القضية ليست مقابلة لم تُعرض على المحطة التي أجرتها، ولا رضوخ وسيلة إعلامية لتهديدات وضغوطات وإعطاء مبررات ثبت بعد أن بثت "الإخبارية" السورية المقابلة أنها غير صحيحة. كما أن القضية ليست قضية حقوق مكونات، القضية أكبر ويجب أن تكون أوضح للجميع، الخيار بين قيام دولة أو لا دولة.
حسناً فعل الرئيس السوري أحمد الشرع بإصدار المرسوم الذي يضمن حقوق المكون الكردي في سوريا، وهم الذين تعرضوا خلال سنوات حكم "البعث" إلى الاضطهاد والتمييز، وحسناً فعل بتأكيد المؤكد بأن الموقف من "قوات سوريا الديمقراطية" ليس موقفاً من الكرد.
رأينا احتفالات المواطنين الكرد في سوريا بعد إصدار المرسوم، ورأينا وسمعنا امتعاض شخصيات كردية وغير كردية من المرسوم، لا يرغب هؤلاء بأن يكون الخلاف على أساس سياسي. فالتجييش على أساس عرقي مرة وطائفي مرة يخدم مشاريعهم أكثر.
ولكن، بغض النظر عن "قوات سوريا الديمقراطية" بحد ذاتها، كيف يُطلب من دولة أن تسمح ببقاء ميليشيا مسلحة تسيطر على أجزاء من الدولة وتفرض أجندتها بقوة السلاح والترهيب، ولماذا إذن ما ينطبق على "قسد" لا ينطبق على ميليشيا "حزب الله" اللبناني على سبيل المثال؟ "قسد" تختبئ خلف الكرد لتطبيق أجندتها، وكذلك يفعل "حزب الله" عندما يختبئ خلف الطائفة الشيعية. الموالون لـ"قسد" يرون أن الدولة غير قادرة أو غير راغبة في إعطاء السوريين الكرد حقوقهم، وكذلك الموالون لـ"حزب الله" يرون أن الدولة اللبنانية ضعيفة ولا تستطيع حماية مواطنيها الشيعة. لماذا يقبل البعض بسردية ويرفضون الأخرى؟ وعلى أي أساس تقام الدول؟ على أساس حصر السلاح بيد الشرعية أم إن الأمر وجهة نظر، فإن كانت هذه الشرعية مخالفة لآرائنا وتوجهاتنا يصبح حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها أمرا نسبيا؟
حسناً فعل الرئيس السوري أحمد الشرع بإصدار المرسوم الذي يضمن حقوق المكون الكردي في سوريا، وهم الذين تعرضوا خلال سنوات حكم "البعث" إلى الاضطهاد والتمييز
ما ينطبق على "قسد" ينطبق على أي ميليشيا مسلحة، وما ينطبق على "حزب الله" ينطبق على أي ميليشيا مسلحة، القبول أو رفض وجود ميليشيات مسلحة بأي دولة ليس أمراً مرتبطاً بتوجه هذه الميليشيا، بل هو أمر مرتبط بأسس بناء الدولة.
بعد "اتفاق الطائف" حافظ "حزب الله" على سلاحه بذريعة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000 حافظ "حزب الله" على سلاحه بذريعة مزارع شبعا، وبعد ذلك انتقل "الحزب" إلى مقولة "السلاح لحماية السلاح"، بات السلاح الغاية والوسيلة، قتل من قتل من اللبنانيين، وتسبب بدمار لبنان أكثر من مرة، اخترقت إسرائيل أجهزته الأمنية حتى العضم، وقعت "عملية البيجر" واغتيل أمينه العام حسن نصرالله وكبار قادته، ولا زال "الحزب" يقول إنه يرفض تسليم سلاحه شمال الليطاني لأن الدولة غير قادرة على حماية لبنان، شيء أشبه بالكوميديا السوداء، سلاح لم يستطع أن يحمي حامله لن يحمي لبنان، ولكنها الذرائع تحت الطلب للإبقاء على السلاح تنفيذاً لأجندات لا علاقة للبنان ولا للطائفة الشيعية بها.
في المقابل سلاح يرهب الكرد ويختطف بناتهن القاصرات ويرغمهن على حمل السلاح والقتال والموت، ليس سلاحاً لحماية الكرد.
المعركة ليست بين العرب والكرد، ولا بين الدولة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، ولا بين الشيعة والدولة اللبنانية، المعركة معركة سردية ومعركة بناء دولة، لا أحد في سوريا تحديداً يرغب في مزيد من الدماء، فقد اكتفينا على مدى 14 عاماً من القتل والقتال، المعركة أن تعالوا إلى كلمة سواء، لنتفق ونختلف بالسياسة لا بالسلاح، لنعمل على أن تكون سوريا دولة مواطنة لجميع السوريين، بمختلف طوائفهم وأعراقهم، بمختلف توجهاتهم السياسية والثقافية، سوريا تتسع للجميع كما اتسعت قبل "البعث". أما السلاح، فكل فئة بإمكانها حمل السلاح واختطاف من تشاء ساعة تشاء لتحقق المكاسب، ولكن الوطن ليس فدية ندفعها لتنفيذ أجندات الآخرين.