حين تقول الخرافة ما نخاف قوله

حين تقول الخرافة ما نخاف قوله

استمع إلى المقال دقيقة

لا تعيش الحكايات الشعبية فقط كي تسلي، فهي الذاكرة السرية للناس، تحفظ مخاوفهم ورغباتهم وتردد أسئلتهم التي لا يجرؤون على قولها علنا. ومع ذلك، لا يحب كثير من حراس الثقافة هذا الوجه غير المهذب من الذاكرة، فيسعون إلى تهذيبه أو إخفائه... وهنا بالضبط تبرز أهمية الأدب حين يقرر فتح الدفاتر القديمة.

من بين هذه الحكايات المنسية في الخليج العربي، تبرز خرافة المرأة التي خانت زوجها الغائب في البحر. زوج يغوص لأشهر طلبا للرزق، وامرأة وحيدة تصارع الانتظار والغياب، ثم تقع في علاقة محرمة. قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى إدانة أخلاقية مباشرة، لكنها حين تدخل عالم الرواية تتغير طبيعتها، حيث لا تعود درسا في الأخلاق، بل سؤالا إنسانيا عن حدود البشر وضعفهم.

الخطابات الرسمية تفضل صورة المرأة المجردة، الصابرة، الطاهرة، التي لا تخطئ، لذلك يحتفى غالبا بحكايات مثل "أم الدويس" و"سلامة وبناتها" وغيرها من الخراريف والحكايات الشعبية التي تدين الرجل العنيف أو الخائن، لأنها تمنح طمأنينة أخلاقية. لكن حين تظهر امرأة تخون، تتحول الحكاية إلى فضيحة في نظر البعض، وكأنها إساءة إلى المرأة. هذه النظرة تفترض أن المرأة ليست إنسانة لها رغبات وتناقضات وحدود، بينما الدفاع الحقيقي عنها يبدأ من الاعتراف بإنسانيتها، فمن الطبيعي أن تكون محبة وخاطئة، قوية وضعيفة في الوقت نفسه. الأدب لا يبرر الخيانة، لكنه يرفض أن يجرد البشر من تعقيدهم.

ولأن الخرافة تولد من سياقها في مجتمعات البحر، وحيث كان الرجال يغيبون شهورا، وتبقى البيوت معلقة بين الانتظار والقلق، ماذا يحدث للعاطفة؟ ماذا تفعل الوحدة بالجسد والروح؟ لذلك لم تكن الحكاية دعوة للخيانة، بل محاولة بدائية لفهم هشاشتنا أمام الظروف القاسية. وعندما تعاد كتابتها داخل رواية، ومعالجتها أدبا، يتسع السؤال واللوم، هل نلوم المرأة وحدها؟ أم الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي وضعتها في معادلة مستحيلة؟ أم الرجل الذي غاب مضطرا أو مختارا؟

هذه النظرة تفترض أن المرأة ليست إنسانة لها رغبات وتناقضات وحدود، بينما الدفاع الحقيقي عنها يبدأ من الاعتراف بإنسانيته

بطبيعة الحال كل ثقافة من ثقافات الشعوب تمتلك ذاكرتين، واحدة معلنة، مهذبة، تروى في الاحتفالات والخطب والصحف، وأخرى خجولة تحكى بين البيوت فقط. الخرافة المنسية تنتمي إلى هذه الذاكرة المخفية، والكاتب حين يستعيدها لا يسيء إلى وطنه، بل يصحح صورته، يحولها من تمثال مثالي إلى صورة بشرية قادرة على الاعتراف بعيوبها. فوظيفة الأدب ليست التمجيد، بل الفهم.

أما اتهام الأدب أو الأديب بأنه يسيء إلى المرأة لأنه يعرض بطلة وطنه خائنة، يشبه اتهام المرآة بأنها تشوه الوجه. الأدب لا يختلق ما ليس موجودا، إنه يسلط الضوء على ما فضلنا تجاهله طويلا، وهذه الحكايات لا تضعف المجتمع، بل تقويه، فالمجتمع الذي يرى عيوبه بصدق، أقدر على حمايتها من الإنكار.

ولعل أجمل مثال على ذلك خرافة المرأة التي صعدت النخلة، زوجها يغيب لأشهر في البحر، فتقع في حب رجل آخر. يطلب العشيق دليلا على حبها، فتخطط بخبث: تطلب من زوجها أن يقف تحت النخلة بينما تصعد هي لترمي له الرطب. وفي كل مرة تنظر إلى الأسفل تصرخ مدعية أنها ترى امرأة بجانبه. ينكر الزوج ويقسم، وتبكي هي وتتهمه. ثم تقترح أن يصعد هو وتبقى هي في الأسفل. ما إن يصل إلى أعلى النخلة حتى تنادي العشيق ليجلس إلى جوارها. يرى الزوج المشهد، لكنه يضحك قائلا: "حقا… من فوق النخيل يرى الإنسان الناس بعضهم مع بعض".

من يظن أنه يحمي الثقافة عبر محو ما لا يريحه، فهو لا يحمي شيئا، إنه يترك التاريخ ناقصا

يجن زوجها منذ ذلك اليوم، لتبدو الخرافة قاسية ومربكة، لذلك توقف المجتمع الرسمي عن روايتها، أو كتابتها، لأن المؤسسات تريد أن تقدم امرأة قديسة، ولا يوجد مجتمع بلا أخطاء. لكن الخرافة تذكرنا بأن البشر، في لحظات الشدة، قد يخطئون، رجالا ونساء، وأن الأدب حين يروي هذه الحكايات لا يحتقر المجتمع، بل ينقذه من ذاكرة مزينة ومبتورة.

وأخيرا، الخرافة هنا ليست فضيحة، إنها مرآة نطل بها على أنفسنا من دون تزيين. ومن يظن أنه يحمي الثقافة عبر محو ما لا يريحه، فهو لا يحمي شيئا، إنه يترك التاريخ ناقصا. أما الأدب، فيبقى أمينا على ما اختفى، يكتبه بهدوء، ويترك للزمن أن يعترف به لاحقا.  

font change