد، وصولاً إلى بقايا نظام الأسد الذين يرفضون خسارة مكتسباتهم في دولة اعتبروها لعقود حقا مكتسبا بشعبها وثرواتها ويستعملون الطائفة العلوية غطاء لتحركهم، دون أن ننسى "داعش" وكل ما يشبه "داعش" من "أنصار السنة" إلى غيرها، والتي عادت لتظهر تحت الطلب في سوريا، مرة بتدمر ومرة بتفجير مسجد علي بن أبي طالب في حمص، ومؤخراً في محاولة فشلت بفضل القوى الأمنية في حلب.
ورغم كل ذلك، نرى البعض في سوريا وفي إعلامها تحديداً يتجاهل كل هذه الألغام ويصر على تصدير صورة وكأن سوريا تحولت إلى "سويسرا"، وعلى الطرف الآخر نجد فريقاً يحرض على قلب الأوضاع في سوريا لأنها لم تتحول إلى "سويسرا" خلال عام، وبين هذا وذاك يغيب الكلام العقلاني عن الفضاء الواسع في سوريا إلا ما ندر.
الإعلام جزء أساسي من المشكلة في سوريا اليوم ولكنه ليس كل المشكلة، فهذا الإعلام يجد من يغذيه حتى بتنا بين مصطلحي "فلول" و"مُطبل"، والواقع بحاجة لأكثر بكثير من هذه التوصيفات والتصنيفات.
الإعلام جزء أساسي من المشكلة في سوريا اليوم ولكنه ليس كل المشكلة، فهذا الإعلام يجد من يغذيه حتى بتنا بين مصطلحي "فلول" و"مُطبل"، والواقع بحاجة لأكثر بكثير من هذه التوصيفات والتصنيفات
أن يُدرك المواطن العادي حجم التحديات أمام الدولة أمر يساهم في أن يكون هذا المواطن جزءا من بناء الدولة، ولكن أن يعمل البعض على "تخدير" عقول المواطنين- وهو أمر شبه مستحيل في ظل الأوضاع الراهنة مهما حاول هذا البعض- فهذا الأمر سيسهم مع الوقت في زيادة نقمة المواطن على دولته، فما يسمعه مختلف عما يراه ويعيشه.
لدى سوريا اليوم الكثير من الأصدقاء والحلفاء، ولديها أيضاً الكثير من الأعداء والمتربصين، والثابت الوحيد في السياسة هو أنها متغيرة ولا شيء فيها ثابت.
قد تتغير الأمور مع إسرائيل، أقله هذا ما أوحى به الكلام بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
قد تنشغل إيران بالداخل المشتعل على خلفية المظاهرات هناك، وقد يجد بقايا النظام أنفسهم في مأزق بعد التسريبات الأخيرة، وبعد أن تتخذ دول معينة إجراءات بحقهم، وقد وقد وقد، ولكن بناء الدول يحتاج إلى ما هو أبعد بكثير من انتظار ما سيحمله الخارج.
نعم تحقق الكثير في سوريا خلال عام، ونعم هناك صوت عقلاني طاغ عند صناع القرار في دمشق، ولكن التشويش يحدث ضجيجا أعلى من صوت العقل.
الوضع لا يزال "هشاً" والدولة لم تتمكن بعد من فرض سيطرتها على كامل أراضيها، فحبذا لو يتوقف قليلا قرع الطبول وأصوات التهديد والوعيد ويعترف البعض أن الشعب السوري راكم وعياً خصوصاً خلال الـ14 عاما من عمر الثورة، وأن هذا الشعب لا بد أن يكون شريكا في بناء دولته، ولكي يكون شريكا يجب أن يخاطب المسؤول عقله لا غرائزه.