سوريا ولبنان... بين الذاكرة الثقيلة ومتطلبات الحاضر

سوريا ولبنان... بين الذاكرة الثقيلة ومتطلبات الحاضر

استمع إلى المقال دقيقة

وقّع الجانبان السوري واللبناني اتفاقية تقضي بنقل المحكومين بين البلدين. وبقدر ما للاتفاقية من أهمية على المستوى القضائي والإنساني، فإن أهميتها السياسية تبقى الأبرز، فهي أول خرق عملي للعلاقة بين البلدين بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وبعد عقود عانى خلالها الشعبان من بطش نظام الأسدين، وعانى لبنان من تدخل النظام السوري كما عانى السوريون من تدخل "حزب الله" في سوريا ومساندة الأسد في حربه على السوريين.

لا يبدو بناء علاقة طبيعية بين دولتين بالأمر اليسير بسبب تراكمات الماضي، وهواجس المستقبل، ولكن الإرادة السياسية عند الجانبين وبدء خطوات بناء الثقة والتي تبلورت أخيرا باتفاق نقل المحكومين يجب أن تكون هي الدافع والمحفز.

على جانبي الحدود، هناك من لم يفهم بعد أهمية العلاقة الندية بين البلدين، في سوريا هناك من يرغب في أن يكون "عنجر" الجديد (بلدة لبنانية كانت مركز قيادة الاستخبارات السورية خلال فترة الوجود السوري في لبنان) وإن بطريقة قد يظنها ألطف، وفي لبنان أيضا من يرغب في الاستقواء بالسلطة الجديدة في دمشق على خصومه السياسيين في لبنان، وبين هذا وذاك يحاول "حزب الله" استغلال الأمر لشد عصب جمهوره وآخرين والتخويف من "المد السني" في المنطقة.

نسمع ونقرأ سيناريوهات تشبه أفلام السينما أكثر منها القراءة الواقعية لحقيقة الأمر، سوريا الجديدة ستتحالف مع إسرائيل لمهاجمة "حزب الله"، ولكن سوريا نفسها لم تتوصل بعد إلى اتفاق أمني مع تل أبيب وما زالت إسرائيل تتدخل عسكريا وسياسيا وأمنيا ضد سلطة أحمد الشرع في سوريا. وقبل ذلك بأسابيع كانت سوريا الجديدة ترغب في ضم مناطق من لبنان إلى سلطتها وتحديدا مدينة طرابلس في شمال لبنان، وبين هذا وذاك دعوات إلى أحمد الشرع لدخول لبنان وملاحقة فلول النظام السابق.

نسمع ونقرأ سيناريوهات تشبه أفلام السينما أكثر منها قراءة واقعية لحقيقة الأمر

في نهاية شهر أغسطس/آب الماضي، قال الرئيس السوري أحمد الشرع أمام وفد من الإعلاميين العرب: "تنازلتُ عن الجراح التي سبّبها (حزب الله) لسوريا، ولم نختر المضي في القتال بعد استعادة دمشق"، موضحا: "هناك من يصوّرنا بوصفنا إرهابيين وتهديدا وجوديا، وهناك من يريد الاستقواء بسوريا الجديدة لتصفية حسابات مع (حزب الله)، ونحن لا هذا ولا ذاك".

تصور البعض أن "حزب الله" سيتلقف المبادرة بإيجابية، إن لم يكن بحس نية فبسبب انشغاله بالحرب عليه والأزمات التي أقحم نفسه ولبنان فيها، حتى إن بعض خصوم "حزب الله" في لبنان لام الشرع على مبادرته، ولكن ما هي إلا أسابيع قليلة حتى عاد "الحزب" بإعلامه وأبواقه لاستخدام سوريا الجديدة كفزاعة لشد عصب جمهوره وليحاول إقناع باقي اللبنانيين بما لا يمكن إقناعهم به وهو البقاء على سلاحه في الداخل اللبناني.

اللافت أن بعض خصوم "حزب الله" يخدمون سردية "الحزب" من حيث لا يدرون، نسمع بعض الأصوات اللبنانية التي تطالب بتدخل سوري، مرة بذريعة "الحزب" ومرة بذريعة الفلول، وكأن لبنان لم يدفع عشرات الشهداء في سبيل استقلاله الثاني، وكأن لبنان دولة لا سيادة لها.

اللافت أن بعض خصوم "حزب الله" يخدمون سردية "الحزب" من حيث لا يدرون

في المقلب الآخر، في دمشق، يختلف الحديث تماما، إلا عند بعض الهواة، سوريا تطالب لبنان بالموقوفين السوريين وإن كانت تتمنى أن لا يبقى أي بريء في السجن، لكنها لا تتدخل في القضاء اللبناني، رغم الحملات التي يشنها البعض على الدولة السورية بسبب قرارها هذا، سوريا حريصة على أفضل العلاقات مع لبنان، ولا ترغب في أن تكون سببا لأي إشكالية يقع فيها لبنان داخليا أو حتى عربيا. دمشق تريد التركيز على التعاون الاقتصادي والنمو، وقد صرح الشرع أكثر من مرة أن النمو في سوريا يجب أن يستفيد منه لبنان.

تحتاج العلاقة بين البلدين إلى جهود أكبر من الطرفين وتواصل دائم على جميع المستويات، التاريخ بينهما ليس بالتفصيل البسيط، وبناء المستقبل يحتاج إلى جهود المخلصين والمؤمنين بأهمية استقرار البلدين، الإرادة السياسية موجودة وتبقى أمام الجانبين خطوات عملية لا بد من القيام بها كي تضيق المساحة التي يتحرك فيها من يريد الاستقواء بطرف ضد الآخر أو يحاول أن يستغل دولة للتحريض على أخرى. ولكن مسار الألف ميل بدأ بخطوة تبادل المحكومين.

font change