"لوائح التسوق"... من غرينلاند إلى اليمن

تستدعي التصريحات الأميركية عن استخدام روسيا والصين للممرات البحرية الشمالية سؤالا قديما عن الحق في التوسع الإقليمي

"لوائح التسوق"... من غرينلاند إلى اليمن

استمع إلى المقال دقيقة

يقف مسؤولو إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام كاميرات التلفزيون ويتحدثون كمن يتلو لائحة تسوق: كوبا سيئة. رئيسة المكسيك جيدة لكن كارتيلات المخدرات تحكم البلاد. على الرئيس الكولومبي أن ينتبه إلى نفسه (الكلمة المستخدمة غير ذلك)، غرينلاند يجب أن تكون تحت السيادة الأميركية ولا حق للدنمارك فيها. الاتحاد الأوروبي "خصم"، و"أنشئ ليسيء إلى الولايات المتحدة". سنسحق إيران. سندمر "حماس". لبنان دولة فاشلة... وغير ذلك الكثير.

في المقابل، هناك لائحة بدول وشخصيات نالت إعجاب ترمب من بينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون الذي يظهر ويختفي من قائمة المُعجب بهم من دون تفسير واضح، مع آخرين لا يحظون بأي تقدير.

وإذا كانت لائحة الرؤساء الأجانب الذين نالوا مديح ترمب والمسؤولين في إدارته، قابلة للفهم ضمن معايير القيمة الشخصية التي ينظر بها الرئيس الأميركي إلى قادة دول صغيرة وكبيرة، فإن "لائحة التسوق" التي يتحدث عنها المسؤولون الأميركيون تدعو إلى الدهشة. ذاك أنه ليس بين الدول التي يشار إليها ما يشكو من فراغ في السلطة، بغض النظر عن شكل السلطة تلك وتوجهها السياسي والاقتصادي وتوفيرها لحقوق مواطنيها أو اضطهادهم. وهذه مسائل لا يبدو أنها تعني الإدارة في واشنطن قليلا أو كثيرا، بقدر ما يعنيها تحقيق الأهداف الجيوسياسية والمصالح المباشرة للولايات المتحدة. هذا على الأقل ما يمكن فهمه من ترك نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على حاله باستثناء اعتقاله وزوجته ونقلهما إلى نيويورك. فلا معلومات عن تفكيك شبكات تصدير المخدرات التي كانت الذريعة لهجوم الثالث من يناير/كانون الثاني على كاراكاس، ولا عن استئناف العملية السياسية التي توقفت في 2017 بعد إحباط مادورو الانتخابات وإلغاء نتائجها. "ستدير" الولايات المتحدة فنزويلا على ما قال ترمب، على نحو ما، غير مفهوم حتى بالنسبة إلى المعلقين الأميركيين المؤيدين للرئيس.

وفي الوقت الذي يقول فيه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إن قضية غرينلاند "سهلة لأنها بين بلدين ينتميان إلى حلف شمال الأطلسي" هما الدنمارك والولايات المتحدة، يتجاهل هذا القول رأي الإدارة الأميركية في الحلف المذكور واعتباره مجرد عبء مالي على واشنطن وأن هذه الأخيرة تنظر إلى الجزيرة القطبية الضخمة بعين الأمن القومي والفوائد الاقتصادية. كما أن الانتماء المشترك إلى "الناتو" يفترض أن لا تظهر هذه القضية باعتبار أن الحلف يدافع عن جميع الدول الأعضاء بما فيها الولايات المتحدة.

من جهة ثانية، تستدعي التصريحات الأميركية عن استخدام روسيا والصين للممرات البحرية الشمالية- خصوصا مع تزايد ذوبان الكتلة الجليدية في القطب الشمالي، للوصول إلى قرب شواطئ الولايات المتحدة- تستدعي سؤالا قديما عن الحق في التوسع الإقليمي على حساب دول أخرى لضمان "الأمن القومي" أو "المجال الحيوي". وهذه مشكلة هائلة الأبعاد في السياسة الدولية وتسببت فيما لا يحصى من حروب وصراعات واتخذت ذريعة لعمليات إبادة عرقية واحتلال واستغلال.

أدانت الصين وروسيا اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي. لكن لكل منهما قضايا شائكة في ما يتعلق بالتوسع والضم واستخدام القوة أو التلويح بها في السياسات الدولية

وليس خافيا ما لتجاوز العرف والقانون الدوليين القاضيين بمنع ضم الأراضي بالقوة المسلحة- وهو ما تحاول الأمم المتحدة جعله من مسلمات العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية- من إغراء في شتى أنحاء العالم وعند الكثير من الطامحين إلى تغيير حدودهم المعترف بها دوليا والانطلاق في عملية تعديل للحدود لا نهاية لها. 
هنا يتعين الانتباه إلى موقف "القطبين" الدوليين الآخرين في ما روج له على أنه "عالم متعدد الأقطاب"، أي الصين وروسيا. حيث أدانت الدولتان اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي. لكن لكل منهما قضايا شائكة في ما يتعلق بالتوسع والضم واستخدام القوة أو التلويح بها في السياسات الدولية. هناك الحرب الأوكرانية–الروسية التي تحاول موسكو من خلالها الاستيلاء على عشرين في المئة من الأراضي الأوكرانية، فيما لم يوافق ترمب على إرسال المزيد من الأسلحة إلى كييف من دون صفقة تعطي واشنطن ميزات كبرى في استغلال الثروات المعدنية الأوكرانية. وهناك أيضا إصرار بكين على استعادة تايوان بمختلف السبل المتاحة. عليه، لا يبدو أن لأي من القطبين الروسي والصيني أي اهتمام في تصعيد الموقف حول فنزويلا. 
ومع تزايد الإشارات إلى قرب حصول عمل عسكري إسرائيلي واسع ضد إيران واستمرار الضغط على لبنان في مسألة نزع سلاح "حزب الله"، ناهيك عن دعم لقوى غير حكومية في اليمن والسودان، يبدو أن منطقتنا ستكون لها "لائحة تسوق" يتشارك أصحابها فيها ذات التقييم مع الإدارة الأميركية للقانون الدولي ولمفاهيم السيادة ووحدة الأراضي الوطنية وللسلام كقيمة عليا، أولا. 

font change