المظاهرات المؤيدة للحكم في إيران ترد جزئيا على استعجال الغرب سقوط السلطة في طهران. مئات الآلاف ساروا دعما للنظام القائم على الرغم من الإفلاس الاقتصادي والسياسي وانهيار المحور الذي استثمر فيه لأكثر من ثلاثين عاما.
فبعد إعلان الرئيس دونالد ترمب عن زيادة 25 في المئة على التعرفة الجمركية على الدول التي تتعامل مع إيران، ذهب المستشار الألماني فردريك ميرتس خطوة أبعد بقوله إن الحكم في طهران "يقترب من نهايته"، وأن "القيادة الإيرانية تعيش أيامها الأخيرة"، وسط موجة من استدعاءات السفراء الإيرانيين في العواصم الغربية للاحتجاج على تصاعد استخدام الأجهزة الأمنية للقوة في قمع المتظاهرين. أما في إسرائيل فلا يُسمع غير حديث التهديدات ورسم الخطط العسكرية وانتقاء الأهداف المقبلة لحملات القصف الإسرائيلي.
ثمة ملاحظتان لا بد منهما: الأولى أن عنصر الاختلاف في الاحتجاجات الحالية عن كثير من المظاهرات والاضطرابات السابقة هو اندماج الفشل الاقتصادي المزمن والعجز عن الخروج منه مع انهيار المشروع الإمبراطوري المسمى "محور المقاومة" الذي كانت وظيفته الأساسية حماية إيران من خارج حدودها، عبر تشكيل مناطق عازلة في محيطها كما حصل في العراق ولبنان وسوريا واليمن، كدرع يحول دون وصول أية حرب إلى الأراضي الإيرانية كما حصل في الصراع مع العراق بين 1980 و1988، ولمشاغلة أعداء إيران في مناطق بعيدة نسبيا عنها.
وسيان في هذا السياق أكان الانهيار الاقتصادي الذي كشفه وصول العملة الإيرانية إلى أرقام قياسية في الانخفاض، كان لأسباب بنيوية تتعلق بطبيعة النظام وسياساته الاقتصادية–الاجتماعية وأسلوبه في الإنتاج وسوء توزيع الثروات العامة ومستوى الفساد وما شاكل، أو أن يكون الفشل ناجما عن عقود من العقوبات والحصار الخانق الذي منع أي استثمار خارجي وفاقم من انغلاق البلاد وعزلتها، فما يصعد إلى سطح الأحداث هو إخفاق المواطنين في تأمين حاجاتهم الأساسية.
المسؤولون في طهران لا يراهنون على أي إسناد أو دعم يأتيهم من الصين أو روسيا اللتين ستتصرفان إزاء إيران كما تصرفت هذه حيال حليفها السابق بشار الأسد وحيال "حزب الله" في لبنان
الملاحظة الثانية قوامها أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان كل ما في وسعهما لجعل الاحتجاجات الحالية المرحلة الأخيرة من حياة النظام الذي وصل إلى السلطة في 1979، وأنهما مع الحلفاء الغربيين ستبذلان كل ما في وسعهما وتستخدمان كل ما في ترسانتهما من أدوات أمنية واقتصادية وعسكرية لدفع الحكم في طهران إلى السقوط، سواء جاء الانهيار الأخير نتيجة تصاعد الضغط الداخلي أو بفعل عنصر خارجي. النموذج الفنزويلي يبدو شديد الإغراء للتكرار في إيران بعد الانكشاف الاستخباري والعسكري الفظيع الذي ظهر أثناء الضربات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي وأدى إلى مقتل أكثرية قيادات الصف الأولى في الجيش و"الحرس الثوري" الإيرانيين ووصل إلى تهديد حياة الرئيس مسعود بزشكيان.
المبالغة في التعويل على دور لرضا بهلوي، ابن الشاه الأخير محمد رضا، ليشكل السلطة البديلة، تنجم على الأرجح من الحاجة إلى تقديم بديل ما في الوقت الذي لم يتخذ رموز المعارضة الداخلية الذين كانوا وراء "الثورة الخضراء" في 2009، مواقف واضحة مما يجري، نظرا إلى انتمائهم إلى النظام نفسه المطلوب الإطاحة به. وعليه، تبرز هنا أسئلة كبيرة عما إذا كان الإيرانيون في غالبيتهم يميلون إلى الإطاحة بالنظام الحالي مهما بلغت الأثمان أو يؤيدون التوصل إلى تسويات مشروطة وانتزاع تنازلات منه مثلما حصل في أعقاب مظاهرات "المرأة، الحرية، الحياة" في 2022 في مسألة الحجاب والتضييق على الحريات الفردية.
ولا ريب في أن المسؤولين في طهران لا يراهنون على أي إسناد أو دعم يأتيهم من الصين أو روسيا اللتين ستتصرفان إزاء إيران كما تصرفت هذه حيال حليفها السابق بشار الأسد وحيال "حزب الله" في لبنان.
واتجاه ترمب إلى فرض رسوم جمركية على من يتعامل مع إيران، ووضع "خطط قوية جدا" لضرب طهران في حال استمر قتل المتظاهرين بالوتيرة الحالية، يقولان إن الولايات المتحدة لا تود خسارة الفرصة الحالية للتخلص من المرشد علي خامنئي ونظامه. لكن هذا لا يكفي لرسم صورة معقولة لإيران التي تضم أكثر من 90 مليون نسمة وتمتد على مساحة 1.6 مليون كيلومتر مربع في مركز عقدة جيواستراتيجية هائلة الأهمية في العالم المعاصر كما كانت في العالم القديم.