انهيارات المباني في طرابلس... الجزء الظاهر

الانهيارات هذه هي الشكل الجديد لمأساة المدينة التي عانت في الحرب وفي السلم

انهيارات المباني في طرابلس... الجزء الظاهر

استمع إلى المقال دقيقة

في أقل من أسبوعين، انهار مبنيان سكنيان في مدينة طرابلس شمال لبنان. أكثر من 15 ضحية سقطوا إضافة إلى عشرات الجرحى في الحادثين.

لائحة المذنبين المعتادين ظهرت سريعا. "الدولة" بكافة أجهزتها ومؤسساتها. الوزراء والنواب الذين تولوا تمثيل المدينة منذ عقود وتركوها على حالها من الإهمال الفظيع وانعدام الخدمات وتهرؤ البنى التحتية إلى درجة الاختفاء.

وينتمي إلى طرابلس أثرى أثرياء لبنان وأفقر فقرائه، في واحدة من المفارقات اللبنانية المأساوية حيث يشكل الفقراء وقودا للمعارك السياسية والطائفية وحشودا جاهزة للاستثمار في حروب "غب الطلب" ووفق الحاجة.

يصعب فهم كارثة طرابلس المستدامة في معزل عن نظام المصالح المتشابك والمتداخل بين نافذي المدينة وأثريائها من جهة، ومن جهة ثانية السلطات التي اقتصر حضورها في المدينة في كثير من الأحيان على القمع وتنفيذ أوامر "أمراء" طرابلس الحقيقيين.

تجاور القصور والأكواخ ظاهرة قديمة تقوم على سيطرة من يهيمن على تمثيل المدينة وسيطرته على حيوات ومصائر ولقمة خبز قاطني الأكواخ وعلى ولائهم السياسي وصولا إلى التدخل في شؤونهم الشخصية مقابل فتات من المساعدات.

هذه أخبار قديمة في طرابلس. أما تكرار انهيارات المباني- التي أقيم أكثرها ضمن شروط بالغة السوء من النواحي الهندسية والتنظيمية المدنية- في هذه الأسابيع، فيرجع إلى تقادم الأبنية التي شيدت في معزل عن أي رقابة رسمية وهندسية وبمواد غير معروف مدى صلاحيتها. ناهيك عن انعدام الصيانة اللازمة وعدم الالتزام بالدراسة الجيولوجية للأرض التي تقام المباني عليها.

بل إن الانهيارات هذه هي الشكل الجديد لمأساة المدينة التي عانت في الحرب وفي السلم وتعرضت لانتقام النظام السوري السابق وبطشه.

ليس مستغربا أن تنضم كارثة انهيار المباني في طرابلس إلى سلسلة طويلة من الجرائم التي ظل مرتكبوها في منأى عن العقاب

وإذا كانت الدولة اللبنانية في العمق تشكل تجمعا للمستفيدين القادرين على انتزاع حصصهم من المال العام بالقوة والسطوة والترهيب، على ما أصبح العرف السائد منذ عقدين على الأقل، فإن ممثلي طرابلس امتازوا عن أقرانهم من ممثلي باقي المناطق بدرجة عالية من الأنانية التي حالت دون وصول حتى النزر اليسير من الخدمات العامة إلى المدينة.
فمنظومة الفساد العام في لبنان تترك لكبار السياسيين حق التصرف بما يستطيعون غنمه من أموال ومكاسب، ومن سوء حظ طرابلس أن "ممثليها" لم يهتموا بغير مصالحهم المباشرة على نحو فاق بأشواط ما أبداه ممثلو غيرها من الحواضر والمناطق. 
وليس مستغربا أن تنضم كارثة انهيار المباني في طرابلس إلى سلسلة طويلة من الجرائم التي ظل مرتكبوها في منأى عن العقاب. جرائم ليس أولها الاغتيالات التي هزت لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وصولا إلى تفجير مرفأ بيروت في 2020 وبينهما سرقة الودائع المصرفية لملايين اللبنانيين. 
المعضلة هنا أنه بعد كل مصيبة من النوع الذي شهدته طرابلس، ينقسم المتضررون بين من يفضل انتظار ما سيجود به زعيم طائفته (وهو المسؤول في أغلب الأحيان عن الكارثة) وبين السعي إلى العدالة المنتظرة من دولة عاجزة ومفككة. هكذا حصل مع المودعين في المصارف، حيث اخترع المصرفيون جمعيات تدافع في الظاهر عن حقوق المودعين وتعمل من وراء الستار لمصلحة أصحاب المصارف.
وهذا ما حصل مع أهالي ضحايا تفجير المرفأ الذين "انشقوا" بتحريض من القوى المتهمة بجلب المتفجرات وتخزينها، إلى معسكرين واحد يطالب الدولة بتسريع التحقيقات وآخر يتهم المحقق بالعمل "ضد المقاومة". 
ستبدو الصورة هنا شديدة السواد. ذلك أن كثراً من اللبنانيين يدركون استحالة الإصلاح وبالتالي تحقيق العدالة للضحايا من دون تفكيك كل منظومة الفساد برموزها ومؤسساتها والدولة الرديفة التي أقامتها. وهذا ما لا يريده أي من الممسكين بزمام السلطة. 

font change